ليستالولايات المتحدة الاميركيةدولة صغيرة او هامشية، هي من الدول الكبرى ان لم تكن الدولة الاكبر حالياً في العالم من حيث النفوذ والقوة. صحيح انها تشهد بعض التراجع امام قوى بدأت تستعيد نشاطها على غرار روسيا والصين، ولكن هذا لا يعني ان مواقفها وسياستها لا تؤثر على دول العالم.

لا شك ان لبنان على خارطة الاهتمام الاميركي، ولا يمكن فصل القرارات التي تتخذ في ما خص هذا البلد الصغير جغرافياً عن خط سياسي وضعته واشنطن وتعمل عليه. وخلال ايام قليلة، واصل لبنان تلقي رسائل متناقضة من الاميركيين، وصلت الى حد الغموض، حيث تسرب خبر الاستعداد لتوسيع العقوبات الاقتصادية والمالية علىحزب اللهلتشمل حلفاءه ( تم الحديث عن حركة امل والتيار الوطني الحر)، فيما حطّت طائرة نقل اميركية في مطار رياق تنقل مساعدات لوجستية عسكرية للجيش اللبناني.

لا احد يمكن ان ينكر مدى الترابط القائم بين الوضعين المالي والامني في اي بلد في العالم، فانهيار الاول يؤدي بطريقة آلية الى تضعضع الثاني وعدم استقراره، ومن خلال قراراتها، تدرك واشنطن ان توسيع العقوبات على حزب الله وحلفائه من شأنها، اذا كانت جدية وقاسية، ان تؤثر على لبنان بشكل عام وعلى القوى السياسية فيه، فالجميع يعيشون على الارض اللبنانية والوضع سيلقي بضغوطه على اللبنانيين بشكل عام.

في المقابل، يعلم الاميركيون وغيرهم ان تعزيز قدرات الجيش هو مطلب لبناني، وان المساعدات التي تتلقاها المؤسسة العسكرية لن تكون من اجل مواجهات داخلية، ولن يضع الجيش نفسه في مواجهة حزب الله مهما كان الثمن، لان النتيجة ستكون كارثية على هذا البلد دون ادنى شك. لذلك، يجب قراءة الرسالتين بشكل منفصل، رغم ترابطهما من حيث المصدر والنتائج، ليكون القرار المالي بمثابة تذكير بأن الاميركيين لم يغيّروا سياستهم تجاه لبنان مع تغيير الادارة، وهو على عكس ما تمناه البعض، وخصوصاً من معارضي حزب الله. ان العقوبات المالية الاميركية لن تشلّ الحزب او تقوّض بقاءه ونفوذه ودوره، ولكنها رسالة مفادها ان السلاح المالي والاقتصادي سيبقى مسلطاً على الحزب، وان ما نجح مع ايران قد ينجح مع حزب الله على المدى الطويل.

اما رسالة الدعم للجيش، فهي تؤكد دون التباس، ان هذه المؤسسة العسكرية لا تزال تحظى بثقة الاميركيين والعالم اجمع، وان الدور الذي يقوم به الجيش يحظى باحترام الخارج، وانه سيبقى الورقة الرابحة التي يلعبها الجميع حين يُسدّ افق الحلول، كما ان استعمال مطار رياق هو تمهيد للبدء بالتفكير به كمطار ثان، بعيد (ولو نظرياً) عن سيطرة حزب الله، على عكس مطار بيروت الدولي.

لا تهدف أميركا الى تقويض الوضع المالي والنقدي والاقتصادي اللبناني، ولكنها ترغب في تشديد المراقبة على المصارف من جهة، وربما اعتمادها كوسيلة ضغط سياسي على حزب الله، وهذا قد يكون الهدف من توسيع مروحة العقوبات لتطال حلفاء الحزب، وجعلهم يفكرون حول بما اذا كانت مصالحهم ستبقى على حالها بعد العقوبات التي ستفرض. ولا ترغب بالطبع في زعزعة الوضع الامني والعسكري، انما التشديد على دور الجيش في الاهتمام بلبنان من جهة، وبمحاربة "داعش" من جهة ثانية، وهو يقوم بالمهمتين بنجاح، ما يجعله مرة جديدة "خشبة الخلاص" للبنان.

وبعد ان يتم الكشف عن العقوبات المالية الاميركية، سيكون مصيرها كمصير العقوبات التي سبقتها، حيث بات الحزب مجهزاً لمواجهة هذا الاسلوب بطرق متعددة، وهو لن يتوقف عن تلقي الاموال واعطائها لمحازبيه واقامة النشاطات. على اي حال، من المهم ان تبقى عناصر الثقة قائمة بين الجيش اللبناني من جهة، ولكل الدول من جهة ثانية، لان ما يقوم به ليس محصوراً بمنطقة جغرافية او شريحة معيّنة من الناس، وهذا هو مطلب القوى الخارجية، خصوصاً اذا ما فشلت المساعي للاتفاق على قانون انتخاب جديد، ما يهدد وفق البعض الى اللجوء الى الشارع، وعندها سيكون الجيش هو الحل مجدداً.