تأتي ذكرى النكبة الفلسطينية الخامسة والستون هذا العام والقضية الفلسطينية تمر في ظروف غاية في الخطورة، تهدد بتصفيتها، فإسرائيل اليوم أصبحت في أحسن أحوالها. مشروعها الاستيطاني التوسعي التهويدي في ارض فلسطين يتقدم بخطى سريعة، ويقضم المزيد من الأرض، لاسيما في القدس وبعض المناطق الاستراتيجية في الضفة الغربية . وقد شكل الهجوم الأخير للمستوطنين في البلدة القديمة من القدس واجتياحها بـ 60 ألف مستوطن، وتدنيس ساحات المسجد الأقصى، مؤشراً على مدى الاستباحة التي تتعرض لها الأرض والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة، التي كانت إلى وقت غير بعيد بمثابة خط احمر عربي إسلامي، لا يجرؤ العدو على المس به، ويحاذر الإقدام على ذلك خوفا من نتائجه وانعكاساته السلبية عليه، أما اليوم فإنه تجرأ على ذلك، لأنه تيقن من أنه لن يواجه مثل هذه الانعكاسات، وأن الظروف مواتية له على كل المستويات الفلسطينية والعربية والإسلامية، وهو ما ظهر عملياً، حيث تم اجتياح واستباحة القدس ومقدساتها في ظل صمت عربي رسمي وغياب رد فعل شعبي عربي بمستوى خطورة الحدث، فيما رد الفعل الفلسطيني كان ايضا ضعيفاً.
ويعود ذلك إلى الأسباب الآتية:
أولاً: على مستوى الواقع الفلسطيني:
استمرار واقع خضوع السلطة الفلسطينية للاحتلال والولايات المتحدة الاميركية، أمنيا واقتصاديا وماليا، وبالتالي غياب أي استقلالية في قرارها السياسي نتيجة اتفاق أوسلو الذي كبلها، ويجرى استخدامه من قبل الكيان الصهيوني وسيلة لتكريس سياساته الاحتلالية، والاستيطانية التوسعية من دون حتى أن ينفذ التزاماته الواردة في الاتفاق، وقد عرف كيف يجعل هذه الالتزامات ملتبسة وقابلة للتأويل لتبرير عدم تنفيذها، ومع ذلك فإن السلطة الفلسطينية لم تتعظ من التجربة الكارثية لهذا الاتفاق، ومخاطر الاستمرار بالتمسك به، وأنها تحولت إلى مجرد سلطة وظيفتها توفير الغطاء والشرعية لمواصلة إسرائيل عملية احتلالها للأرض، وتنفيذ المزيد من مشاريع التهويد، طالما أن الأرض ، في القدس والضفة، حسب الاتفاق هي موضوع تنازع بين الطرفين، وان تحديد مصيرها مرتبط بالمفاوضات النهائية .
إلى جانب هذا الواقع السيئ والخطير، فإن السلطة تقوم بدور قمع المقاومة في الضفة ومنع أي عملية ضد الاحتلال.. وتواصل سياسة استجداء استئناف المفاوضات واستعدادها لتقديم المزيد من التنازلات إرضاء للاحتلال وللإدارة الأميركية، وهو ما يشجع العدو على التصلب والتعنت وطلب المزيد من التنازلات، بالمقابل فإن الفصائل الفلسطينية الاخرى تبدو سلبية في أدائها، فهي أوقفت عمليات المقاومة المسلحة التي تشكل سلاح الشعب الفلسطيني الوحيد في مواجهة الاحتلال ومخططاته، والعمل على منعه من تحقيقها .
ثانياً: على صعيد الواقع العربي:
فإن الفوضى تعم الدول العربية، فثورات ما سمي بالربيع العربي التي راهن عليها الشعب الفلسطيني والعربي، لم تؤدِ إلى تغيير الأنظمة المتخلية عن قضية فلسطين ومقاومتها لصالح الإتيان بأنظمة تلغي الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني وفي مقدمها اتفاقية كامب ديفيد، وتقطع العلاقات مع كيان العدو، وتعيد الاعتبار للسياسات القومية الداعمة والمساندة لقضية فلسطين، وتشكل خلفية لدعم المقاومة، بل إن ما حصل كان مخيباً للآمال، فالربيع العربي تحول إلى فوضى والأنظمة لم تتغير سياساتها بل تغير الأشخاص لا غير، فيما تم إدخال المجتمعات العربية في صراعات طائفية مذهبية وعرقية أشغلتها عن أولوية مواجهة العدو الصهيوني ومخططاته .
