منذ اندلاع الازمة التي تعرض لها ​لبنان​ منذ نحو عشرة ايام، والجميع، في الداخل والخارج يشيد بالطريقة التي تعاطى بها ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ مع هذه الازمة، وكيفية ادارته لها، حتى ​السعودية​ لم تشن حملة على الرئيس فعمدت الى تحييده واكتفت عبر اعلامها بارسال رسالة مفادها وجوب ان ينظر الى "خطر ​حزب الله​"، والاهم من كل ذلك كانت التطمينات التي اطلقها رئيس البلاد للبنانيين المقيمين والمنتشرين في العالم حول الوضع الامني ووجوب عدم الخوف او الهلع على المستويات السياسية والاقتاصدية والمالية...
وفي وقت تجاوب اللبنانيون مع هذه التطمينات بدليل عدم حصول اي خلل امني، والتأكيدات التي صدرت عن المعنيين بالشؤون المالية والامنية والعسكرية ان لا خطر يتهدد لبنان، وقع المستشار الاعلامي لرئيس الجمهورية الزميل ​جان عزيز​ بخطأ كان بالامكان تخطّيه لولا الاصداء السلبية العارمة التي خلّفها، وهو ذهب الى حد التخويف ليس بعمل عسكري او امني محدود، انما باجتياح عسكري كامل. وعلى الرغم من التوضيح الذي نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي (وليس عبر وسائل الاعلام)، بأن ما قاله تم "احباطه" الا ان مفعول الكلام كان انتشر، ومضمونه في الاصل خطير، وخطير جداً.
هذا الموقف تضاعف تأثيره نسبة الى الصفة التي يتحدث بها عزيز، وهي انه مستشار رئيس الجمهورية، وبالتالي ما صدر بصوته عن المعلومات التي تلقّاها الرئيس وخطورتها، ادت الى استغراب كبير لدى اوساط دبلوماسية محلية واجنبية حول مدى دقتها اولاً، وحول الحكمة من اثارتها في هذا الوقت بالذات ثانياً (في حال كانت صحيحة)، خصوصاً وان الرئيس ميشال عون يجهد ليل نهار لاثبات العكس، وهو خاض بنجاح حملة دبلوماسية غير مسبوقة للضغط على قوة اقليمية لها ثقلها في سبيل الكشف عن ملابسات عدم عودة رئيس حكومة لبنان الى بلاده.
واضافت الاوساط ان مثل هذا الموقف يضيّع كل ما بذله عون في الآونة الاخيرة، واظهر ان هناك موقفين: الاول يقوده عون ويعمل من خلاله الى طمأنة اللبنانيين، والثاني يحاول فيه عون التستر على معلومات خطيرة ومصيرية بالنسبة الى لبنان وعلى الظرف الخطير الذي تهدّده او كان يتهدده وكاد ان يعيدنا الى العام 1982! فما الذي يجب على اللبنانيين ان يتعاطوا معه ويتحضروا له؟ هل هو الاجتياح ام الحرب الباردة؟.
وفي حين لم تعط الاوساط الدبلوماسية جواباً على هذا السؤال، كان لا بد من التوقف عند نظرة بسيطة لهذه المعلومات الخطيرة، مع العلم ان لبنان 2017 مغاير كلياً للبنان 1982 من النواحي كافة، والظروف الاقليمية والدولية تبدّلت بشكل جذري عما كانت عليه في ذلك الوقت. وحتى ​اسرائيل​ نفسها تعترف انها تعيد حساباتها اكثر من مرة قبل اتخاذ اي قرار يخالف مصالحها ويؤدي الى اندلاع حرب مع لبنان... فمن الذي سيقوم بالاجتياح عندها؟ هل هي السعودية؟ ام ​الولايات المتحدة​؟ ام اي دولة اخرى اعلنت ان حزب الله "ارهابي"؟.
وعلى خط آخر، واذا كانت المعلومات تتحدث عن اجتياح سياسي، او حتى مالي، فكل المؤشرات والمعطيات المدعّمة بالارقام، وكل التصاريح التي ادلى بها المسؤولون الماليون من على منبر الرئاسة في ​بعبدا​ تحديداً، تجزم بأن ​الوضع المالي​ ممسوك ولا خوف لا على الليرة ولا على انهيار مالي من خلال القيام بتحويلات ضخمة (وهو امر تم نفيه جملة وتفصيلاً)، مع استعداد ​المصرف المركزي​ للتدخل في اي وقت يشعر فيه ان المسألة اقتربت من الخطر.
وعلى الصعيد السياسي، اظهرت الازمة الحالية مدى التفاف العالم حول لبنان، رغم الخلاف الكبير لبعض الدول مع حزب الله، فكانت مواقف داعمة لسيادة وامن لبنان والدعوة الى عدم التدخل بشؤونه ومحذرة من المسّ باستقراره، وهذا دليل اكثر من كاف على ان المنحى المتخذ لا يظهر اي توجه دولي للتخلي عن لبنان، بل على العكس تماماً.
هذه المعطيات تفيد ان ما قيل على لسان عزيز لم يكن في محلّه ولم يكن من المناسب فعلاً نشر اجواء تدفع الى الهلع والبلبلة، وبشكل يتناقض مع المسار الذي وضعه رئيس الجمهورية، ما اوحى بوجود موقفين عن بعبدا لا تقاطع بينهما، فعلى اي منهما يجب ان سيتند اليه الناس؟.