تستضيف العاصمة الكازاخستانية، أستانة، في 23 من الشهر الحالي، جولة مُفاوضات جديدة بين مُمثّلين عن النظام السوري من جهة، وعن بعض فصائل المُعارضة من جهة أخرى. فهل الطريق بات سالكًا لإنهاء الحرب السورية التي تدخل في آذار المُقبل عامها السابع؟
لا شكّ أنّ أكثر من جهة إقليميّة ودَوليّة تعمل على تثبيت الأمر الواقع الذي إنتهت إليه ست سنوات مُتواصلة من المعارك الدامية في سوريا، عبر مُحاولة وقف الخروقات الحاصلة لاتفاق وقف النار الذي بدأ في 30 كانون الأوّل 2016 الماضي، تمهيدًا لإطلاق مساع جديدة ترمي إلى إيجاد تسوية سياسيّة للنزاع، وفق مَوازين القُوى الحالية. وهذه المَوازين هي حاليًا لصالح النظام السوري، ليس لأنّه صار أقوى بعد مرور ست سنوات على القتال والتدمير، ولكنّ لأنّ التدخّل الروسي-الإيراني الميداني المُباشر أسفر عن تغيير الخريطة العسكريّة على الأرض، مُستفيدًا من كل من الإنكفاء والتردّد الأميركي-الأوروبي، والتضعضع الداخلي التُركي، والخلافات بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الخليج، وفي ما بين هذه الأخيرة أيضًا. فهل هذا الإختلال في موازين القوى سيسمح بفرض تسوية سلميّة بمن حَضر؟
التحاليل الغربيّة تعتبر أنّ ​روسيا​ التي باشرت بتخفيف حُضورها العسكري في البحر الأبيض المتوسّط، هي الجهة الأكثر رغبة بالتوصّل إلى نواة إتفاق تسوية في مُفاوضات آستانة، كونها حقّقت الأهداف التي كانت وراء تدخّلها عسكريًا في سوريا، وأبرزها إستعادة هيبتها الدَولية، وفرض حُضورها السياسي في الشرق الأوسط، وتوسيع وتعزيز حُضورها العسكري على الساحل السوري وفي البحر الأبيض المتوسّط، وتسجيل مزيد من نقاط الربح في سياق "معاركها الباردة" مع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية، وجعل العديد من الدول العربيّة والخليجيّة إضافة إلى إيران وتركيا في حاجة دائمة لإرضائها، إلخ.
بالنسبة إلى إيران، فالمعركة لم تنته بعد، وهي لا تُريد منح الجماعات المُسلّحة المُعارضة للنظام، وبحجّة تهدئة الأوضاع تمهيدًا لعقد مفاوضات تسوية، فرصة إلتقاط الأنفاس تحضيرًا ربّما لجولات قتاليّة جديدة في المُستقبل. كما أنّ طهران لا تُحبّذ أن تسحب موسكو ورقة التفاوض في الملفّ السوري منها، ولا أن تُعطي "المُعارضات" المختلفة، ضمانات مُحدّدة بشأن حجم وُجودها المُستقبلي في السُلطة أو مصير الرئيس ​بشار الأسد​، إلخ.
وبالنسبة إلى تركيا فهي ترى في عودة تعاونها مع روسيا خشبة خلاص لتخبّطها الحالي، حيث أنّ مشاكلها السياسيّة والأمنيّة والإقتصاديّة، باتت أكثر من أن تُحصى وتُعدّ، الأمر الذي يستوجب تنازلات من جانبها، في حال كان اللاعب الدَولي الروسي راغبًا بمنحها ضمانات تكفل لها حُضورها الإقليمي ومصالحها في المنطقة، ولوّ على حساب توتّر علاقاتها مع دول الخليج وتراجع نُفوذها الميداني في الداخل السوري.
ومن بين أبرز المشاكل التي تُواجه المفاوضات المُرتقبة في العاصمة الكازاخستانيّة، غياب العديد من القوى المُؤثّرة في الحرب السورية، وبطبيعة الحال في أي سلام منشود. والحديث هنا ليس عن غياب فصائل مُسلّحة مُحدّدة، لأنّ القرار النهائي ليس بيدها، وإنّما غياب الحُضور السعودي والقطري والخليحي عُمومًا، وغياب الحُضور الأميركي وحتى الأوروبي، علمًا أنّ إثنين من الرعاة الثلاثة لمفاوضات آستانة يدعمان النظام السوري عسكريًا وسياسيًا، بينما الراعي الثالث لهذه المفاوضات أي تركيا تدعم جزءًا من هذه المُعارضة، وهي صارت على خلاف سياسي وحتى دموي مع فصائل مُعارضة مختلفة أخرى، ولا يُمكنها أن تكون بالتالي ممثّلاً لكامل "المعارضات" السورية، خصوصًا وأنّ أنقره هي حاليًا في موقع الباحث عن إستعاة توازن وحُضور تركيا، وليس في موقع البحث عن كيفية إنقاذ المعارضة السورية، بحسب ترتيب الأولويّات. ومن الضروري الإشارة أيضًا إلى أنّ جهات دَوليّة أخرى عازمة على مُعاودة مُفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المُتحدة إعتبارًا من 8 شباط المُقبل، وهي تعتبر أنّ دور مفاوضات آستانة لا يجب أن يتعدّى مسألة تحضير الأرضيّة لجولة التفاوض الجديدة في جنيف، والتي هي برعاية أمميّة واسعة.
في الخلاصة، الأكيد أنّ النظام السوري القوي ظاهريًا، لا يملك أوراق التفاوض المُقبلة بين يديه، حيث يُوجد من يُفاوض عنه طالما أنّ هؤلاء يُقاتلون ويموتون عنه أيضًا، لكنّ دمشق تأمل أن يتم فرض تسوية لا تُعطي بُخطوطها العريضة المُعارضة سوى بعض المقاعد الوزارية والنيابية المحدودة في مُقابل بقاء الواقع الحالي كما هو. وفي المَقلب الآخر، الأكيد أنّ "المعارضات السوريّة" الضعيفة حاليًا، لا تملك بدورها أوراقًا مهمّة على طاولة التفاوض، وهي تعلم أنّ المطالب التي لم تتمكّن من فرضها عندما كانت على أبواب إسقاط العاصمة دمشق، لن تتمكّن من تمريرها بعد نجاح النظام السوري بدعم من حلفائه، في تحصين حُدود "سوريا المفيدة"، لكنّها ستتمسّك من باب المُناورة وكسب الوقت، بالقرارات الدَوليّة الخاصة بسوريا، لا سيّما منها تلك التي تدعو إلى تشكيل هيئة إنتقالية للحُكم بسُلطات واسعة. وبالتالي، ما سيحصل في مفاوضات آستانة ومن بعدها في مفاوضات جنيف، لا يعدو كونه محاولات لفرض تسوية لا تُرضي النظام السوري بالكامل، وهي بالتأكيد لا تُمثّل آمال مُعارضيه، ومصيرها الفشل على الأرجح، وذلك في إنتظار معرفة حجم وطبيعة وفعاليّة الدور الذي ستقوم به الإدارة الأميركيّة الجديدة في عهد الرئيس ​دونالد ترامب​، وهو الدور القادر على سحب آخر آمال مُعارضي النظام السوري، وعلى إعادة بعثها حيّة من جديد! فلننتظر ونرى...