invisible hit counter Elnashra - مآسي وسط بيروت... إضغط هنا لقراءة النسخة المصغرة الخاصة بالموبايل

مآسي وسط بيروت...

الثلاثاء 24 نيسان 2012،   آخر تحديث 09:07 لينا المر نعمة - مقالات النشرة

لقد هجّرتِ الحربُ الأهالي والتجار والحرفيين الذين كانوا يسكنون في وسط مدينة بيروت ويعيشون منه. بتعدديتهم، كانوا يشكلون صلة الوصل بين جميع أنحاء العاصمة، لا بل جميع أنحاء لبنان وطبقاته.

كانت مساكنهم واسواقهم جميلة، لها خصوصيتُها، وكنا نحب أن نزورها، حتى لو كنا نتذمر أحيانًا من كثرة البشر في هذه المنطقة التي كانت تشكل قلب بيروت، وتعج بالسكان والتجار والحرفيين.
حين فرضت الأمم اتفاق الطائف على لبنان وانتهت حربُ السلاح، أخذت الدولةُ الجديدة تهتم بمشكلة المهجرين وبمساعدتهم.
وظن مهجرو وسط بيروت أنهم سيساعَدون مثل مهجري المناطق الاخرى.
ولكن بدلًا من ذلك، سنَّت الدولة قانونًا مناقضًا للدستور، يقضي بنزع ملكيتهم لمصلحة شركة عقارية هي سوليدير. وقال بعض السياسيين إن مال الرشوة وُزع للوزراء آنذاك، فوقعوا كلهم على المشروع ــ كلهم باستثناء واحد.
اشترت سوليدير الاملاك باسعار زهيدة جدا، ولم تدفع المال بل الاسهم. لكن اسعار الاسهم انخفضت، فخاف الكثير من الاهالي، خاصة الفقراء، وباعوا الاسهم، ونفد المال، ولم يعد لديهم شيء.
بعض اصحاب الحقوق رفضوا الاسهم ورفضوا ترك منازلهم او حوانيتهم في وسط بيروت، فاستعملت سوليدير القوة لطردهم، وضربتهم إن قاوموا. حتى إنها رمت بعض العجز على الطريق، وهي لا تسأل عن المكان الذي سينامون فيه.
بعد اصحاب الحقوق، اتى دور عائلات المهجرين الذين جاؤوا الى وادي ابو جميل، هربا من الحرب في جنوب لبنان. كان المسلحون يسيطرون على الحي، وبفضلهم، تلقى المهجرون اثمانًا اهم بكثير من اصحاب الحقوق.
لكن سوليدير اعتبرت يومذاك انها دفعت بما فيه الكفاية. إنما لم تكن في مركز قوة كاف لطرد ما تبقى من المهجرين. فقطعت الماء والكهرباء عن الحي، واستعملت الديناميت لهدم المباني الملاصقة للمباني المسكونة علما انها ستتصدّع، وارسلت جرافاتها تضرب جدران الأبنية التي لم يخلها جميع المهجرين. ظنوا ان بضع ضربات على جدار قديم ستخيف القاطنين فتجعلهم يهربون، خشية سقوط المبنى عليهم.
يرتكز البناء القديم إجمالًا على الجدران. فتصدعت الابنية، وسقط احدها قبل إخلائه، فقتِل 15 شخصًا.
كانت المأساة عظيمة، فظن اللبنانيون ان الشركة المجرمة ستمثل اخيرًا امام القضاء، لأنها بدأت بالأعمال قبل إخلاء المبنى. قيل إن مال الرشوة تمكن، هنا ايضًا، من إسكات اصحاب الحق والعدل. ودُفعت أيضا مبالغ كبيرة لأسر الضحايا.
وبعدما هدمت سوليدير المنازل والحوانيت، تسلمت فرق علماء الآثار ما سمي بـ«أكبر ورشة اثرية مُدنية في العالم».
لكن سوليدير لم تسمح لهم بإنهاء تنقيباتهم، وسنة 1995، لزّمت رجلًا يدّعي علم الآثار، هو هانس كورفرز، أعطى تقارير سمحت بإزالة القسم الأكبر من الآثار الموجودة، كما كانت تريد سوليدير. وحطمت الجرافات آثار بيروت التي كانت تخص البشرية جمعاء، ونقلتها الشاحنات الى مكب النفايات في النورماندي، حيث استُعملت لردم البحر. واخذت سوليدير تبيع العقار تلو الآخر.
يعلم اللبنانيون ما كانت عواقب الفساد الذي أورثتنا اياه السلطنة العثمانية، واستمر في زمن الانتداب، وما زال إلى اليوم. ذلك لأن الدول الغربية لم تغير الطاقم السياسي الذي فرضه المحتل العثماني، بل كرست سطوته الوراثية على لبنان. واستفادت من فساده الدول التي كانت تريد إملاء إرادتها على لبنان.
