تأزّم العلاقات بين ​لبنان​ والسعودية الذي نعيشه اليوم ليس جديداً. فمنذ خمسين عاماً، وتحديداً في العام 1967 إبان حرب الأيّام الستة بين العرب و​إسرائيل​، شهدت العلاقات بين الرياض وبيروت أزمة شبيهة بأزمة اليوم.
لم يكن ​حزب الله​ موجوداً في العام 1967 عندما وجهت المملكة العربية السعودية إنذاراً للحكومة اللبنانية. ولم تكن ​إيران​ تحمل صفة الجمهورية الإسلامية عندما هدّدت الرياض الجالية اللبنانية بلقمة عيشهم وطردهم من اراضيها. السعودية ليست بحاجة لحزب الله أو للجمهورية الإسلامية في إيران كي تفجّر غضبها من هزائمها في المنطقة. الأسباب اختلفت بين الأمس واليوم، إلا أن السعودية وطريقة تعاملها مع لبنان هي نفسها: محاولة الضغط على الشعب اللبناني للحصول على موقف سياسي داخلي يتناسب والتفكير السعودي.
منذ نصف قرن، عندما انتهت الحرب العربية الاسرائيلية بهزيمة للعرب ووصلوا إلى ما سمّي فيما بعد بالنكسة، واحتّلت اسرائيل أجزاء من العالم العربي، انقسم العرب يومها في خندقين، الأول يتزعمه الرئيس المصري آنذاك ​جمال عبد الناصر​ والثاني تابع لملوك السعودية.
وفي لبنان، كانت تلك الفترة تشهد تنامياً لنشاط الجماعات الفلسطينية المسلّحة المدعومة من المملكة العربية السعودية بالمال والعتاد. ووسط انقسام الآراء بين داعم للمملكة ومؤيّد لجمال عبد الناصر، فجّرت الرياض غضبها على لبنان منذرة اياه بمصالحه ​الاقتصاد​ية وأمنه واستقراره. ويظهر ذلك جلياً في الصحف الموزعة آنذاك.


الانذار السعودي طاول ايضا الجالية اللبنانية في المملكة التي بلغ عدد افرادها 15 الف شخص. ففي شباط 1967 هدّد الوزير السعودي عمر السقّاف بطرد جميع اللبنانيين من بلاده بسبب انتقادات صحيفة لبنانيّة للسياسات السعوديّة ما اضطرهم الى اصدار بيان فوري عبارة عن "عريضة تطالب الحكومة بالحياد والعمل على ضرب الايدي العابثة التي تستهدف تمزيق اواصر الاخوة والمحبة بين البلدين".
وفي العام 1979، "سحبت السعودية وحداتها من "قوات الردع العربية" بعدما اُطلقت النيران على مروحيّة كان يستقلها سفيرها في لبنان، تبعتها باقي "قوات الردع العربية". ومن المعروف عن السياسة ​الخارجية السعودية​ أنه "عندما كانت دبلوماسيّتها تصل إلى طريق مسدود في مساعيها لوأد الأزمة اللبنانية، كان أمامها ثلاثة مخارج: إما المواجهة، وإما التراجع والانكفاء، وإما الإذعان"*.
ما حصل مع السعودية في الأيام الماضية يختصر كل سياساتها السابقة. بداية من قرارها بالمواجهة (حينما أجبرت رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ على الاستقالة ورغبتها بقطع يد ايران في لبنان)، ومن ثم التراجع (أيضا على لسان الحريري في مقابلته الأخيرة). ومن يدري، في ظل التخبّط الحاصل اليوم في أروقة العائلة الملكية، قد تصل السعودية إلى حد الإذعان.
وبما يتعلق في لبنان، سيبقى هذا الوطن الصغير جزءاً من المطامع الاقليمية. ما يجري أبعد وأكبر من لبنان، ما يجري يتعلق بالحكم السعودي وسياسته، ويتعلق برغبة الرياض بإغلاق العالم العربي وإحكام السيطرة عليه، بما فيه وطننا.
* "السعودية ولبنان" (السياسة والاقتصاد 1943- 2011)، عبد الرؤوف سنو.