الطبقة الرمادية، الأكثرية الصامتة، وغيرها من المصطلحات التي تتردد بكثرة بين المهتمين بالشأن الانتخابي فيإيران. هذه الطبقة تشكل في كل انتخابات رئاسية نقطة تحول قد تغير مجرى الانتخابات، لأنه لا يمكن معرفة أهواءها إلا في صناديق الاقتراع. وبعيداً عن الرهانات على مناصري كل تيار، يبقى العمل على استقطاب هذه الطبقة هو العمل الأساسي لأي مرشح في إيران.

مع انطلاق الانتخابات وفتح صناديق الاقتراع صباح اليوم الجمعة، احتدمت المنافسة بين التيار الاصلاحي برئاسة المرشححسن روحاني، والتيار المحافظ بقيادة المرشحابراهيم رئيسي. 56 مليون ايراني تقريباً سيتوجهون اليوم إلى الانتخابات، مع ترجيحات بأن تصل نسبة المشاركة هذا العام إلى 70% تقريباً.

روحاني رئيساً؟

يجمع الاصلاحيون والمحافظون على أنه كلما ارتفعت نسبة المشاركة، كلما زادت حظوظ الرئيس الحالي بالوصول إلى رئاسة الجمهورية. وفي حوار لـ"النشرة" مع المسؤول في صحيفة "الشرق" الايرانية الاصلاحية مهدي رحمانيان، ومع الصحافي في وكالة "مهر" الايرانية والمقربة من المحافظين محمد مظهري، يؤكد الجانبان على أن هذه الانتخابات تشهد حماساً كبيرأ ومنافسة شرسة. ويوضح مظهري أنه "بعد انسحاب المرشح الاصلاحي نائب روحاني حالياً اسحاق جهانغيري، والمرشح المحافظ رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف، اشتدت المعركة بين مرشحين رئيسيين هما روحاني ورئيسي"، مرجحا انتهاء الانتخابات في دورتها الأولى.

أما رحمانيان، فيرى أن "مرور إيران بفترة حكم الرئيس الأسبق أحمدي نجاد والتي امتدت على ثماني سنوات، شكّل عدم رغبة لدى الشعب الايراني بالعودة الى هذه الفترة وبالتالي الكل يريد المشاركة". وعن المرشح الفائز، يقول رحمانيان بكل ثقة "بالتأكيد روحاني هو الفائز. فاليوم، الطبقة الرمادية تميل أكثر إلى الاصلاحيين وثقلها يصب في مصلحة روحاني"، لافتاً إلى أنه "مع ازدياد نسبة الاقتراع، سترجح كفّة الاصلاحيين". ويوافقه الرأي مظهري، فيؤكد ان انخفاض نسبة الاقتراع تعني فوز المحافظين والعكس صحيح، عازياً السبب أيضاً إلى الطبقة الرمادية. ويعرب مظهري ورحمانيان عن عدم اعتقادهما بأن تتبع الانتخابات أي أعمال شغب نظراً للجهوزية الكاملة للقوى الأمنية.

الإقتصاد المقاوم

في سياق آخر، يشير رحمانيان إلى أنه "في انتخابات عام 2013، كان الموضوع الخلافي هو الاتفاق النووي، وفاز روحاني في هذا الملف. أما هذا العام، فالاقتصاد يشكل عصب هذا الموضوع". ويلفت إلى أن "الخلاف في هذا الأمر يظهر بطريقة التفكير الاقتصادية لكل مرشح. فرئيسي يعتمد على سياسة توزيع الثروات والصدقات على المواطنين، أما روحاني فيسلك نهج الاقتصاد الانتاجي وتعزيز قدرات الناس"، مؤكداً أنه "مهما كانت نتائج الانتخابات فإن الاتفاق النووي لن يمس به أحد، لأنه اتفاق دولي وليس ناتجاً عن عمل حكومي بل ان النظام في الجمهورية الاسلامية الايرانية هي المسؤولة عنه".

من جهته، يعتبر مظهري أن "الفارق في النهج الاقتصادي لكل مرشح هو أن "رئيسي يعتمد على قدرات الشباب الداخلية واعتماد سياسة الاقتصاد المقاوم (مصطلح أطلقه المرشد الاعلى للثورة الاسلامية في ايران السيد علي خامنئي ويعني الاكتفاء الذاتي من منتوجات ايران والاستقلال الاقتصادي)، أما روحاني فيعتمد سياسة الدبلوماسية الفاعلة وتوسيع العلاقات مع العالم وأوروبا وأميركا في مختلف المجالات. وبالتالي الفارق هو بين الاقتصاد المقاوم والانفتاح الاقتصادي".

سيطرة الاصلاحيين

بالاعتماد على احصاءات الرأي التي أظهرت مشاركة ما يقارب الـ70% من الشعب الايراني، واستناداً الى ما أورده مظهري ورحمانيان، فإن روحاني هو الأقرب إلى الفوز بعد اغلاق صناديق الاقتراع مساء اليوم. ولكن ماذا بعد فوزه؟

ترى بعض الأوساط الإيرانية المتابعة لملف الانتخابات، أن هذا الـ"فوز في هذه الانتخابات لا يعني فقط أن الرئاسة ستبقى في يده لمدة أربع سنوات، بل أيضاً سيطرة التيار الاصلاحي على الرئاسة في ايران لفترة طويلة"، عازية السبب إلى أن "خسارة المحافظين في هذه الدورة تعني خسارتهم ثقة بعض الشعب الايراني وخصوصا الطبقة الرمادية. فأن تخسر انتخابات قدّمت كل شيء لأجلها وانحصرت الخيارات بمرشح واحد تعني ضعف شعبية هذا الفريق".

وتلفت هذه الأوساط إلى أن "سيطرة الاصلاحيين على مفاصل الدولة الداخلية تعني تغيير طريقة التفكير ومنهجية الحياة في البلاد، خصوصاً وأن روحاني ومن يحيط به يتكلمون كثيراً عن تغيير المناهج التعليمية "بما يتناسب مع التطور الغربي"، ما يعني انفتاح المجتمع والفكر الايراني على الثقافة الغربية، علماً أنه بقي لفترة طويلة منعزلاً عن العالم". وتضيف الأوساط أن "التهديدات التي تحصل على المحافظات الحدودية وخصوصاً في محافظتي خوزستان والأهواز، اضافة لاشتعال الحروب التقسيمية في المنطقة من سوريا إلى العراق، تؤكد ضرورة البقاء في صف واحد لمواجهة أي مخطط سلبي ضد إيران".

ساعات تفصلنا عن اعلان النتائج في الانتخابات الرئاسية الإيرانية. فكيف سيكون شكل ايران بعد ذلك؟ وهل ستبقى على النهج الذي سلكه روحاني، أم سيعود المحافظون لالتقاط مفاصل الدولة بعد فقدانها لمدة أربع سنوات؟.