صحيحٌ أنّها ليست المرة الأولى التي "تهتزّ" فيها حكومة "استعادة الثقة"، إلا أنّ "اهتزازها" هذه المرّة ترافق مع مؤشّراتٍ لا تبعث على الطمأنينة، ولا سيما لجهة "المناكفات والاستفزازات المتبادلة" بين المكوّنات الوزاريّة، والتي تمّ فيها تراشق الاتهامات بشكلٍ غير مسبوق ربما منذ ولادة الحكومة، على خلفيّة الانقسام حول الزيارات ل​سوريا​ بين من اعتبرها "تحصيلاً حاصلاً" ومن رأى فيها "تطبيعًا لا لزوم له".

وإذا كانت الحكومة "نأت بنفسها" في الآونة الأخيرة عن معظم القضايا الخلافيّة التي لاحت في أفقها، ولا سيما ​معركة جرود عرسال​ وقتال "​حزب الله​"، كما زيارة ​رئيس الحكومة​ سعد الحريري إلى واشنطن وتصريحات الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه يبقى، هل تنجح هذه الحكومة في "النأي بنفسها عن نفسها"، فتتجاوز "القطوع" الأدقّ، إن لم يكن الأخطر، عليها؟!

"قلوب مليانة"؟!

بدايةً، يرى كثيرون أنّ الانقسام حول العلاقة مع سوريا ونيّة بعض الوزراء زيارتها بصفتهم الشخصيّة أو الوزاريّة، والذي كاد يفجّر جلسة ​مجلس الوزراء​ الأخيرة، لم يكن سوى "حلقة من سلسلة" من الأزمات التي عبرت الحكومة عليها، كمن يمرّ بين الألغام. وبالتالي، فإنّ هذه الأزمات، وإن لم تؤثر عمليًا على الحكومة، إلا أنّها بدت أشبه بـ"التراكمات" التي كرّست ما يمكن وصفها بـ"القلوب المليانة" بين مختلف المكوّنات الحكومية، إلى أن أتى موضوع العلاقة مع سوريا ليفجّرها بشكلٍ مبالَغٍ به.

ولعلّ ما يعزّز نظرية "المبالغة" في هذا السياق أنّ "التضخيم" في هذا الملفّ اعتُمِد من قبل فريقي "8 و​14 آذار​"، اللذين أعادت الأزمة المستجدّة إحياءهما بشكلٍ أو بآخر. فعلى ضفّة "14 آذار" مثلاً، كان لافتًا أنّ "​القوات اللبنانية​" أعطت الموضوع أكثر من حجمه، ربطاً ربما بالمزايدات والحسابات الانتخابية وفق تقييم البعض، خصوصًا أنّ وزيرًا محسوبًا على "القوات" هو ​بيار بو عاصي​ تولّى إثارة الموضوع على طاولة مجلس الوزراء خلافاً لرغبة رئيس الحكومة سعد الحريري نفسه، وبناءً على "اتفاقٍ غير معلن" بين الأخير و"حزب الله". وما زاد من "الريبة" على هذا الصعيد أنّ رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​ لم يكتفِ بمؤتمرٍ صحافيٍ واحد للتعبير عن موقفه ممّا حصل، بل ذهب لعقد مؤتمرين اثنين في أقلّ من أربع وعشرين ساعة حول موضوعٍ واحدٍ، مع مفارقة أنّ مؤتمره الأول عقد فور انتهاء ​جلسة الحكومة​، ما أوحى وكأنّ الأمر خطيرٌ ويهدّد الكيان اللبنانيّ ككلّ.

وفي المقابل، فإنّ قوى "8 آذار" لم تتعامل مع الموقف بمنطق "الاحتواء" الذي لطالما اعتمدته، بل، على العكس من ذلك، ذهبت بعيدًا في "تحدّي" المعارضين للزيارات إلى سوريا، إلى درجة كسر معه وزيرا "حزب الله" صمتهما وصيامهما الطويل عن الكلام، فأصرّ ​وزير الصناعة​ ​حسين الحاج حسن​ على أنّه سيزور سوريا "بصفته الشخصيّة"، ما اعتُبِر "استفزازًا" بعيون الفريق الآخر، فيما وضع وزير الدولة لشؤون مجلس النوّاب ​محمد فنيش​ الزيارات لسوريا في خانةٍ واحدةٍ مع الزيارات لأميركا. ولم يبدُ "​التيار الوطني الحر​" بعيدًا عن الحزب في هذا المنحى، بل شكّل هذا الموضوع مادةً خلافيّةً إضافيّة عزّزت "التوتر" السائد على خطّ علاقته مع "القوات"، علمًا أنّ البعض أدرج اصطفاف "التيار" الواضح على هذا الصعيد في خانة "النكايات" مع "القوات"، لا أكثر ولا أقلّ.