لكن الفساد الذي تم فيه استملاك وسط بيروت، وبيعه وتحطيم آثاره، كان اعظم بكثير من كل ما يتصوره العقل، كما يبدو من خلال عدد المخالفات القانونية الفادحة التي لم تلاحق.
وكما كان النظام القمعي الديكتاتوري يطبق على اللبنانيين، طُبق على تراثهم. فلم تغير سوليدير مجرى اي طريق او قسطل، حتى إن الانحدار الدفاعي الفينيقي حُطم جزئيا من اجل جسر، وهو في منطقة كانت الدولة وسوليدير قد قررتا المحافظة عليها.
العقار الذي نتكلم عنه، ورقمه 1474، نُبش منذ بضع سنوات، وقال آنذاك عالم الآثار اسعد سيف، المسؤول في المديرية العامة للآثار، إنه قسم من المدينة الفينيقية. لكنه لم يعط إثباتات، ولم يعرض الاكتشافات، وقال إنه سيتكلم اكثر حين يصدر تقرير مديرية الآثار. لكن اين هو هذا التقرير؟ وكيف يجد اللبناني العادي المعلومات بالنسبة الى هذه الاكتشافات او غيرها؟ ويقول بعض العلماء إن الآثار المكشوفة في العقار 1474، تعود الى حقبة الاحتلال الروماني. اين الاثباتات من ناحية او اخرى؟ (على اي حال، فهذا لا يغير شيئا، لان آثارا من حقبة الاحتلال الروماني تغطي حتما آثار من الحقبة الفينيقية الحرة، كالتي وُجدت بالقرب من هذا العقار، وهو على التل الاثري الفينيقي. وستُحطم هذه الآثار إن بُني موقف للسيارات تحت الارض.)
ولحماية الآثار، وُضعت اكياس الرمل والأغطية البلاستيكية، في شكل موقت، في انتظار امكان استعمال وسائل حفظ اكثر مهنية.
لكن في لبنان، او في الدولة اللبنانية، يبدو ان كل شيء موقت يدوم. وهكذا اتلفت الشمس والرياح الأغطية البلاستيكية وثقبت الأكياس، وغطى الرمل الآثار، حيث نرى الآن النبات الذي يزداد مع الوقت، خاصة بعد ان يروي الشتاء الحبوب والحبيبات التي تجلبها الرياح.
وتطول المسألة، ونسأل: «الى اين؟»
الجواب ليس سهلًا. لقد قرر الوزير السابق سليم ورده الحفاظ على هذه الآثار، بدمجها في البناء. فجهز المالكون مشروع دمج، رفضته اللجنة الوزارية لأنه يقضي بهدم قسمٍ من الآثار. وفي أيام الوزير غابي ليون، قُدم مشروع آخر، رفضته ايضًا اللجنة الوزارية، وهي تبحث الآن عن وسيلة لاستملاك العقار.
لكن سوليدير باعت العقار بمبلغ كبير من المال، وسعره التقديري اليوم هو 24 او 25 مليون دولار. ومن المفترض ان يكون الربح المتوقع، إن انجز المبنى المسمى «مرفأ 1474»، 25 مليون دولار ايضًا. من سيتكبد مثل هذه الخسارة؟ هل تقبل سوليدير ان تدفع سعر الأرض؟
يمكنها ان تفعل ذلك من دون ان تنكسر، لان سعر هذا العقار هزيل نسبة لارباح سوليدير التي يصعب تصديقها، والتي تنشرها الشركة في بياناتها السنوية.
ففي التقرير الاخير الذي نشرته على موقعها الالكتروني سنة 2011، تعلن سوليدير 189 مليون دولار من الربح الصافي في سنة 2009، و 2399 مليون دولار من الممتلكات، منها 177 مليون من المال النقدي.
وتعلن سوليدير ان ربحها الصافي سنة 2010، اصبح 195 مليون دولار، وممتلكاتها، 2600 مليون دولار، منها 169 مليون من المال النقدي.
على اي حال، يقول قانون سوليدير إنه، في حال وُجدت آثار، يمكن استبدال العقار المذكور بعقار مشابه.
لكن متى كان تراثنا يهم سوليدير؟ بالنسبة اليها، الوسيلة الاسهل هي تدمير الآثار.
إن لم تتردد عن البدء بأعمال الهدم قبل خروج السكان من المباني، كيف تتردد عن تحطيم آثار خالية من السكان، هي التي حطمت اكثر من 90 % من آثار بيروت؟

