بين الرابع من تشرين الثاني الماضي والخامس من كانون الأوّل الحالي أكثر من شهر كامل عاش خلاله اللبنانيّون بقلق، نتيجة ما رافق الإستقالة الشفهيّة لرئيس الحكومة ​سعد الحريري​ من ​الرياض​، من إرتدادات وما تلاها من إشاعات، مُرورًا بمرحلة التريّث التي كانت أفضل بشكل نسبي فقط، وُصولاً إلى العودة الكاملة عن الإستقالة. لكن وفي مُقابل المخاطر الكُبرى التي جرى ترويجها داخليًا خلال فترتي الإٍستقالة والتريّث، جاءت الصيغة التي إعتمدت لتبرير العودة عن الإستقالة، عبارة عن تكرار لغوي بصيغة جديدة لنأي لبنان بنفسه عن الصراعات، وهو نأي مُستمرّ إعلاميًا وليس عمليًا منذ سنوات طويلة!.

لكن لا شكّ أنّ رئيس ​مجلس الوزراء​ حاول تضمين بيان الحكومة في جلستها أمس، أكبر قدر من العبارات التي تهدف إلى تثبيت "النأي بالنفس"-ولوّ نظريًا وشكليًا، وهذا الأمر واضح من خلال التذكير بما جاء في ​خطاب القسم​ لجهة ضرورة إبتعاد لبنان عن الصراعات الخارجيّة "مُلتزمين إحترام ميثاق جامعة الدول العربيّة وبشكل خاص المادة الثامنة منه"(1)، ومن خلال الحديث عن إلتزام الحكومة اللبنانيّة "بكلّ مكوّناتها السياسيّة" النأي بنفسها(2) والذي إستتبع بعبارات تؤكّد أن الأطراف السياسيّة والحزبيّة معنيّة بعدم التدخّل، وهي المرّة الأولى التي يتمّ فيها الحديث عن أطراف حزبيّة وعن كل المكوّنات السياسيّة من دون إستثناء، ولو من دون تسميتها. وكان لافتًا أيضًا تأكيد الحكومة اللبنانيّة الإلتزام بالقرارات الدوليّة، مع الحرص على ذكر قرار ​مجلس الأمن​ الدَولي رقم 1701 بالتحديد(3)، في رسالة إلى العالم الغربي أكثر منه إلى لبنان، وتجديد تمسّك الحكومة ب​اتفاق الطائف​ والتذكير بأنّ لبنان "عربي الهوية والإنتماء"، في رسالة إلى الدول العربيّة أكثر منه إلى الداخل اللبناني أيضًا.

ودائمًا في إطار التقييم السريع لمضمون بيان الحكومة، لم تتمّ الإشارة بشكل مُباشر إلى حقّ لبنان في مُقاومة الإحتلال أو في مُواجهة ​الإرهاب​، كما كان قد تردّد سابقًا، الأمر الذي فُسّر كتنازل إضافي من جانب "​حزب الله​" الذي أبدى لُيونة كبيرة في الإستجابة لمطالب الحريري، بهدف إمتصاص كل الآثار التي كان يُمكن أن تنجم من التمسّك "بالإستقالة"، وكذلك بهدف السير قُدمًا نحو ​الإنتخابات​ النيابيّة التي يُراهن عليها لقلب موازين القوى الداخليّة، خاصة وأنّ كل البيانات والتفاهمات والإعلانات اللفظيّة السابقة لم تقف حائلاً دون تدخّله أمنيًا ولوجستيًا في أكثر من ساحة مُواجهة عربيّة، بالتزامن مع تباهيه بأنّه "سيكون حيث يجب أن يكون"! وبالنسبة إلى رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ فهو أبدى من جهته ليونة كبيرة إزاء مطالب رئيس الحكومة التي جرى التعبير عنها في بيان جلسة الأمس، إنطلاقًا من حرصه على عدم إصابة العهد بأي إهتزاز، وبهدف اعادة عجلة الدولة إلى وضعيّة الدوران على مُختلف المُستويات. وفي ما خصّ رئيس الحكومة فهو إكتفى بما أمكن تسجيله من مكاسب إعلاميّة ولفظيّة خاصة على مُستوى سياسة "النأي بالنفس"، وهو لا بُدّ وأن يراهن حاليًا على أن يكون مضمون البيان كافيًا لإعادة الحرارة لعلاقاته الخليجيّة، وتحديدًا لعلاقته مع المملكة العربيّة ​السعودية​، علمًا أنّ الرد المُنتظر على ما جاء في البيان سيكون بدون شكّ بالتشديد على أنّ العبرة بالتنفيذ.

في الختام، يُمكن القول إنّ جبل الإستقالة تمخّض فوَلد نأيًا مُكرّرًا بالنفس! وإذا كان أكيدًا أنّ بيان الحكومة أنقذ رئيس الحكومة سعد الحريري من الوضع الشاذ الذي كان فيه منذ شهر حتى اليوم، فإن أكثر من سؤال يفرض نفسه، ومن بين هذه الأسئلة: هل سيكون هذا البيان كافيًا لإنقاذ لبنان من أزماته مع العالم الخارجي ومع الدول العربيّة والخليجيّة بالتحديد، والأهمّ هل سيكون هذا البيان "حبرًا على ورق"-كما الكثير من البيانات السابقة أمّ أنّ الأطراف المعنيّة كافة، وفي طليعتها "حزب الله"، سيلتزمون جديًا بمضمونه هذه المرّة؟

(1) جاء في المادة الثامنة من ميثاق الجامعة العربيّة "تحترم كل دولة من الدول المُشتركة في الجامعة نظام الحكم القائم في دول الجامعة الأخرى، وتعتبره حقًا من حُقوق تلك الدول، وتتعهّد بأن لا تقوم بعمل يرمي إلى تغيير ذلك النظام فيها".

(2) جاء في بيان الحكومة: "... النأي بنفسها، عن أي نزاعات أو صراعات أو حروب تُضرّ بعلاقات لبنان السياسيّة والإقتصاديّة مع أشقائه العرب وتُهدّد مصالح اللبنانيّين في البلدان الشقيقة، وهو الأمر الذي يُرتّب على كافة الأطراف السياسيّة والحزبيّة، عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول العربيّة وإلتزام القوانين المرعيّة الإجراء إزاء الحملات التي تستهدف تلك الدول وقادتها".

(3) هو القرار الدولي الذي أوقف حرب تمّوز 2006، بناء على إتفاق قضى بتعزيز القوّات الدوليّة وبنشر وحدات من ​الجيش اللبناني​ في المنطقة الحدوديّة في الجنوب، إضافة إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح.