لا شكّ أنّ الصراع السعودي-الإيراني في المنطقة هو على أشدّه في هذه المرحلة، وإستقالة رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ من ​الرياض​، تدخل في سياق هذا الصراع، لجهة قيام السُعودية بمُحاولة إعادة ​لبنان​ إلى موقع غير مُعاد لل​دول الخليج​يّة. وقد كرّر رئيس "تيّار المُستقبل" مرّات عدّة خلال المُقابلة الإعلاميّة التي أجريت معه من الرياض، أنّ "الصدمة" التي أحدثها–بحسب وصفه، تمّت لحماية مصلحة لبنان، مذكّرًا بأنّ هذه المصلحة تكمن في حماية أعمال الكثير من اللبنانيين في دول الخليج، وفي حماية الصادرات اللبنانية إلى الدول العربيّة والخليجيّة. فكيف يُتوقّع أن تتطوّر الأوضاع في ضوء ما أعلنه الحريري عن عودة وشيكة له إلى لبنان، لتوضيح الأمور لرئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ بشكل مُباشر؟.

الكثير من القوى والشخصيّات المَحسوبة على قوى "8 آذار" فسّرت المُقابلة بأنّها تُمثّل تراجعًا من جانب ​السعودية​، والبعض توقّع أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الإستقالة في مُقابل بعض المواقف الإعلاميّة والكلاميّة. لكنّ الخلاصة الفعليّة التي يمكن إستنتاجها من المُقابلة التي أجريت مع رئيس "تيّار المُستقبل" مفادها أنّ عدم تطبيق لبنان سياسة فعليّة وجدّية للنأي بالنفس هذه المرّة، سيُعرّض مصالحه المُباشرة للخطر الشديد. بمعنى أوضح الرسالة التي حاول الحريري توجيهها، والتي تتقاطع مع كل المعلومات المتوفّرة لدى الجسم الإعلامي، مفادها أنّه ما لم يتوقّف "​حزب الله​" عن التدخّل أمنيًا ولوجستيًا في أكثر من ساحة خارجيّة، وخاصة في ​اليمن​ إلى جانب ميليشيات "​أنصار الله​" التي تتواجه عسكريًا مع قوّات "​التحالف العربي​" بقيادة السُعوديّة، فإنّ مصير اللبنانيّين العاملين في كل دول الخليج على المحكّ، وعلاقات لبنان التجاريّة والإقتصادية والمالية مع هذه الدول ستتأثّر إلى أبعد الحُدود.

وبالتالي، إنّ الورقة التي تلعبها قوى "8 آذار" منذ أكثر من اسبوع حتى تاريخه، لجهة عدم الإعتراف بالإستقالة، والتشكيك بحريّة رئيس "تيّار المُستقبل"، في خطوة تهدف إلى تفريغ الإستقالة من مضمونها وحرف الأنظار عن أسبابها، مُرشّحة للسقوط فور عودة الحريري إلى لبنان المتوقّعة قريبًا، بحيث سيكون عندها من الضروري التعامل مع خلفيّات الإستقالة، وليس مع شكلها. والحديث عن ضُغوط مُورست على الحريري، وعن تهديدات تعرّض لها، ليُقدم على ما أقدم عليه، لا يُغيّر في الواقع شيئًا، حيث أنّ لبنان الرسمي أمام احتمالين: إمّا إيجاد صيغة جدّية وليس كلاميّة هذه المرّة للنأي بالنفس، وإلا فإنّ الضُغوط الخليجيّة ستتصاعد عليه بشكل كبير وخطير، إلى درجة أنّه قد يكون غير قادر على تحمّل تبعاتها.

ويُمكن القول إنّ الكرة اليوم هي جزئيًا في يد رئيس الجمهوريّة الذي تصرّف منذ إندلاع الأزمة حتى اليوم، برويّة وهدوء مع الموضوع كسبًا للوقت، مُمارسًا الضغوط على رئيس الحكومة للعودة إلى لبنان. ولكن بمجرّد مُقابلته للحريري بشكل مُباشر قريبًا، فإنّ المُهمّة المُلقاة على عاتقه ستُصبح كبيرة جدًا، لجهة الإختيار بين عدم الإستجابة للضغوط، أو التجاوب معها، لأنّ الحلول الرماديّة لن تكون قابلة للحياة من جديد. والكرة اليوم هي كليًا في يد "حزب الله" الذي كان ألمح أمينه العام السيّد ​حسن نصر الله​ بشكل غير مُباشر إلى إمكان إيجاد المخارج، لكن بالتزامن مع تشديده على رفض تقديم التنازلات في ملفّ اليمن! وبالتالي، الأمور مُرشّحة للدخول في مُفاوضات قاسية في الأيّام المُقبلة، للتوصّل إلى صيغة تُخرج لبنان من المأزق الحالي، من دون أن تكون النتائج الإيجابيّة مكفولة على الإطلاق.

وحتى تاريخه، إنّ التوقّعات الخاصة بلبنان ليست إيجابيّة، وهي تتحدّث عن مرحلة شدّ حبال طويلة الأمد، حيث أنّ "حزب الله" لن يتراجع بسُهولة، ورئيس الحكومة سيُقدّم إستقالته أمام الرئيس عون، وأغلبيّة نيابيّة ستُعيد تكليف الحريري من جديد، لكن من دون أن يتأمّن تشكيل حُكومة جديدة ما لم يتمّ مُسبقًا التوافق على "​النأي بالنفس​" الفعلي، مع العلم أنّ "حزب الله" يرفض كليًا إخراجه من السُلطة التنفيذيّة تحت أي عنوان، والرئيس عون مُقتنع بعدم صوابية اللجوء إلى هكذا خيار أصلاً. وبالتالي، الأمور مَفتوحة على كل الإحتمالات، وفي طليعتها إحتمال الدُخول في فترة شلل على مُستوى السُلطة التنفيذية مُشابهة للشلل والفراغ التام الذي كان قد طال موقع رئاسة الجُمهوريّة لعامين ونصف العام، في الوقت الذي ستتواصل فيه المُفاوضات أو عمليّات "شدّ الحبال" المُتبادلة، محلّيًا وإقليميًا، للتوصّل إلى حلّ جديد على شكل "​إعلان بعبدا​" السابق، لكن مع ضمانات بتنفيذه ميدانيًا هذه المرّة، وإلا فإنّ الصراع سيستمرّ محلّيًا بموازاة الصراع الإقليمي.