لا شكّ أنّ البيان-القرار الذي صدر عن ​مجلس الوزراء​ بعنوان "النأي بالنفس"، والذي أفضى لتراجع رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ عن استقالته، لم يفاجئ أحدًا في الداخل والخارج، خصوصًا أنّ رغبة الحريري بالبقاء في موقعه لم تكن خافية على أحد، وأنّه لم يكن يبحث سوى عن "المَخرَج" الذي من شأنه حفظ موقعه وهيبته وماء وجهه في آنٍ واحدٍ.

وباعتبار أنّ ما حصل أسدل الستارة على "تمثيليّة" استقالة الرجل المريبة من المملكة العربية ​السعودية​، وما رافقها من وضعٍ ملتبسٍ لرئيس الحكومة، وبالتالي أعاد الأمور إلى نقطة ما قبل الرابع من تشرين الثاني الماضي، فإنّه كان من الطبيعي أن يحصد إشادة، رُقّيت لمستوى "التمجيد"، من جانب "طبّاخي" التسوية، الذين لم يتردّد بعضهم بوصفها بـ"التاريخية" و"غير المسبوقة".

إلا أنّ المفاجأة كانت في موقف "​القوات اللبنانية​" التي لم تبدِ أيّ تحفّظٍ على القرار الحكوميّ، كما أشيع في الساعات السابقة لجلسة مجلس الوزراء، بل على العكس من ذلك، رحّبت بها وذهبت لحدّ اعتبارها "انتصاراً"، كما جاء على لسان النائب ​ستريدا جعجع​، فهل من تفسيرٍ لهذا الموقف "القواتي" المتقدّم؟ وأيّ رسائل، معلنة أو مضمرة، يحمل بين طيّاته؟!

إعلان بعبدا​ جديد...

في المبدأ، لم يحمل البيان الذي صدر عن مجلس الوزراء، مكرّسًا سياسة "النأي بالنفس" بالاسم، أيّ جديد، لا في الشكل ولا في الجوهر، رغم كلّ محاولات توصيفه بـ"الانتصار التاريخي"، من قبل جميع المعنيّين به بالدرجة الأولى. وفي المبدأ أيضًا، فإنّ المواقف التي صدرت إزاء ما يمكن تسميتها بوثيقة "النأي بالنفس" لم تحمل بدورها أيّ جديد، ولم تشكّل مفاجأةً لأحد، فالقوى، التي أبدت حرصها على التسوية في مرحلة محنة الحريري، كان من الطبيعي أن تتمسّك بالمَخرَج الذي تمّ ابتكاره، تمامًا كما كان من الطبيعي أن تسخر القوى المعارضة، كحزب "الكتائب"، ممّا تحقّق بعد شهرٍ كاملٍ من حبس الأنفاس والقلق يبدو أنّه ضاع سُدىً.

وحده، موقف "القوات اللبنانية" بدا مفاجئًا، فـ"القوات" التي نعى رئيسها ​سمير جعجع​ عند استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري من الرياض التسوية الرئاسية، وقال إنّ أحدًا يحترم نفسه لا يمكنه البقاء في الحكومة، والتي قال وزراؤها أنّ الحريري وفّر عليهم بموقفه المبادرة إلى الاستقالة من الحكومة، ظهرت خلال الساعات الماضية وكأنّها "تستلحق" نفسها لتدخل في التسوية من جديد، في مواجهة محاولات "العزل" التي تعرّضت لها منذ عودة الحريري إلى لبنان. ولعلّ التسريبات التي أكدت أنّ "القوات" كانت "آخر من يعلم" بصيغة البيان الذي تمّ الاتفاق عليه، والذي لم تصلها مسودّته سوى عشيّة جلسة الحكومة التي حُدّدت على عجل، تكفي لاستغراب موقفها، خصوصًا أنّ كلّ الترجيحات كانت تميل للاعتقاد بأنّ وزراء "القوات" سيتحفّظون على البيان، على الأقلّ من الناحية الشكليّة نظرًا لعدم استشارتهم في صياغته، بل ذهب البعض لحدّ القول إنّ وزير الاعلام ​ملحم الرياشي​ سيرفض تلاوة البيان إذا ما طُلِب منه ذلك، لكون "القوات" غير موافقة عليه.

