حين اجتمع قادة دول البريكس في نيودلهي الأسبوع الماضي، بالتزامن مع اجتماع قادة أوروبيين مع أمريكيين في لندن، كانت الأنظار متّجهة إلى قرارات هاتين القمتين والمقارنات التي يمكن أن تجري ببينهما. ولكنّ صورة واحدة صدرت عن اجتماعات قادة دول البريكس حملت لي مؤشراً هاماً إلى كلّ ما يمكن أن استنتجه على مستوى المواقف والآراء. وفي الحقيقة، لم تكن قمة القادة الغربيين في لندن ذات شأن؛ إذ اختلفوا وحاولوا لملمة مواقفهم. هذا ناهيك عن البعد الشاسع الذي يفصل عادةً بين النتائج الفعلية والعبارات الموجهة للإعلام، والتي تعمد إلى خلق المفهوم الذي يبتغونه في أذهان المتلقّين، حتى وإن لم يكن انعكاساً لما تمّ الاتفاق عليه. وهذا بالطبع ناجم عن ازدواجية المعايير والسّعي وراء المصالح في الوقت الذي تشير به كلّ الإدعاءات أنّ السعي هو وراء إنجاز قيم إنسانية وأخلاقية. أمّا في قمّة البريكس، فقد كانت النتائج بسيطة وسهلة على الفهم: موقف حازم ضدّ الإرهاب، وضدّ التدخّل في الشؤون الداخلية للدول. ولكن أداء قادة البريكس تجاوز الموضوع السياسي ليلامس شغاف الموضوع الثقافي، وهو الموضوع البالغ الأهمية في ضمائر وحياة الشعوب، وإن كان الساسة غالباً لا يجدون الوقت للخوض فيه أو الإشارة إليه. وهنا كانت صورة واحدة قادرة على حمل إيحاءاتٍ جمّةً ومهمّةً لا بدّ من التوقّف عندها لأنها تشكّل جوهر الصراع الإنساني في عالم اليوم. ظهر كلّ قادة دول البريكس في نيودلهي؛ الرئيس الروسي، والصيني، والبرازيلي، والجنوب إفريقي، ومضيفهم الهندي طبعاً وهم يرتدون الزّيّ الهندي، ويرفعون أياديهم المتشابكة،ـ والإبتسامات تعلو وجوه الجميع. هذه الصورة على بساطة فكرتها، تشكّل مفارقة مهمّة مع الثقافة الغربية، التي كانت مجتمعة في لندن في اليوم ذاته لأنّ هذه الصورة تعبّر عن احترام الآخر، وعن الاعتراف بأنّ كلّ ثقافات الشعوب تشكّل رافداً للثقافة الإنسانية، ومصدر غنىً لها، بينما العلاقة مع الغرب تبدأ دائماً من ضرورة الامتثال له، والظهور بمظهره هو، وتناول غذائه، واحترام طريقة عيشه هو بغضّ النظر عن الثقافة التي تشرّبتها منذ نعومة أظفارك، والتي هي أنت، ولا يمكن لك أن تكون أنت كاملاً ومتوازناً وكريماً إذا ما تمّ تجريدك منها أو حتى من بعض عناصرها.

قد تكون هذه هي العلامة الفارقة والجوهرية والمهمّة جداً للجميع بين القطب الاستعماري الغربيّ الذي هو في حالة انحدار اليوم، وبين قطب البريكس الذي يصعد نجمه يوماً بعد يوم؛ إذ إنّ الدول الغربية قد استعمرت شعوباً وسلبتها الخيرات والكرامة والسيادة، وقامت بإبادة شعوب كاملة عن بكرة أبيها كانت تحمل موروثات ثقافية وروحية وتاريخية هائلة، فحرمت الإنسانية من هذا المصدر الثقافي الثرّ. ولذلك، فإنّ النظرة الغربية الاستعمارية للثقافات والحضارات الأخرى هي نظرة السيد للعبد. ورغم تمظهرات الحداثة، وادعاءات احترام السيادة وحقوق الإنسان، فإنّ الغرب بمجمله مازال يتصرّف بأنه السيد، وأنّ أفضل ما يمكن أن يتطوّر إليه الآخرون هو أن يكونوا تابعين له ومقلّدين. ولذلك، فإنّ دعوة الغرب لنشر الديمقراطية هي باختصار دعوة لتعميم أنموذجه من الديمقراطية، وطريقة عيشه، وأسلوب عمله وحياته. فمع أنّ إيران وروسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا كلّها دول ديمقراطية، إلّا أنّ كلّ نظام ديمقراطي في كلّ بلد من هذه البلدان يختلف عن النظام الديمقراطي في البلد الآخر، وهذا طبيعي جداً لأنّ ثقافة كلّ بلد وطريقة العيش فيه، وأسلوب حياته تختلف حسب مكوّنات الشعوب وتاريخ الشعوب.

وباسم الانفتاح على الآخر، وتحويل العالم إلى قرية واحدة، فإنّ الغرب يحاولُ تعميم فكره وعقيدته وأنموذجه. ولذلك فإنّ الانفتاح على الغرب يعني له شيئاً واحداً، وهو الذوبان فيه، وأن تخلق نفسك وبلدك مرّة أخرى على صورته، بينما الانفتاح بالنسبة لدول البريكس ومعظم دول العالم من ورائها يعني التلاقح الثقافي مع الحفاظ على كلّ مكونات الثقافات التي يغتني بها الجميع. ذلك لأنّ النظرة هنا ليست استعمارية أو استعلائية، بل هي نظرة صحية وجميلة للاختلاف، ونظرة قبول للآخر واستعداد للتعلّم منه، أو على الأقلّ الاغتناء بما لديه.

ولكنّ المشكلة التي نعاني نحن منها في العالم العربي هي أنّ فريقاً من بلداننا قرّروا الذوبان في المشروع الغربي، وخدمة أهدافه بحجّة الانفتاح عليه، وأصبحوا نقطة ضعف في مجتمعاتنا وبلداننا لأنّهم شكّلوا اختراقاً يمكن للغرب النفاذ منه لتقويض ثقافتنا وهويتنا وحضارتنا بذريعة الانفتاح على الآخر. ولا بدّ هنا من أن نتذكر قول المهاتما غاندي في هذا الصّدد، حيث قال: «يجب أن أفتح نوافذ بيتي لكي تهبّ عليه رياح جميع الثقافات بشرط ألّا تقتلعني من جذوري». إذاً ليس من قبيل الصدفة أن تلك الصورة لقادة البريكس ظهرت من الهند، وأنها ليست مجرّد صورة، وإنما هي ثقافة ستحلّ أهلاً وتتموضع سهلاً في عقولنا وقلوبنا بديلاً عن الثقافة الغربية الاستعلائية وفي وقت ليس ببعيد ستكون نقطة جاذبة لأبناء الإنسانية جمعاء كلّ ما نأمله هو أن يتمكن العرب، كلّ العرب، من فتح أبواب نوافذهم فقط دون أن يقتلعهم هذا الانفتاح من جذورهم ويدمّر حضاراتهم وهويتهم وحضورهم في التاريخ البشري.