الخطوةُ التالية هي عودةُ الرئيس ​سعد الحريري​. هو نفسُه أعلن أنها خلال أيام. ولكن، على أرض الواقع، هو نفسُه لا يستطيع حسمَ الموعد. فكما أنه «فوجِئ» بقرار السفر الأوّل إلى المملكة، والسفر الثاني، والاستقالة، يُقال إنه «فوجِئ»- هو نفسُه- أيضاً بمقدار الانفتاح والإيجابية الذي أُتيح له في حواره المتلفز. ويقول البعض: ربما «يُفاجَأ» الحريري بموعد عودته إلى ​بيروت​... اليوم أو بعد حين!

تقلَّبت 3 وجوه سياسية للحريري في غضون أسبوعين:

- «الحريري 1» هو «حريري كليمنصو» الماشي في تسوية 2016 بأيّ ثمن، ولو أحرج حلفاءَه الـ14 آذاريين في الحكومة («القوات اللبنانية») ودفعهم إلى الاستقالة.

- «الحريري 2» هو «حريري الفيديو» الذي ظهر عنيفاً ضدّ مسار التسوية و«حزب الله» و​إيران​ في بيان الاستقالة.

- «الحريري 3» هو «حريري المقابلة» الذي عاد إلى نقطة وسطى بين «الحريرَيْن» الأوّلين: شيء من ليونة كليمنصو وشيء من تشدّد «الفيديو». وهذا الحريري الثالث هو العائد في أيّ لحظة إلى بيروت. فاقتضى الإيضاح، على الملأ، أمام جميع الذين يعنيهم الأمر هنا، ليقرّروا طريقة التعاطي معه، عند العودة.

ما الذي جرى بعد زيارة الحريري الأولى للرياض، واستدعى أن يعود إليها بزيارة ثانية ثابتة، في «الويك إند» السعودي، ليل الجمعة 3 تشرين الثاني؟

ما أعلنه الحريري في بيان الاستقالة كان طلبه منه السعوديون في الزيارة الأولى. لكنّ الحريري استمهلهم ووعدهم بتحقيق الهدف الذي يريدونه، أي التشدّد في مواجهة «حزب الله» وإيران، من دون الاضطرار إلى الاستقالة. فاقتنعوا منه ومنحوه «فرصة».

عاد الرجل إلى بيروت. لكنّ شيئاً من الوعد لم يتحقق. وفوق ذلك، التقى ​علي أكبر ولايتي​ مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية. والمعلومات التي رشحت عن اللقاء أفادت أنه كان إيجابياً جداً وغيرَ تصادمي، وأنّ الحريري لم يفاتح الضيف الإيراني بأيّ اعتراض على دور ​طهران​ و»حزب الله» في المنطقة، وخصوصاً في ​اليمن​، الخاصرة ​السعودية​. ويقول ولايتي إنّ الحريري طرح وساطته للتقارب بين السعودية وإيران.

انتقل السعوديون، بشخص وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى مرحلةٍ أكثرَ حزماً. دعوا رئيس الحكومة إلى ​الرياض​ وطلبوا منه تفجيرَ موقفٍ أكثر صرامة: الاستقالة وقلب الأوراق في لبنان على كل المستويات، لأنّ هذه هي الطريقة الفضلى لإحراج إيران.

لم تنجح خطةُ التصعيد لأنّ الخصوصيات اللبنانية استوعبتها الصدمة وامتصتها فانقلبت لمصلحة إيران، حتى داخل بيت «المستقبل» والبيت السنّي. وفي الأزمات، عندما يتأخر نجاح أيّ خطوة، تصبح عرضةً للتداخلات. وهكذا، تعرّض السعوديون لضغوط أميركية وفرنسية وبريطانية قاسية لدفعهم إلى خيارٍ يراعي الاستقرارَ اللبناني بصفته خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.