رغم كلّ ذلك، وافق وزراء "القوات" على البيان، ورأت فيه النائب ستريدا جعجع "انتصاراً" لجميع اللبنانيين، موقفٌ عزّزته الأوساط "القواتية" خلال الساعات القليلة الماضية من خلال الاشارة إلى أنّه، وبمُعزَلٍ عن كلّ شيء، فإنّ البيان أتى منسجمًا مع أدبيّات "القوات"، وبالتالي فهو عالج أسباب الاستقالة التي أعلنها رئيس الحكومة قبل شهرٍ، خصوصًا أنّ تطبيقه يضمن عدم تكرار بعض الوزراء لبعض الخطوات التي قاموا بها سابقًا سواء لجهة التطبيع مع ​النظام السوري​ أو تنفيذ الأجندة الإيرانية. وإذا كانت العبرة تبقى في التنفيذ، وإنّ سلاح الاستقالة سيبقى "سيفاً مسلطاً" في وجه كلّ من سيحاولون جعل البيان مجرّد حبر على ورق، فإنّ البعض رأى أنّ أهمّ ما في "الانتصار" الذي تحقّق معنويًا، لم يأتِ فقط لكون قرار مجلس الوزراء أتى بمثابة نسخة منقّحة عن "إعلان بعبدا" وكرّس سياسة النأي بالنفس، بل لأنّ من صاغوه هم أنفسهم من كانوا حتى الأمس يهاجمون رئيسي الجمهورية والحكومة السابقين ​ميشال سليمان​ و​نجيب ميقاتي​ على خلفية هذه المصطلحات بالتحديد.

رسالة لـ"المستقبل"

وأبعد من مضمون الوثيقة، الذي قرأه كلّ فريقٍ على طريقته، على جري العادة، وبما يُشعِره بأنّه لم يخسر شيئًا، ربما لكونها راعت شعار "لا غالب ولا مغلوب" المعمول به دائمًا في لبنان، فإنّ ما لا شكّ فيه أنّ موقف "القوات" الإيجابيّ من الوثيقة لم يأتِ عن عبث، بل حمل بين طيّاته جملة من الرسائل والأبعاد السياسية التي لا يمكن القفز فوقها.

انطلاقاً من ذلك، يمكن القول إنّ "القوات" أرادت، بموقفها هذا، توجيه رسالة "حسن نوايا" إلى رئيس الحكومة سعد الحريري من خلال عدم التشويش على إجماع المكوّنات الحكوميّة على البيان الصادر عن مجلس الوزراء، ما كان سيضعه في موقفٍ محرجٍ خصوصًا أمام من يسعى لإرضائهم عبر القول أنّه حقّق مكسبًا مهمًا. بمعنى آخر، فإنّ "القوات" حرصت على "تسليف" الحريري موقفاً على هذا الصعيد، ستطالب بترجمته مستقبلاً، إذ كان بإمكانها بكلّ بساطة أن تعارض التسوية، ما كان يمكن أن يؤدّي إلى "فرطها"، لأنّه سيُظهِر أنّها أتت بإخراجٍ ضعيفٍ لم يقنع حتى أحد المكوّنات في الحكومة.

وفي سياقٍ غير بعيد عن هذه القراءة، ليس خافيًا على أحد أيضًا أنّ "القوات" تسعى من خلال موقفها هذا إلى إعادة بناء الجسور المهدّمة مع "المستقبل"، في ظلّ اعتقاد بأنّ ترجمة هذا الموقف لن تكون بعيدة، خصوصًا أنّ قنوات التواصل بدأت تُفتَح من جديد بين الجانبين، من خلال الوزيرين ​غطاس خوري​ وملحم الرياشي، وإن بقيت بعض الأصوات المغرّدة خارج السرب تُرصَد هنا وهنالك. ولا يعني ذلك أنّ العلاقة بين الجانبين ستعود إلى سابق عهدها، ولكن على الأقلّ أنّ "القطيعة" ستُكسَر عاجلاً أم آجلاً، لأنّ الطرفين لا يريان فيها مصلحة، وأنّ الحريري، رغم كلّ الشكوك التي لديه، سيعضّ على الجراح، لأنّه سيعتبر أنّ تقاربه من الجميع في المرحلة الفاصلة عن الانتخابات يبقى الأهمّ.

ما الجديد؟

مع إعلان وثيقة "النأي بالنفس" عن مجلس الوزراء، وتصويرها على أنّها انتصارٌ تاريخيٌ، أسئلة كثيرة طرحت ولا تزال، فما هو الجديد فيها؟ وبماذا تختلف عن خطاب القسم والبيان الوزاري، بل عن إعلان بعبدا الذي يسخر منه الموقّعون على الوثيقة، تمامًا كما يسخرون من عبارة النأي بالنفس ويهاجمون مردّديها؟ وأبعد من ذلك، ما هي المكاسب التي حقّقتها؟ وهل يمكن أن تبرّر "الشهر الضائع" الذي مرّ على الوطن بين الاستقالة وتوابعها والتريث ومقتضياته وصولاً إلى العودة إلى ما قبل الرابع من تشرين الثاني؟.

هي أسئلة ستبقى بلا أجوبة، لأنّ أحدًا لا يملكها على الأرجح، في بلدٍ أصبح كلّ شيءٍ فيه مشرّعًا، ولا شيء يدعو للاستغراب والعجب...