ما إنْ تسرّب خبر الإجتماع الذي عُقد في دارة النائب ​وليد جنبلاط​ في كليمنصو، وضمّه إلى كل من ​رئيس مجلس النواب​ ​نبيه بري​ ورئيس ​مجلس الوزراء​ سعد الحريري، حتى كثرت الأقاويل والتحليلات باحتمال عودة "​التحالف الرباعي​" الذي كان قد تمّ في إنتخابات العام 2005 بمُواجهة "​التيار الوطني​ الحُرّ". فهل هذا صحيح أو مُمكن؟.
بداية، الإجتماع الذي عُقد في كليمنصو تمحور حول ضرورة تسهيل تمرير جلسة إقرار ​الضرائب​ للحفاظ على مصادر تمويل ​سلسلة الرتب والرواتب​، وحول ضرورة إجراء ​الإنتخابات​ في موعدها من دون أيّ تأخير حتى لو تمّت وفق الهوية العادية (وليس البيومترية) وفي مسقط رأس الناخبين (وليس في أماكن سكنهم) ومن دون أي تسجيل مُسبق، وحول ضرورة العمل على الحفاظ على الإستقرار في ​لبنان​ بعيدًا عن مُحاولات دفعه إلى هذا المحور الإقليمي أو ذاك. وبالتالي، الغاية الرئيسة من الإجتماع لم تكن تشكيل أي جبهة بمُواجهة رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​، بغضّ النظر عن أنّ العلاقة بين ​رئيس الجمهورية​ وكل من رئيس مجلس النواب ورئيس "الحزب التقدّمي الإشتراكي" لم تكن يومًا مفروشة بالورود، والعلاقة المُستجدّة بين رئيس البلاد و​رئيس الحكومة​ مَبنيّة على مصلحة مُشتركة تقضي بإنجاح العهد والحُكم الحاليين.
وإذا كان صحيحًا أنّ الثلاثي برّي-الحريري-جنبلاط لا يُمانع في أن يُفسّر لقاءهم كرسالة قويّة بقُدرتهم على التأثير على الحياة السياسيّة في لبنان بمعزل عن مُشاركة وموافقة الرئيس عون، فالأصحّ أنّ لا مصلحة لأيّ من هؤلاء في توجيه رسائل خُصومة إلى رئيس الجمهوريّة، قبل أن تتضح التموضعات والتحالفات النهائيّة لهذه الإنتخابات، حيث أنّ الكثير من الأوراق لا تزال في مرحلة الخلط. وعلى الرغم من أنّ إجتماع كليمنصو وجّه ضربة معنويّة قاسية لمُطالبة "التيار الوطني الحُرّ" بإدخال المزيد من الإصلاحات على النظام الإنتخابي اللبناني، تمثّلت بالتوافق على إجراء الإنتخابات النيابيّة في موعدها في أيّار 2018 المقبل، حتى لو سقطت كل الإقتراحات الإصلاحيّة التي رفع شعارها رئيس "التيّار" ​وزير الخارجية​ والمُغتربين ​جبران باسيل​، فإنّ الأمور لم تصل إلى مرحلة تشكيل تحالف إنتخابي بوجه "التيار البرتقالي"، والمسألة من أساسها غير مطروحة. وفي أكثر السيناريوهات سوءًا قد يتحالف في المُستقبل "تيار المُستقبل" و"الحزب الإشتراكي"، وقد يتشاركا في لوائح ضُد لوائح "التيار الوطني الحُرّ"، وقد تدخل "​حركة أمل​" في منافسة مع "التيار" في دوائر مُحدّدة محصورة جغرافيًا، لكنّ الأكيد أنّ الأمور لن تصل إلى تحالف ثلاثي بين هذه القوى، وبالتأكيد لن تصل إلى تحالف رباعي من جديد يضمّ إليهم "​حزب الله​"، وذلك بسبب سلسلة من التطوّرات السياسيّة التي طبعت لبنان منذ إنتخابات العام 2005 حتى اليوم، والتي فرزت القوى السياسيّة بشكل عمودي إلى درجة لم يعد معها من المُمكن تشكيل الإئتلافات الإنتخابيّة في ما بينها، خاصة وأنّ ​قانون الإنتخابات​ الجديد يفرض التصويت للائحة بكاملها من دون القُدرة على شطب أي إسم منها أو زيادة أي إسم إليها، الأمر الذي سيصبغها بطابع سياسي لا مجال للهروب منه.