ثالثاً: على صعيد الواقع الإسلامي:
أما الدول الإسلامية فإنها وفي ضوء الموقف الفلسطيني الرسمي المتهاون والمسترخي في مواجهة الاحتلال، وفي ضوء التخلي العربي الرسمي عن قضية فلسطين، والانشغال الشعبي في صراعات داخلية ثانوية، فإن موقفها ليس أفضل حالاً، وهي بالأصل كانت مضطرة إلى اتخاذ مواقف داعمة ومساندة عندما كان الموقف العربي والفلسطيني موحداً ومتمسكاً بالحقوق ويرفض التنازل عنها للكيان الصهيوني والاعتراف بوجوده، إلا انه بعد التراجع الفلسطيني والعربي والهوان، والتخاذل المستمر وتقديم التنازلات للكيان الصهيوني، والاعتراف به فان هذه الدول لم تعد ترى أنها معنية بأخذ مواقف تكون فيها ملكية اكثر من الملك.
وهكذا فإن المعطيات والوقائع تؤكد إن فوضى الربيع العربي وفرت الغطاء للكيان الصهيوني لتنفيذ مخططاته في تهويد فلسطين وصولاً إلى اعلان الدولة اليهودية، حتى أصبحت فوضى الربيع العربي بمثابة البيئة التي أنتجت ربيعاً استيطانياً يهودياً حيث ضاعف الكيان الصهيوني من مشاريعه الاستيطانية أربعة أضعاف ما كانت عليه عام 2011 .
ولهذا فإن هذا الواقع الفلسطيني والعربي شكل الفرصة الذهبية لإسرائيل لتسريع وتيرة مشروعها الاستيطاني لاستكمال عملية تهويد الأرضي الفلسطينية، وفرض الحل الصهيوني القاضي بتصفية القضية الفلسطينية على قاعدة الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، وهو ما ظهر كمطلب أساسي إسرائيلي بعد الموافقة العربية على عرض تبادل الأراضي، مما يكشف أن الهدف الإسرائيلي هو ابعد من ذلك بكثير، أنه يريد تطويبا عربيا وفلسطينياً بكامل فلسطين، وليس أجزاء منها فقط، وذلك عبر الاعتراف بدولته دولة يهودية، والتي يعني الاعتراف بها، أن الشعب الفلسطيني ليس له حق في فلسطين، وأن فلسطين، إنما هي ملك لليهود، وأن الفلسطينيين لا حق لهم بإقامة دولة ذات سيادة، وإنما فقط الحصول على حكم ذاتي في بعض مناطق الضفة الغربية، وغزة.
وبالتالي عكس الصورة تماماً، فالاعتراف بالدولة اليهودية يعني منح إسرائيل سلاحاً خطيراً يتهم النضال الفلسطيني على مدى العقود الماضية بأنه إرهاب ولا ينطلق من أي حق في مقاومة احتلال، وانه اعتداء على اليهود وأرضهم، وبالتالي بدلا من مطالبة الشعب الفلسطيني بحقه بالعودة إلى أرضه، والتعويض عما لحق به من جراء العدوان الصهيوني المتواصل، يصبح الكيان الصهيوني هو من يطالب بالتعويض، بالمقابل فإن كل ذلك يوفر الغطاء والمبرر لقادة إسرائيل بتهجير وترحيل العرب الفلسطينيين الذين تمسكوا بأرضهم المحتلة عام 48، على قاعدة أن الدولة دولة يهودية، وأن وجودهم فيها يتناقض مع حق اليهود.
من هنا فإن مناسبة ذكرى النكبة هذا العام تأتي في ظل تزايد كل هذه المخاطر التي تهدد بتصفية القضية في ظل غياب المقاومة، والتراجع العربي والفلسطيني الرسمي المستمر أمام الكيان الصهيوني، ولهذا فإن السبيل لإحباط مخطط العدو لتصفية القضية الفلسطينية يتطلب:
1 ـ وقف مسار أوسلو الكارثي والعودة إلى التمسك بالثوابت الوطنية والقومية للقضية الفلسطينية، وبالتالي إحياء منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وطني على أساس برنامج نضالي تحرري كما كانت عليه في بدايات انطلاقتها، ذلك ان تجربة المفاوضات ومسار التنازل أمام العدو أكد ان الطريق الوحيد هو طريق الثورة الشعبية المسلحة الذي سلكته كل الشعوب التي خضعت للاحتلال وتمكنت عبره من تحرير ارضها ونيل حريتها.
2 ـ استئناف المقاومة الفلسطينية لعملياتها المسلحة لمنع الاحتلال من الشعور بالاستقرار وتنفيذ مشاريعه ومخططاته.
3 ـ تحرك الحركات والقوى الوطنية والقومية العربية التحررية لأجل إعادة البعد العربي للقضية الفلسطينية بدءاً من إسقاط الاتفاقيات الموقعة مع الكيان الصهيوني.

















































