عشيّة إنعقاد الجولة السادسة من مُفاوضات "أستانة" برعاية ​روسيا​، يُواصل ​النظام السوري​ إستعادة المزيد من الأراضي بدعم مُباشر من الجماعات المُقاتلة الحليفة وبغطاء جويّ روسي مُستمرّ. فما هي أسباب تحوّل النظام السوري من موقع الخاسر والمُتقهقرّ، إلى موقع الرابح والمُتقدّم في السنتين الأخيرتين؟.

لا شكّ أنّ أسباب الخسائر الميدانيّة المُستمرّة التي تلحق بالجماعات المُعارضة للنظام السوري مُتعدّدة، وأبرزها:

أوّلاً: إتخاذ ​النظام الإيراني​ قرارًا حاسمًا مطلع العام 2013 بالدُخول مُباشرة في ​الحرب السورية​، عبر كل من "​حزب الله​" اللبناني ومجموعة من القوى والجماعات العراقية والأفغانيّة إضافة إلى وحدات من "​الحرس الثوري الإيراني​"، وهو ما ساهم بوقف خسائر وتراجع ​الجيش السوري​ في العديد من الجبهات، وفي بدء إسترجاع جزئي لبعض المدن والطرق الرئيسة، ولوّ بكلفة بشريّة باهظة، لجهة سُقوط آلاف القتلى والجرحى في صُفوف القوى الداعمة للنظام السوري.

ثانيًا: إتخاذ روسيا قرار التدخّل العسكري المُباشر في الحرب السوريّة إعتبارًا من 30 أيلول 2015، وعلى الرغم من أنّها حدّدت في البداية فترة مئة يوم كسقف أقصى لهذا التدخّل، إلا أنّها عملت على تأمين الغطاء الجوي الحاسم في كل المعارك الأساسية التي خيضت في سوريا في السنتين الأخيرتين، وُصولاً إلى معارك "دير الزور" الأخيرة، دفاعًا عن مصالحها العسكريّة المُباشرة في الشرق الأوسط، وتحصينًا لنفوذها السياسي الإقليمي والعالمي.

ثالثًا: تخلّي ​تركيا​ عن موقعها الداعم للكثير من الجماعات المُعارضة في سوريا، بسبب خلافات كبيرة مع ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة بشأن دور الأقليّة الكرديّة السوريّة في هذه الحرب، حيث قدّم نظام الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان مصلحته الخاصة الرافضة لإقامة أي كيان كردي مُستقلّ على حدوده، خوفًا من تمدّد هذه الظاهرة إلى داخل تركيا حيث يُشكّل ​الأكراد​ أكثر من 20 % من إجمالي الشعب التركي. وجاءت مُحاولة الإنقلاب الفاشلة على حُكم أردوغان في 15 تمّوز 2016 لتدفع تركيا إلى الإنكفاء أكثر فأكثر نحو مشاكلها الداخليّة، وإلى عقد تفاهمات مع روسيا تحفظ نظامها في مُقابل التخلّي عن دور مدّ "المُعارضات" السورية بالعديد والعتاد.

رابعًا: تفشّي الخلافات بين ​دول الخليج​ الداعمة لمُعارضي النظام السوري، وتحوّل هذه الخلافات إلى مُواجهة دمويّة مباشرة بين فصائل "المُعارضات" السوريّة المُختلفة، خاصة بين "​جبهة النصرة​"، والتنظيمات الإسلاميّة الأكثر تشدّدًا مثل "داعش" وسواها، الأمر الذي زاد من تشرذم القوى المُناهضة للنظام. وهذه الخلافات لم تقتصر على دول الخليج، إنّما طالت العديد من الدول العربيّة والإسلاميّة، تبعًا لمصالح كل منها، ففضلّت مصر-على سبيل المثال لا الحصر، التخلّي عن مُعارضتها للنظام السوري عندما لاحظت نموّ دور "الجماعات الإسلاميّة" في سوريا.

خامسًا: إنحراف الإهتمام السعودي عن الملفّ السوري نحو ملفّات أخرى أشدّ خطرًا، وفي طليعتها ملفّ الحرب في اليمن حيث قادت المملكة السعوديّة هجمات مُباشرة على أنصار الرئيس اليمني السابق ​علي عبد الله صالح​ ومُقاتلي "أنصار الله" إعتبارًا من 25 آذار 2015. وواجهت السُعوديّة ضُغوطًا كبيرة بفعل

صراعها السياسي والأمني المفتوح مع إيران، وعملت بجُهد على مُواجهة إرتدادات هذا الصراع على وضعها السياسي والإقتصادي الداخلي، ليتراجع تلقائيًا إهتمامها بالملف السوريّ.

