أقرّت ​الهيئة العامة​ للمجلس النيابي في جلسة 16 آب الفائت قانوناً قضى بإنشاء محافظة جديدة تضمّ ​كسروان​ وجبيل، وبالتالي فصل القضاءين المذكورين عن محيطهما الطبيعي، أي أقضية ​محافظة جبل لبنان​ الأخرى.

في البدء، وقبل الكثير من التفكير، قد يُفرحك هكذا قانون كونك تربطه مباشرة ومن دون ان تفكر بإقرار ​اللامركزية الادارية​ التي طالما حلم بها اللبنانيون وعملوا من أجلها والمنصوص عنها في إصلاحات «اتفاق الطائف».

ولكن عند تأمّلك قليلاً في القانون المذكور والتعمّق فيه، تدرك أنّه تخبّط جديد لمجلس مدَّد لنفسه من دون وجه حق، مجلس يغيب عن ساحة التشريع لسنوات ليستفيق على إقرار قوانين لا يمكن تطبيقها مثل قانوني منع التدخين والسير، أو قوانين مثيرة للجدل مثل قانون الضرائب الأخير المخالف لأبسط القواعد الدستورية، او قوانين تأتي بغير سياقها الطبيعي والتاريخي على مثال هذا القانون، وإليكم الأسباب:

من المعروف أنّ محافظة جبل لبنان ليست تقسيماً إدارياً بحتاً بل هي جزء اساسي ورئيسي في الذاكرة الجماعية لجميع اللبنانيين لناحية انطلاق فكرة لبنان الذي نعرفه، والدلائل على ذلك كثيرة منها القانوني كتفرقة مصير عقارات الملك في جبل لبنان التاريخي عن غيره من المحافظات.

ومنها التاريخي والشواهد هنا كثيرة... وغيرها من الأسباب التي جعلت لهذه المحافظة مع امتدادها الجغرافي التاريخي مكانة في قلوبنا وعقولنا... ألم نُردّد كلنا يوماً ما كان أجدادنا يتغنّون به فيما مضى «نيّال يلي عنده مرقد عنزه بلبنان»...

إنّ أخطر ما يواجه الاوطان هو فقدان الذاكرة الجماعية او تهميشها عبر وقائع جديدة وقوانين لا تمت الى واقعهم بصلة... فهل درس السادة المشرّعون هذه الناحية قبل إقرار هذا القانون؟

ومن ثم فإنّ هذا القانون يُمهّد لتفتيت جبل لبنان، فغداً او بعده سوف يطالب النائب وليد جنبلاط او نجله تيمور باستحداث محافظة جديدة تضمّ قضاءي ​الشوف​ وعاليه، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ​قضاء بعبدا​ إذ سيعمل الرئيس نبيه بري أو النائب علي عمّار على طلب فصل القضاء المذكور عن جبل لبنان، وهكذا يفقد الأخير وجوده مع ما يعني ذلك من إضعاف مُمنهج للوجود المسيحي في ​جبل لبنان الجنوبي​ المتأثّر أصلاً بالحرب والتهجير وغيرهما من العوامل الكثيرة، فيتكرّس الفرز السكاني والطائفي لا بل المذهبي، ونعود الى نظام القائمقاميتين السيئ الذكر...

ولا يستقيم القول إنّ إنشاء محافظة جديدة يرتبط بتطبيق اللامركزية الادارية، فهذه الاخيرة لها شروطها ومقوّماتها ونتائجها المالية والإدارية، وحتى إعادة تقسيم الاقضية وتكبيرها ودمجها وكل هذه المعطيات لا علاقة لها بهذا القانون الذي يعرقل قيام لامركزية إدارية حديثة.

أمّا إذا كان الامر يتعلّق بتسهيل معاملات المواطنين اليومية الادارية وعدم إلزامهم التوجه الى بعبدا كلما احتاجوا الى إجراء معاملة، فنذكّر هؤلاء النواب بأننا في زمن وعصر الدولة الالكترونية المفروض تطبيقها منذ زمن ولا يمكن التذرّع بهكذا حجة لم تعد تنطلي على احد ولا تهدف إلّا الى التغطية على تقصيرهم بمراقبة سلطة تنفيذية متخاذلة... ومن ثم وإذا كانت هذه هي الحجة لإقرار هكذا إجراء، كيف يقبل هؤلاء النواب بالتصويت على قوانين تزيد من الحصرية المركزية مثل القانون الذي حرَم محتسب القضاء من إعطاء قيمة تأجيرية عن الأبنية وحصرها في مركز المحافظة كما غيره من القوانين التي أقرّت في عهد هذا المجلس؟

في المختصر قانون فصل قضاءي جبيل وكسروان عن محافظة جبل لبنان يؤكّد لنا مجدّداً أنّنا أمام مجلس نواب شعبوي لا يقيم وزناً للتاريخ، وبالتأكيد لا يهتمّ بمستقبلنا، أمّا من يدَّعي غير ذلك فهو إمّا جاهل أو متحامل أو أعمى ولا يريد أن يرى.