يشهد ​لبنان​ حاليا أزمة سياسيّة قديمة جديدة، وتراشقًا إعلاميًا مُتصاعدًا، بشأن مسألة توجّه وزراء في الحكومة اللبنانيّة إلى ​سوريا​ بناء على دعوات رسميّة، الأمر الذي تعتبره بعض القوى السياسيّة بأنّه تنسيق طبيعي وضروري وهو ليس بجديد أصلاً، بينما تعتبره بعض القوى السياسيّة الأخرى بأنّه مُحاولة جديدة لتطبيع العلاقات اللبنانيّة-السوريّة، تمهيدًا لعودة نظام الرئيس السوري بشّار الأسد إلى لبنان من بوّابة التنسيق الأمني و​التبادل التجاري​، إلخ. فما هي حُجج كلّ من الطرفين، وهل فعلاً ستعود العلاقات اللبنانيّة-السورية إلى ما كانت عليه قبل مرحلة العام 2005؟.

بحسب دعاة التواصل طبيعيًا مع ​النظام السوري​، وهم في أغلبيّتهم من المحسوبين على قوى "8 آذار" السابقة، لا سيّما "​حزب الله​" و"​حركة أمل​" وبعض القوى والشخصيّات الدائرة في فلكهما، فإنّ التنسيق بين لبنان وسوريا قائم على مُختلف الصُعد، بحيث لا داعي لكل هذا الصخب الإعلامي والضجيج السياسي الذي لا يُقدّم ولا يؤخّر. وبرأي هؤلاء، إنّ التعاون بين البلدين هو حاليًا أبعد من مجرّد تصريف أعمال لسفارتي البلدين، ويُختصر بالشكل التالي:

أولاً: إنّ لبنان يدفع الأموال لسوريا لإستجرار ​الطاقة الكهربائية​ منها لتعويض جزء من النقص في إنتاجه.

ثانيًا: إنّ التبادل التجاري بين البلدين قائم ومُستمرّ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى تصريف المُنتجات الزراعية مثل ​التفاح​ و​الموز​، علمًا أنّ مُعاهدة التعاون المُوقعة بين البلدين لا تزال قائمة ولم يتم إلغاؤها.

ثالثًا: إنّ ​شاحنات​ العبور "ترانزيت" تنطلق من لبنان وتمرّ في سوريا في طريقها إلى كل من ​الأردن​ و​العراق​ و​تركيا​، على الرغم من التراجع الذي سجّل في هذا القطاع بسبب الحرب، إلا أنّ العمل على هذه الخطوط لا يزال قائمًا بشكل جزئي، وهو مرشّح لأن ينشط في المُستقبل القريب في ظلّ إستعادة ​الجيش السوري​ المزيد من المعابر الحُدوديّة.

رابعًا: إنّ المدير العام للأمن العام ​اللواء عباس إبراهيم​، تواصل في السابق، ويتواصل حاليًا مع السُلطات السورية، في أكثر من ملفّ أمني حسّاس، حيث لعب دورًا حاسمًا مثلاً في إطلاق مُختطفين وأسرى، وفي تمرير قوافل مُسلّحين عبر المناطق السورية وفي إنتقال مدنيّين ومُسلّحين سوريّين من لبنان إلى العمق السوري، إلخ...

خامسًا: إنّ سوريا ليست دولة عدوّة لمُعاملتها بهذا الشكل، لا سيّما وأنّ الكثير من المشاكل التي يُعاني منها لبنان مُشتركة معها، ما يستوجب التنسيق والتعاون بشكل جدّي لحلّها، بدءًا بمسألة السيطرة على الحدود المُشتركة ومُحاربة الإرهابيّين، مرورًا بحلّ مسألة ​النازحين​ السوريّين إلى لبنان، وُصولاً إلى تهيئة الأجواء السياسيّة المُناسبة لمُشاركة الشركات اللبنانية في عمليّة إعادة إعمار سوريا، لما فيه من مصلحة وفوائد كبيرة على البلدين، وعلى اللبنانيّين خُصوصًا.

سادسًا، إنّ لبنان وسوريا يُشكلان جزءًا من محور إقليمي يجب تمكين أسسه وتفعيل دوره، عبر تطوير التعاون المُشترك، لمُواجهة المشاريع المشبوهة للمنطقة بفعالية أكبر.