الحكومة محصّنة

عمومًا، وبمُعزَلٍ عن رأي هذا الفريق وذاك، يبقى الثابت أنّ الموضوع حُمّل أكثر بكثيرٍ من حجمه لغاياتٍ "في نفس يعقوب"، فوضع الزيارات في خانة "التطبيع مع سوريا" لا يبدو مستقيمًا، بل يوحي وكأنّ سوريا مصنّفة "دولة عدوة" للبنان، وهو ما لا أساس له، طالما أنّ العلاقات الدبلوماسية قائمة بين البلدين، بل إنّ مجلس الوزراء نفسه عيّن في الشهر الماضي سفيرًا جديدًا في سوريا، وهو قرارٌ مرّ بهدوء وسلاسة من دون طنّة ورنّة. وفي المقابل، وبعيدًا عن "حماسة" البعض المفرطة في التعاطي مع هذه الزيارات، فإنّ لبنان لا يبدو هو المعنيّ بإعطاء الشرعية أو حجبها عن الحكومة أو ​المعارضة السورية​، بزيارةٍ أو من دونها.

لكن، ورغم هذه المؤشّرات المقلقة في الظاهر، والتي يمكن إدراجها في خانة المزايدات التي قد تزيد في المرحلة المقبلة خصوصًا مع دخول البلاد في موسم الانتخابات، التي لن تشبه أيّ انتخابات سابقة إن تمّت بموجب القانون الجديد، وهي تستوجب بالتالي "عدّة شغل" فريدة من نوعها، يبقى الأكيد أنّ الحكومة محصّنة حتى إشعارٍ آخر، ولا مصلحة لأحد بالتفريط بها في الظرف الراهن، علمًا أنّ رئيس الحكومة حاول تجنّب إثارة موضوع الزيارات إلى سوريا في الجلسة الأخيرة للحكومة تفاديًا لما حصل من مزايدات.

وقد يكون الحريري، الذي حصد إشادة من وزير "حزب الله" محمد فنيش على سحبه موضوع الزيارات الخلافيّ من طاولة مجلس الوزراء، من أكثر الساعين لإبعاد الحكومة عن كلّ ما من شأنه تعريضها لأيّ نوعٍ من الخطر، أياً كان حجمه، خصوصًا أنّ الرجل لم يحقّق بعد غاياته المرجوّة من الحكومة، وهو الذي يسعى لإرساء تفاهماتٍ شاملةٍ مع مختلف مكوّناتها عشيّة الانتخابات المقبلة، تضمن له العودة الميمونة للسراي الحكومي بعد الاستحقاق، بمعزلٍ عن النتائج التي سيحقّقها خلاله، في ضوء المخاوف من تراجعه شعبياً.

وإلى موقف الحريري الحريص على الحكومة حتى النفس الأخير، لأنّ مصلحته تقتضي ذلك قبل أيّ شيءٍ آخر، فإنّ كلّ المعطيات تؤكد أنّ "المظلة الدولية" التي ظلّلت الحكومة منذ ولادتها لا تزال موجودة، وبالتالي فإنّ الحكومة باقية بتركيبتها الحاليّة، ولو كانت هشّة، مع إدراك مكوّناتها المختلفة للانقسام القائم فيما بينها على الكثير من القضايا، ولا سيما الاستراتيجية منها، وهو ما يوجب مقاربة مختلفة قوامها الحذر والتروّي، بعيدًا عن منطق تسجيل النقاط لتوظيفها انتخابيًا في وقتٍ لاحقٍ.

"جنّة الحكم"

الحكومة تهتزّ، ولكنّها لا تقع...

قد تكون هذه هي المعادلة الأساسيّة التي توافق عليها مختلف الأفرقاء المشاركين في الحكومة، لأنّ المصلحة العامة لهذه الأطراف جميعًا الاستمرار بـ"المساكنة"، ولو بالحدّ الأدنى، وذلك لتمرير مرحلة ما قبل الانتخابات بالتي هي أحسن.

ومن اليوم حتى يحين موعد الانتخابات، يتوقّع أن تتصاعد الخلافات بين أطراف الحكومة على ملفات من كلّ حدبٍ وصوبٍ، ولكن من المستبعد أن يترجم أيّ من هذه الخلافات عبر استقالة أو اعتكاف أو ما شابه، لأنّ أحدًا لن يجرؤ على المغامرة عبر الخروج طوعًا من "جنّة الحكم" عشيّة الانتخابات، مهما كان السبب...