تُشكّل مُشكلة اللاجئين السوريّين إلى لبنان إحدى أهمّ المشاكل التي تواجهها الدولة اللبنانيّة والشعب اللبناني، بسبب إنعكاساتها الأمنيّة والسياسيّة والديمغرافيّة والإقتصاديّة والمالية والحياتيّة والإنسانيّة، إلخ. وقد أدّت الإجراءات الأمنيّة الإستباقيّة التي نفّذهاالجيش اللبنانيضُدّ بعض مخيّمات النازحين في الفترة الأخيرة إلى دخول الكثير من اللبنانيّين والسوريّين في جدل حاد على مواقع التواصل الإجتماعي أطلقت فيه كل أنواع الإتهامات المُتبادلة. وكادت الأمور تصل إلى حد المُواجهة الميدانيّة المُباشرة لو جرى السماح بتنظيم التظاهرات المُتقابلة في بيروت، باعتبار أنّ الإحتقان بلغ ذروته. فهل فعلاً يُواجه السوريّون ظلمًا وعنصريّة من جانب اللبنانيّين؟.
لوضع الأمور في نصابها، من الضروري الإشارة إلى ما يُعانيه اللبنانيّون، قبل التطرّق إلى مآخذ السوريّين عليهم. وفي هذا السياق، يُمكن تعداد ما يلي:
أوّلاً: اللبنانيّون بأغلبيتهم دفعوا في القرن الماضي ثمنًا باهظًا من حياتهم ومُمتلكاتهم عندما إستضافوا مجموعات فلسطينيّة جرى تهجيرها من أرضها، حيث تحوّلت الإستضافة المُوقّتة إلى إقامة دائمة بحكم الأمر الواقع، ثم إلى دولة مُسلّحة داخل الدولة اللبنانيّة، وهو "سيناريو" مخيف لا تريد الأغلبيّة الساحقة من اللبنانيّين أن يتكرّر بسبب إستضافة لبنان مرّة جديدة لمجموعات جديدة من النازحين والمُهجّرين من أرضهم، وهذه المرّة من السوريّين، ووجود مُؤشّرات إلى تحوّل هذه الإستضافة إلى إقامة دائمة في ظلّ تواطئ إقليمي ودَولي.
ثانيًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يُعانون من مُزاحمة اليد العاملة السوريّة في الكثير من الإختصاصات، وليس بمهن مُحدّدة-كما يُحاول البعض ترويجه. فسائق سيّارة الأجرة اللبناني، أكان من سُكّان طرابلس أم جونية أو الضاحية الجنوبيّة مثلاً، يواجه مُنافسة غير مشروعة من سائقين سوريّين. واللبنانيّة التي تعمل كبائعة في المحال التجاريّة على أنواعها، أكانت من زحلة أم الحمرا أو صيدا مثلاً، تواجه مُنافسة غير مشروعة من بائعات سوريّات. والنجّار والطرّاش وساعي المكتب-إلى ما هناك من مهن، يُواجه مُنافسة غير مشروعة من العاملين السوريّين بشكل قطع أرزاق الكثير من اللبنانيّين، ودفع البعض الآخر إلى أن يرضى بكسب محدود لا يكفي لأدنى مُتطلّبات الحياة الكريمة. وإذا كان صحيحًا أنّ جزءًا من هذه المنافسة غير المشروعة يتحمّل مسؤوليتها جشع بعض التجّار وطمع بعض اللبنانيّين بتوفير الأموال إضافة إلى ضُعف أجهزة رقابة الدولة، فإنّ الأصحّ أنّ وجود السوريّين في لبنان من دون أيّ ضوابط تُذكر ومن دون أي تنظيم هو أساس المُشكلة وجوهرها.
ثالثًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يُعانون من تغيّر ديمغرافي كبير في كثير من مُدنهم وبلداتهم وقراهم، ومن ضغط سكُاني كبير، زاد من مشاكل تحرّكاتهم وتنقّلاتهم، وضاعف الضغط على قطاعات الكهرباء والمياه وغيرها وهي قطاعات تُعاني أساسًا من ثغرات ومن نقص كبير في تلبية حاجات اللبنانيّين. إلى ذلك، أثبتت كل الإحصاءات إرتفاع نسب الجرائم والسرقات بسبب تورّط جزء من اللاجئين السوريّين بهذه الأعمال المُخلّة، الأمر الذي رفع منسوب قلق العديد من اللبنانيّين في الكثير من المناطق، وأصبحت تجمّعات النازحين في بعض الأماكن مصدر قلق وخشية وعدم إرتياح، إضافة إلى تسجيل عشرات الإحتكاكات والمشاكل بين لبنانيّين وسوريّين لأسباب مُختلفة.
رابعًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يُعانون من وجود خلايا أمنيّة إرهابيّة داخل بعض مخيّمات النازحين السوريّين وخارجها، وهذه الخلايا تُضاف إلى خلايا إرهابيّة لا تقلّ خطورة يُشكّلها لبنانيّون وفلسطينيّون وغيرهم. وبالتالي، العمليّات الإستباقيّة التي تجري بين الحين والآخر في هذا المكان أو ذاك، لا تتمّ بخلفيّة عنصريّة وليست مُوجّهة ضُدّ السوريّين بالتحديد، بل ضُد كل المُخلّين بالأمن وكل الجماعات التي تُحاول ضرب الإستقرار اللبناني وإلحاق الأذى بلبنان وشعبه، بغض النظر عن جنسيتها وهويتها وطائفتها ومذهبها، إلخ.
خامسًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يرغبون بحل الأزمة في سوريا اليوم قبل الغد، وبأن يعود السوريّون إلى أرضهم بكرامة، وأن تكون إقامتهم في لبنان مُوقّتة ومرحليّة، وخصوصُا أن تكون بشكل لائق يحفظ حقوق اللاجئ السوري وكرامته، إن داخل مخيّمات النازحين أو خارجها، لكن بشرط أن لا تكون على حساب حقوق وكرامة اللبنانيّين، وأن لا تتحوّل بعض الشقق التي يشغلها سوريّون وبعض المخيّمات إلى بؤر أمنيّة تختبئ فيها "خلايا إرهابيّة" وتتخذ من الحقوق الإنسانيّة غطاء للتحضير لعمليّات إرهابيّة تُعرّض لبنان واللبنانيّين والجيش والقوى الأمنيّة اللبنانيّة كافة، لأصعب المخاطر الأمنيّة. ويُطالب اللبنانيّون بعودة السوريّين إلى بلادهم، طالما أنّ الكثير من المناطق في سوريا صارت آمنة، وبأن يكون وجود العاملين السوريّين في لبنان مُنظّما وقانونيًا وتحت رقابة الدولة تمامًا، وليس فوضويًا وتحت عناوين إنسانيّة تُخفي أهدافًا مشبوهة.
سادسًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يرفضون مُحاولات بعض الجماعات تحريك الشارع تحت عناوين إنسانية ظاهريًا ولغايات مشبوهة فعليًا، الأمر الذي من شأنه أن يُحرّك شوارع مُضادة وأن يُدخل لبنان في متاهات سياسيّة وربما أمنيّة هو في غنى عنها تمامًا، وهم يرفضون أيضًا أيّ مُحاولات لاستغلال بعض المواقف والتعليقات هنا أو هناك، لتسجيل نقاط سياسيّة في الأزمة السوريّة، إن لصالح النظام السوري أو لصالح مُعارضيه، على حساب الإستقرار اللبناني الداخلي.
سابعًا: اللبنانيّون بأغلبيتهم يعتبرون الجيش اللبنانيّ والقوى الأمنيّة اللبنانيّة الشرعية كافة، خطًا أحمر لا يجوز التعرّض له تحت أي عنوان، خاصة في حال كانت المآخذ تتناول مُهمّات أمنيّة وإجراءات إستباقية قام بها لتجنيب لبنان مخاطر جسيمة. وفي حال سلّمنا جدلاً حُصول أيّ خطأ ميداني من أي قُوّة مُنفّذة، فهذا الأمر يُعالج عبر قنوات مُختلفة تمامًا عن التهجّم على لبنان واللبنانيّين والجيش والقوى الأمنيّة وعن مُحاولة زعزعة الإستقرار اللبناني وإثارة النعرات بين اللبنانيّين والسوريّين.
في الختام، لقد أثبتت الأزمة الأخيرة أنّ المثل القائل "أنا وأخي على إبن عمّي، وأنا إبن عمّي على الغريب" هو صحيح، حيث توحّد السوريّون، إن المحسوبين منهم على النظام أو على المُعارضة، تحت راية واحدة، ضُد ما إعتبروه تجاوزات وعنصرية لبنانيّة ضُدّ اللاجئين، في حين توحّد اللبنانيّون من مختلف الطوائف والمذاهب والآراء السياسيّة، ضُدّ أي تعرّض لكرامة لبنان واللبنانيّين ولكرامة الجيش، على الرغم من مُحاولات بعض السياسيّين من هنا أو هناك، إستغلال المُشكلة وحصرها بفئة دون سواها لغايات سياسيّة صغيرة. وبالتالي، من الضروري أن يفهم الجميع أن صون حقوق النازحين السوريّين وكراماتهم هو أمر مطلوب ويرغب به اللبنانيّون، لكنّه يبدأ بصون حقوق اللبنانيّين وكراماتهم، ومن دون هذا الأمر المُشكلة الثنائية ستبقى قائمة.