أكثر من ذلك، وإذا كان صحيحًا أنّ رئيس مجلس النوّاب يُمثّل بحُضوره الشخصي "الثنائي الشيعي" في كثير من المحطات والإجتماعات، فالأصحّ أنّ "حزب الله" يحتفظ لنفسه بهامش حركة مُستقلّة عن حليفه الشيعي، وبالأخصّ عندما يكون الأمر مُرتبطًا بتحالفه العابر للطوائف والمذاهب مع "التيار الوطني الحُرّ". فالحزب ليس بوارد التفريط بعلاقته الإستراتيجية مع "التيّار البُرتقالي"، وإذا كانت مصلحة "الحزب الإشتراكي" ألاّ يكون "التيار الوطني الحرّ" قويًا لمنعه من إستعادة المقاعد النيابيّة المسيحيّة في ​الشوف​ و​عاليه​، ومصلحة "تيّار المُستقبل" أن لا يكون "التيّار" قويًا إلى درجة يُمكن أن تحجب معها مُشاركته في السُلطة، ومصلحة "حركة أمل" الإنتخابية لا تتوافق مع مصلحة "الوطني الحُرّ" في بعض الدوائر، فإنّ "حزب الله" يحرص في المُقابل على أن يكون "التيّار" قويًا، لأنّ هذا الأمر يصبّ في نهاية المطاف في مصلحته الإستراتيجيّة المُباشرة، لجهة أن تنجح قوى "8 آذار" بالتحالف مع "التيار الوطني الحُرّ" في تشكيل أغلبيّة نيابيّة كبيرة تُمهّد الطريق لأغلبيّة وزاريّة، وكذلك لسيطرة شبه كاملة على السُلطة في لبنان إعتبارًا من مرحلة ما بعد إتمام الدورة الإنتخابيّة المُقبلة. وحتى قبل الوُصول إلى مرحلة الإنتخابات والتحالفات، وبالنسبة إلى التفاهم الذي حصل في كليمنصو أخيرًا، لجهة التوافق على التصويت لصالح الضرائب منعًا لسقوط ​السلسلة​ ولإهتزاز الإستقرار المالي في البلاد، حرص "حزب الله" على التمايز عن "حركة أمل" بالنسبة إلى هذا القرار، حيث إمتنع نوّاب "الحزب" عن التصويت على مشروع الضرائب بعكس نوّاب "الحركة" الذين صَوّتوا لصالحها.
وفي الخلاصة، الرسائل السياسيّة المُتبادلة بين القوى الرئيسة والفاعلة في لبنان ستتوالى خلال الأسابيع والأشهر القليلة المُقبلة، في إطار اللعبة الديمقراطيّة الطبيعيّة وعمليّات "شدّ الحبال" عشيّة الإنتخابات النيابيّة، لكنّ الأكيد أنّ "حزب الله" لا يريد العودة إلى أي تحالف رباعي سابق، وأكثر من ذلك لن يقبل بإضعاف "التيارالوطني الحرّ" من قبل أي جهة، خاصة إذا كانت من قوى "8 آذار"، وإن كان لا يُمانع بتمرير بعض الزكزكات السياسيّة بين الحين والآخر، وذلك تعزيزًا لدوره الأساسي في السُلطة، ولإبقاء حاجة "التيّار الوطني الحرّ" إليه أيضًا.