كان مفاجئا" في اليومين الماضيين غياب الملف السوري عن بيان ​جامعة الدول العربية​. لم تشحن ​الدول الخليجية​ النفوس ولا النصوص بمفردات قاسية كان تستخدمها ضد الرئيس السوري بشار الأسد. فرض غياب الملف السوري نفسه في القراءات السياسية، بعد تفاهم أميركي-روسي بشأن دمشق، لحقه استنفار موسكو في صناعة حلف رباعي عملي: روسيا–ايران–​سوريا​–تركيا، سيكون في صلب الخريطة الجيو سياسية الجديدة للمنطقة. أكدت الزيارة المفاجئة للأسد الى ​سوتشي​ وطبيعة المحادثات التي أجراها في أربع ساعات ترسيخ الحلف الرباعي المستند الى مشروع تسوية سياسية مقبلة، والأهم لقاء الاسد مع ​القيادات العسكرية​ الروسية بحضور ​الرئيس الروسي​ ​فلاديمير بوتين​ في سابقة لم تشهدها الدولة الروسية في تاريخها. تلك اللقاءات سبقت بساعات انعقاد القمة العسكرية الثلاثية: الروسية–التركية–الايرانية في سوتشي. لذلك بدت القمة رباعية، لاعتبار الاسد القائد الأعلى للقوات العسكرية السورية الى جانب كونه رئيسا للجمهورية. فحضر قبل انعقاد القمة الثلاثية واستمع الى بوتين وأبلغ الروس قراره بشأن المعارك ضد الارهاب والوجود العسكري الروسي والايراني ومساحات التدخل التركي شمالا والأميركي شرقا. المحصلة: اتفاق كامل بين بوتين والأسد، يعني الموافقة السورية على الخريطة الجديدة التي تحفظ دور دمشق الطليعي.

في شكل الزيارة ارتياحا سوريا مستندا الى الانجازات الميدانية وخصوصا في الشرق بعد ضرب "داعش" ومنع تمددها واستكمال المعارك مع خلايا مسلحة تنتمي الى فصائل وجبهات عدة، في ظل تواجد كردي مسلّح في مساحات واسعة شرقا وشمالا تحتاج لحسم سياسي وعسكري لاعادة ضبطها، خصوصا انها مدعومة بقواعد أميركية عدة. أيضا تأتي القمة الثنائية السياسية-العسكرية، ثم القمة الثلاثية على وقع احتفالات طهران بالنصر على "داعش"، في وقت ينشغل العرب بتراجع استراتيجي وصل الى حد عدم الاهتمام لا بسوريا، ولا ب​العراق​، ولا ب​فلسطين​، انما حصر الاهتمام فقط ب​اليمن​. هذا أيضا من ضمن الخريطة الجيوسياسية نفسها. ومن هنا ينصبّ التركيز السعودي على ضرورة حسم الملف اليمني واللحاق بركب التسويات الاقليمية التي تجري مسرعة. اشتعال الساحة اليمنية يبقي المملكة العربية السعودية مهددة كما حصل مثلا بسقوط صاروخ في الرياض. ترفع المملكة السقف السياسي الى أعلى درجاته التصعيدية لمنع بقائها أسيرة ساحة يمنية غير منضبطة لا سياسيا، ولا أمنيا. لا بل يتوسع فيها نفوذ خصومها الايرانيين تحديدا. جاء التصعيد العربي في بيان الجامعة لتلبية مطالب سعودية لحسم الملف اليمني، وأتى التركيز على "​حزب الله​" في ساحته الاساسية ​لبنان​، كونها المساحة الوحيدة المتبقية لممارسة الضغوط على حلفاء طهران بعد تحييد الساحتين العراقية والسورية في الخريطة الجديدة وعدم قدرة السعوديين على لعب أدوار فيهما. لن ترتقي تلك الضغوط الى حرب، ولن تثمر حلا في اليمن، كما بدا في ردة الفعل الايرانية. فكيف ستكون المعالجة؟ التنازل هو المدخل، لكن المراقبين يقولون أن الاميركيين سيمنعون الرياض من أي تنازل لابقائها أسيرة الدعم والحماية الأميركية وما تفرضه واشنطن من خوّات مالية من خلال بيع الأسلحة الى السعودية.

أما التسوية السورية المطروحة على الطاولة، فتوحي تصريحات بوتين والأسد أنها ماضية الى الامام في الأشهر المقبلة بعد استمكال ازاحة المجموعات المسلحة، وسيكون بدايتها اعلان روسي–ايراني–تركي–قطري عن دعم تسوية سياسية بقيادة الأسد، تتبعها قرارات بتخفيف التواجد العسكري لكل الأفرقاء من جهة، وحل مجموعات مسلحة نفسها وتسليم اسلحتها للجيش السوري، ثم اجراءات سياسية سورية لاشراك معارضين في الحياة السياسية السورية. لم تتضح الصيغة بشكل نهائي. لكن اتفاقا حصل في سوتشي بين بوتين والأسد بموافقة ايرانية وتركية ستتوّج بصلح أنقره مع دمشق، لأن الروس والايرانيين يعتبرون أن المصالحة التركية–السورية هي باب أساسي لترسيخ التسوية وحل المشاكل العالقة في شمال البلاد وضبط الحدود الطويلة. المحطات متعددة في مسيرة التسوية التي وضعت على السكة منذ الاعلان عن التفاهم الروسي–الأميركي العريض. هذا لا يعني الانفراج النهائي. قد تتعثر بعض المحطات أو يتأخر التنفيذ، لكنه لن يطيح بالتسوية الكبرى التي تستبطن في خفاياها مصالح في النفوذ والثروات الطبيعية ضمنا.