سادسًا: نجاح النظام السوري بشكل مُمتاز في تحويل ما بدأ بثورة شعبيّة لإسقاط الحكم الديكتاتوري المُستمرّ منذ حقبة السبعينات، إلى مناطق نُفوذ لجماعات إرهابيّة تُشكّل خطرًا على القوى الإقليمية والعالمية كافة، من خلال إطلاقه كل الموقوفين الإسلاميّين المُتشدّدين لديه لتغذية الجماعات الدينيّة المُتطرّفة وتقويتها، وعبر تجنّبه قتال تنظيم "داعش" الإرهابي حتى الأمس القريب، وتركيز معاركه في المُقابل على مُقاتلي "الجيش السوري الحُرّ" الذي كان يُشكّل البديل الوحيد المقبول عالميًا لنظام الرئيس الأسد. وأسفرت هذه السياسة الناجحة عن تراجع الكثير من القوى الإقليميّة والدوليّة التي كانت تؤازر مُعارضي النظام السوري عن مواقفها، وعن عودتها-ولوّ على مضض، إلى خيار تفضيل الخيار السيّء على الخيار الأكثر سوءًا في سوريا. كما لعب تنظيم "داعش" دورًا حاسمًا في إضعاف فصائل المُعارضة حيث قاتلها في كل مكان، مُتوهّمًا بقدرته على تنفيذ أجندته الدينيّة والعقائديّة الخاصة، قبل أن يتم ضربه وإضعافه من قبل مُختلف القوى التي حاولت توظيفه لتحقيق مصالحها في أولى مراحل الحرب السوريّة.

سابعًا: سياسة الضعف والتردّد التي رافقت التدخّل الأميركي في الحرب السورية طوال عهد الرئيس الأميركي السابق ​باراك أوباما​، والتي إكتملت فُصولاً بفعل إستمرار غياب الحُضور الأميركي الفعّال عن المُفاوضات الخاصة بحلّ الملفّ السوري، وبنتيجة وقف برنامج وكالة الإستخبارات المركزيّة الأميركيّة لتدريب بعض الجماعات المُعارضة للنظام وتسليحها، والذي كان قد إنطلق في العام 2013، نتيجة فشله التام في تحقيق أهدافه.

ثامنًا: نجاح "حزب الله" في إفشال تحويل لبنان إلى قاعدة خلفيّة قادرة على تأمين الدعم اللوجستي الجدّي لمُعارضي النظام السوري، علمًا أنّ خُصوم النظام السوري في لبنان كانوا يعلمون من البداية أنّ من شأن إتخاذ أيّ قرار فعلي في هذا السياق، أن ينقل كرة النار السوريّة إلى الداخل اللبناني.

تاسعًا: إكتفاء النظام الأردني في المرحلة الأخيرة بلعب دور محدود في الحرب السوريّة، وحصر إهتمامه بضبط حُدوده وبمنع تسلّل الإرهابيّين إلى الداخل الأردني، بعد أن كان قد لعب في بداية هذه الحرب دورًا مُهمّا في تعزيز قدرات المُعارضة السورية القتاليّة، عبر مراكز تدريب وتسليح تمّت إقامتها على الحدود بين سوريا والأردن، وعبر غرفة عمليّات قوّات "موك".

في الختام، لا شكّ أنّ هدف إسقاط النظام السوري، وتحديدًا الرئيس السوري بشّار الأسد، بالقوّة سقط بشكل واضح نتيجة عشرات الأسباب المُتداخلة، ومن هذا المنظار بالتحديد، يُمكن القول إنّ النظام السوري ومن دعمه إنتصر. لكن هذا "الإنتصار" مُرتبط بتوازنات أبعد بكثير من مُجرّد صراع بين رئيس وجماعات مُؤيّدة له ضمن دولة ما، بوجه جماعات ثارت عليه وحاولت إسقاط حُكمه قبل نحو ست سنوات. وفي هذا السياق، إنّ سوريا المُدمّرة والتي ستغرق بمزيد من الديون لإعادة إعمارها، والتي تُواجه مُشكلة إنقسام شعبي خطير إضافة إلى مشاكل لجوء وتهجير ثلث شعبها، تحوّلت اليوم إلى منطقة تقاسم نُفوذ إقليمي ودَولي، تضمّ الكثير من اللاعبين الذين لا يسعون للحفاظ على مصالحهم الخاصة فحسب، وإنّما يتنافسون على قضم أكبر حصّة مُمكنة من "الغنائم" التي أفرزتها هذه الحرب. وبالتالي، المُنتصر الحقيقي سيكون الفريق الذي سينجح في إستثمار التحوّلات الحالية في سوريا، وفي توظيفها لصالحه. وللبحث تتمّة...