فحتى الولايات المتحدة، في عقوباتها التصاعدية ضد «حزب الله» تتجنّب أيَّ اهتزازٍ في استقرار لبنان المالي والنقدي والاقتصادي. وهي باركت التسوية السياسية الحالية بخطوطها العريضة. كذلك يدعم الأميركيون والأوروبيون الجيشَ اللبناني لتثبيت الاستقرار الأمني. وتحرير الجرود وكشف الخلايا النائمة هما جزءٌ من هذا الهدف.

اقتنع السعوديون بأنّ الفوضى في لبنان مؤذية. ولذلك، راجعوا حساباتِهم وأبلغوا الى الحريري بتعديل خطابه في المقابلة الأخيرة، وبإمكان عودته إلى السلطة في لبنان شرط إعادة النظر في أسس التسوية السابقة، أو إنتاج تسوية جديدة. وهذا الطرح يناسب الحريري القائل بالتغيير من داخل السلطة، وبالأسلوب «الواقعي».

ولكن، بعيداً من الأوهام، لن يكون الحريري قادراً على الوفاء بوعده في أيٍّ من الحالين. فلا شيءَ يُجبر «حزب الله» على التخلّي عن نفوذه في لبنان ولا الانسحاب من حروب المنطقة. وإذا عاد الحريري إلى ​السراي الحكومي​ فسيصطدم بهذا العجز ويُصاب مجدّداً بالإحراج مع السعوديين، كما حصل بعد زيارته الأولى للمملكة.

إذاً، ما هي خريطة الطريق التي سيعتمدها الحريري للخروج من المأزق؟

في الدرجة الأولى، سيجعل من ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ حَكَماً وغطاءً لأيّ خطوة. ولذلك، طرح أن يقود الرئيس حواراً في بعبدا حول «نأي لبنان بنفسه عن نزاعات المنطقة». فإذا وافق رئيس الجمهورية على ذلك، يصبح منطقياً أن يعود الحريري إلى بيروت، فيجمِّد الاستقالة ويربط العودة إليها بما سيتوصّل إليه هذا الحوار.

هذا الخيار يريح السعوديين لأنه يمنحهم الانطباع بأنّ الصدمة التي عمدوا إليها أعطت ثمارَها. كذلك سيريح ذلك الأميركيين الراغبين في الحدّ من تورّط «الحزب» في النزاعات الإقليمية كذراع لطموحات طهران التوسّعية. كما أنه سيريح عون والقوى السياسية اللبنانية كافة، لأنه سيجنّبها كأس الانقلابات والتوترات السياسية والمذهبية.

إذاً، المنتظر هو الآتي: يعود الحريري إلى بيروت. يتوجّه إلى ​قصر بعبدا​ حيث يربط استقالته بنتائج الحوار الذي يطلقه عون حول «النأي بالنفس» ومجمل وضع «حزب الله» كطرف مسلّح. وتنطلق جلسات الحوار… ولكل حادثٍ حديث!

سيلتزم الحريري مواقفَ متشدّدة من مسألة انخراط «الحزب» في الحروب الإقليمية، ولا سيما منها الحرب في اليمن. وسيدرك رئيس مجلس النواب
نبيه بري​ و«حزب الله» والآخرون أنّ من الضروري تقديم ما أمكن من تنازلات معيّنة، ولو في الشكل، ليتمكّن الحريري من الاستمرار شريكاً في الحكم.

ضمن هذه الحدود، سيعلن «حزب الله» أنه لن يمارسَ أعمالاً حربية في النزاع اليمني، وأنّ دورَه هناك هو تقديم الدعم السياسي والإعلامي والإنساني، لا أكثر، وسيقدّم ما أمكن من الدلائل إلى ذلك، فيريح الحريري الذي لن يستمرّ في الدفاع عن «حزب الله» في مواجهة ​العقوبات الأميركية​.

هذه العودة إلى المساكنة ممكنة إذا استمرّ منسوبُ التوتر السعودي - الإيراني عند حدودٍ مضبوطة. وسيكون لبنان والحريري والجميع في لبنان محظوظين. ولكن، إذا كانت المرحلة المقبلة متفجّرة إقليمياً، فكل الأشياء ستصبح خاضعةً للانقلابات، وكل الأشخاص كذلك.