منذ اليوم الأول لتسلم الرئيس الأميركيدونالد ترامبالسلطة في البيت الأبيض، سيطر الغموض على موقف بلاده من الكثير من القضايا العالمية، نظراً إلى أن الملياردير المثير للجدل، الذي نجح في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في الإنتخابات الرئاسية، لم يكن لديه خطة عمل واضحة على المستوى الدولي، لكن ظهرت مؤخّرًا بعض المؤشرات التي توحي بأن هناك تخبطاً في مواقف واشنطن، التي عادت إلى لغة التهديد لا سيما بالنسبة إلى الدول التي كانت تصنّفها ضمن محور الشر، أيكوريا الشماليةوسورياوالجمهورية الإسلامية في إيران.

على هذا الصعيد، يمكن رصد الضربة الصاروخية التي نفذتهاالولايات المتحدةضد قاعدة الشعيرات السورية، ومن ثم جاء إلقاء الجيش الاميركي "أُم القنابل" على شبكة أنفاق لتنظيم "داعش" الإرهابي في افغانستان، بالإضافة إلى إطلاق موجة واسعة من التهديدات نحو كوريا الشمالية، قبل أن يتم الإعلان عن أن الرئيس الأميركي أعطى أوامره لمراجعة الإتفاق النووي مع طهران، في خطوات وضعها البعض في سياق إستعراض القوة من قبل ترامب بعد أن كان يصف سلفه باراك أوباما بالضعيف.

في هذا السياق، يشرح الدكتور في العلاقات الدولية باسم صيداني، في حديث لـ"النشرة"، أن الإدارة الأميركية ليست عبارة عن شخص الرئيس بل هناك أجهزة أخرى تتحكم بالسياسة الخارجية والداخلية، منها الجهاز الرئاسي الذي يضم نائب الرئيس والمستشارين ومجلس الأمن القومي، بالإضافة إلى جناح شركات النفط والسلاح.

ويعتبر صيداني أن الخطاب الأميركي يستخدم في هذه المرحلة ما يعرف بـ"التسخين" في مختلف الملفات، بهدف إعادة التوازن من أجل تحسين شروط الوصول إلى الأهداف من جهة، ومن أجل إرسال رسالة إلى الحلفاء بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنهم من جهة ثانية، لكنه يلفت إلى أن القدرات الإقتصادية لا تساعد واشنطن على التصعيد العسكري، وبالتالي الحرب في الوقت الراهن لا تخدم الأهداف الأميركية، ويشير إلى أن الأمور تتوقف أيضاً على مواقف باقي القوى في المناطق التي يتم فيها "التسخين" لا سيماروسياوالصين.

من جانبه،، يوضح السفير اللبناني السابق في الولايات المتحدة رياض طبارة، في حديث لـ"النشرة"، أن بعض الأمور كان متفقاً عليها بين ترامب والمستشارين الذين تم تعيينهم، لا سيما بالنسبة إلى تحييد طهران في منطقة الشرق الأوسط والإستعاضة عنها بالقوى السنيّة، أي السعودية وتركيا ومصر، لكنه يلفت إلى أن التحول هو بالإنتقال من سياسة أميركا أولاً التي تحدث عنها ترامب في خطاب التنصيب إلى التدخل بالشؤون العالمية، بعد أن كان الإعتقاد بأن هذا التدخل لن يحصل إلا بما يؤثر بالأمن القومي.

ويشير طبارة إلى أن ما يحصل يعود إلى الخلاف الكبير بين ترامب وكبير إستراتيجيي البيت الأبيض ستيف بانون، صاحب نظرية أميركا أولاً، بعد أن فشل الأخير في معالجة بعض القضايا، منها قانون الهجرة وأوباما كير، في حين تقدم نفوذ مجموعة ثانية من المستشارين يقودها جنرالات عسكريون يريدون إعادة واشنطن إلى قيادة العالم، ويضيف: "في ظلّ المواجهة بين المجموعتين قرّر مستشار الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنر أيضاً الإنتقال إلى صفوف الجنرالات".

إنطلاقاً من ذلك، لا يعتبر السفير طبارة أن هناك تخبّطاً في الموقف الأميركي إذا كان المتابع ينظر إلى موقف هؤلاء الجنرالات المفكرين، لكنه يوضح أن ترامب من الممكن أن ينتقل في مواقفه من جهة إلى أخرى بسرعة قياسية، إلا أنه يستبعد حصول تحوّل جديد لأن القيادات العسكرية قويّة وبانون في طريقه إلى الخروج من البيت الأبيض، ويعتبر أن الفوضى في المواقف الأميركية الحالية سببها الفوضى في تفكير الرئيس.

في المحصلة، هناك مجموعة من الأسباب التي تقف وراء المواقف الأميركية الأخيرة من كوريا الشمالية وسوريا وإيران، لكنها تأتي في سياق السعي إلى إستعادة الدور السابق مع تصدر الجنرالات العسكريين الواجهة.