لم يكن هناك مجال للشك بأن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز اعدّ العدّة لتحضير نجله محمد لتولي ادارة البلاد في اقرب فرصة ممكنة، ولعل الخطوة الابرز في هذا المجال كانت تعيينه ولياً للعهد وكفّ يد ولي العهد السابق محمد بن نايف واقصائه عن الحكم والتعاطي بشؤون المملكة بشكل نهائي.

اما الخطوة الثانية، فكانت تعيين الملك سلمان لنجله بمثابة مسيّر لشؤون المملكة في غيابه خلال اجازة طويلة في ​المغرب​، استغلها دون شك ولي العهد لتثبيت اسس الحكم والامساك بمراكز القرار الامني والدبلوماسي والسياسي في البلاد.

وبالامس، وبعد اسابيع طويلة من التجييش ضد قطر وسياستها واتهامها ب​الارهاب​، اثارت السعودية استغراب العديد من الدول بقرارين: الاول اصدره الملك وقضى بفتح معبر سلوى امام الحجاج القطريين دون تأشيرة دخول، والموافقة على ارسال طائرات خاصة سعودية الى مطار ​الدوحة​ لنقل الحجاج على نفقته الخاصة واستقبالهم كضيوفه. اما القرار الثاني فكان استقبال الامير محمد بن سلمان احد افراد العائلة الحاكمة في قطر عبد الله بن علي بن عبد الله بن جاسم وتشديد على العلاقة الاخوية بين الشعبين والبلدين.

الخطوة كانت مفاجئة بالتوقيت، ولكنها لم تحمل مفاجآت في المضمون، لان للسعودية مصلحة كبيرة في العودة عن قرارها السابق لاسباب عدة تبدأ سياسية ولا تنتهي بالشخصية. فمن الناحية السياسية، باتت السعودية في وضع لا تحسد عليه امام الدول الخارجية و​الخليج​ية بشكل خاص، وباتت وحدة ​دول مجلس التعاون​ الخليجية مهددة اكثر من اي وقت مضى، وهو امر لا يعود بالفائدة على ​الرياض​ وعلى صورتها كقائدة لهذه الدول. ولم تركب ​الكويت​ و​سلطنة عمان​ القطار السعودي على غرار ​البحرين​ و​الامارات​، فكان الانقسام واضحاً وخطيراً.

وفيما لم يؤدّ الحصار الاقتصادي اي غاية مرجوة بفعل الانفتاح الغربي وال​ايران​ي والتركي على قطر، بات الخوف مما يمكن ان تقوم به قطر للحفاظ على نفسها، ووقوف العالم الغربي الى جانبها لناحية تبرئتها من التعامل مع الارهابيين، فيما عرفت الدوحة كيفية الاستفادة من الاموال عبر صفقات بمبالغ ضخمة مع ​الولايات المتحدة​ و​اوروبا​ اثمرت دعماً وضغطاً على السعودية.

ولكن من الناجية الداخلية، كان للسعودية مصلحة كبيرة في اتخاذ مثل هذا القرار لاطلاق عهد الامير محمد بن سلمان. الا ان هذا الامر يعني في المقابل انتهاء عهد والده باكراً مع توقعات كبيرة باعلان الملك سلمان التنحي عن العرش لصاح نجله في القريب العاجل.

​​​​​​​

والانفتاح على قطر بعد القطيعة، من شأنه تأمين دفعة معنوية وسياسية ودبلوماسية مهمة لاظهاره وكأنه الحاضن للدول الخليجية، ولتستعيد السعودية بالتالي مكانتها في الخليج التي كانت مهددة بالانحسار الى ادنى مستوياتها وتقليص نفوذها في المنطقة لصالح ​تركيا​ وايران. ولا شك ان القرار الذي اصدره ولي العهد السعودي سيكون له مفاعيله الايجابية، وسيمكّن "الملك السعودي المقبل" من السيطرة على مجريات الامور في الداخل السعودي فيحدّ من اي محاولة لزعزعة الاستقرار، ومعارضة توليه الحكم بمساعدة مناوئين له داخل الاسرة السعودية الحاكمة وخارجها على حد سواء، كما انه سيطل على العالم بصورة الملك القادر على مدّ اليد لما فيه مصلحة المنطقة، وتخطي العقبات الشخصية والسياسية التي قد تمنع الوحدة الخليجية.

اختبار قطر سينعكس ايجابا ًعلى الامير محمد بن سلمان، فهل ستكون الخطوة المقبلة انفتاحية في اتجاه ايران؟ وما هي الفوائد التي ستجنيها السعودية من هذه السياسة الجديدة؟ وكيف ستكون عليه صورة الخليج في ظل تواجد الدول الكبرى في هذه الدول وتعزيز حضورها الميداني على اطرافها؟.

اسئلة لن تتأخر الاجابة عليها، خصوصاً بعد تسارع الاحداث والتطورات في الخليج والشرق الاوسط بشكل عام.