في المُقابل، وبحسب دعاة إبقاء حال الجفاء مع النظام السوري، وهم في أغلبيّتهم من المحسوبين على قوى "​14 آذار​" السابقة، لا سيّما "تيّار المُستقبل" وحزب "القوّات اللبنانيّة" وبعض القوى والشخصيّات الدائرة في فلكهما، إنّ المصلحة اللبنانيّة الحالية تقضي بالحفاظ على النأي بالنفس من الحرب السوريّة، وبعدم تطبيع العلاقات مع النظام السوري، للأسباب التاليّة:

أوّلاً: إنّ أغلبيّة دول العالم تتعامل مع نظام الرئيس السوري بشّار الأسد بحدّ أدنى من العلاقات الدبلوماسيّة والسياسيّة، الأمر الذي على لبنان التقيّد به، إنسجامًا مع مُتطلبات علاقاته ومصالحه العربيّة والخليجيّة وحتى الدَوليّة.

ثانيًا: لا تغيير إطلاقًا في السياسة العامة للنظام السوري، ما يستوجب تذكّر إرتكابات هذا النظام في لبنان على مدى 15 سنة من الإحتلال، وما رافقها من حروب عسكريّة وتفجيرات وإغتيالات وتهجير وضغوط ومُؤامرات سياسيّة وتدخّل في السلطة اللبنانيّة ومن صفقات مالية وسرقات، جرى نسبها كلّها في نهاية المطاف إلى شخصيّات سوريّة قُتلت أو إنشقّت عن النظام، وذلك تهرّبًا من الإعتراف بالمسؤولية الحقيقيّة، مع الإشارة إلى أنّ بعض الملفّات لم يُقفل حتى تاريخه ومنها مثلاً مسألة المُعتقلين اللبنانيّين في السجون السوريّة.

ثالثًا: إنّ النظام السوري لم يسحب جيشه من لبنان طوعًا،بل تحت الضغط المحلّي والإقليمي والدَولي، مُذكّرين بأنّ هذا الأمر حصل في العام 2005، أي بعد 15 سنة من إنتهاء الحرب الأهليّة في لبنان وبالتالي سُقوط حجّة منع اللبنانيّين من التقاتل في ما بينهم، وبعد 5 سنوات من إنسحاب جيش الإحتلال الإسرائيلي من الجنوب و​البقاع​ الغربي، وبالتالي سُقوط حجّة مُواجهة العدوّ المُشترك، ما يستدعي بقاء الحذر الشديد إزاء نوايا هذا النظام.

رابعًا: إنّ النظام السوري لم يُوافق على إقامة سفارة في لبنان إلا في العام 2008، مُشيرين إلى أنّ الإرتضاء بهذا الخيار ليس للتطبيع مع نظام الأسد-كما يقول البعض، إنّما للحصول منه على إعتراف علني أمام العالم أجمع أنّ لبنان دولة مُستقلّة بنظر سوريا، وليس أحد الأقاليم التابعة للقطر السوري!.

خامسًا: لا فائدة من إعادة النظام السوري إلى لبنان من النافذة بعد أن كان قد خرج منها من الباب العريض، خصوصًا وأنّ إعادة "إعمار سوريا" لن ينطلق جديًا، قبل حل ​الأزمة السورية​ وترسّباتها، والتي عانى منها لبنان بشكل كبير، علمًا أن لا ضمانات بأنّ النظام سيفتح أبوابه إلا لجهات ترتبط مصالحه السياسيّة والإقتصاديّة معه، في ظلّ معلومات بأنّه سيستخدم هذا الملف لكسب مواقف سياسيّة لصالحه في مقابل السماح لجهات معيّنة بالإستفادة إقتصاديًا من أعمال الإعمار في سوريا.

سادسًا: لا لزوم لزيارات رسميّة إستعراضيّة يقوم بها وزراء في ​الحكومة اللبنانية​، طالما أنّ رئيس هذه الحكومة ​سعد الحريري​ مطلوب من ​القضاء السوري​ ومُعمّم بحقّه مذكرات توقيف للإنتربول مع نوّاب وشخصيّات لبنانية أخرى، وذلك بتهم تسليح المُعارضة السوريّة والعمل على إسقاط النظام وضرب الإستقرار السوري، حيث أنّ المطلوب مُعالجة هذه الأمور قبل الحديث عن أي تطبيع سياسي!.