شعار سوليدير: « بيروت مدينة عريقة للمستقبل»، شعار زائف، لأن العراقة تُطمس وتُدمر. كيف يبقى مستقبل غير مبني على حاضر أو ماض أو تراث وذاكرة؟
لا تهمنا مصالح سوليدير، بقدر ما تهمنا مصالح الشعب اللبناني. لذا قررنا القيام بمسيرة بعد ظهر السبت 21 نيسان 2012، للفت نظر الناس الى الخطر. يجب ان تدفع سوليدير ثمن الأرض للذين اشتروها منها. وإن رفضت، يجب تأميم سوليدير. الآن هو الوقت المناسب.
المشكلة هي ان الدفاع عن التراث مكلف، خاصة ان الأجانب مستعدون ان يدفعوا 2 او 3 ملايين دولار لشراء شقة في قلب عاصمة لبنان، الذي طُرِد منه معظم اللبنانيين.
الن تنتهي يومًا لعبة المال في لبنان؟ بلدنا اهم من المال.
ونحن نقول: «كفى!»
لن نسمح بمرور الجرافات في هذا العقار، وإن لم تسارع الدولة الى امتلاك العقار او حمايته في شكل حسي، فسنقوم باعتصام سلمي يحمي تراثنا.
والى الدولة نوجه هذا السؤال: «لماذا تتركون آثارَ هذا العقار في هذه الحالة من القذارة؟ ولماذا لا تعتنون بالآثار الفينيقية المجاورة؟ ولماذا تتركون حالة الآثار تتدهور بسبب الأعشاب التي نبتت بين الحجارة وتهدد بزعزعة الجدران الصغيرة الموجودة؟
«والمشكلة هي ذاتها في حديقة الآثار، بين كنيستي مار جرجس للموارنة وللروم، حيث تنتهي مسيرتنا. إن كنتم بحاجة الى ايدي لتنظيف هذه الحديقة لان الاموال المخصصة للآثار قليلة، فالكثيرون من الشبان والشابات مستعدون للعمل مجانا تحت اشراف مديرية الآثار.»
ونسائل هذه الدولة كيف تدفع ملايين الدولارات لترميم او صيانة السراي الكبير الذي لا يُسمح للبناني عادي بدخوله، ولا تدفع عشرات الآلاف من الدولارات لصيانة حديقة ولفتحها للبنانيين؟

حقوق النشر محفوظة 2014 elnashra.com