كالعادة يبيعون طبيعة لبنان مقابل حفنة من الدولارات، يشوهون ما أنعم الله به على هذا الوطن الصغير مقابل مكاسب سياسية ومادية. يقتلون نقاء وصفاء الطبيعة الخضراء في سبيل عطشهم لماديات وأهداف آنية. ضحية وحوش البيئة هذه المرة أرض تابعة للوقف المسيحي وعائلة محاسب في غوسطا الكسروانية، إذ تحوّلت قطعة أرض مؤجرة لا تزيد مساحتها عن 500 متر لرمي الردميات وإنتاج البحص لأرض مستباحة بشعة تزيد مساحتها على 20 ألف متر شوهت لوحة طبيعية رائعة ومنطقة حرجية بامتياز.
الردم يغزو المنطقة
إذًا هي منطقة في غوسطا مصنفة "س 4" أي أنها خاضعة لشروط معينة للبناء (طابقان كحد أقصى مع قرميد وتلبيس حجر وحق البناء على 30 بالمئة فقط من مساحة العقار)، وذلك في سبيل الحفاظ على جمال المنطقة. ولكن هذا التصنيف يبدو أنه لا يسري على الجميع إذ إنّ الردميات أصبحت تسطو على هذه المنطقة دون حسيب أو رقيب وربما بتواطؤ من المعنيين حسب ما يكشف مصدر متابع لـ"النشرة".
وفي التفاصيل كما يرويها لـ"النشرة" جوزيف الهاشم، وهو أحد الساكنين بالمنطقة في منزل مواجه مباشرة للردميات، أنّ هذه العملية بدأت منذ حوالي الثماني سنوات بناء على تأجير دير بزمار التابع للطائفة الارمنية أرضا في المنطقة بمساحة 500 متر مربع لـ ع.س. ليقوم الأخير برمي ردميات فيها ويستعملها من أجل تكسير الحجارة وتحويلها لبحص مخصص للبيع (البحص الذي يوضع تحت الزفت على الطرقات). ويلفت الهاشم إلى أنّ "رقعة الردميات بدأت بالتوسع شيئا فشيئا وبدأت بتخطي مساحة الأرض المستأجرة دون رقيب وهو ما أوصلنا اليوم إلى أنّ مساحة الردميات أصبحت تتخطى الـ 20 ألف متر مربع". ويقول: "شاحنات النفايات تقوم أيضا برمي نفاياتها في هذه المنطقة، ناهيك عن الطريق التي تكاد لا تصلح للسير على الأقدام بسبب مرور الشاحنات المحملة، ورغم أننا تحملنا على عاتقنا كسكان تزفيتها إلا أنها تشوهت مجددا ولا يوجد من يسأل". وفي هذا السياق، يوضح مصدر في بلدية غوسطا لـ"النشرة" أن الطريق مشوهة ليس فقط بسبب شاحنات ع. س. إذ إنّها ممرّ لآليات أخرى أيضًا تمر عليها. أما عن موضوع شاحنات النفايات فيلفت المصدر إلى أنّ شاحنات غريبة عن غوسطا رمت نفاياتها هناك في فترة من الفترات دون معرفة من البلدية.
مسؤول أرض الوقف متردد بموقفه
كميل محاسب، وهو رئيس لجنة الوقف المسؤول عن الأرض التي امتدت إليها الردميات، يميّز بين قيام مشغّل العقار أي ع. س. بالتعدي على أرض الوقف المسؤول عنها (مار شليطا) وبين قيام دير بزمار بالتعدي عليها عبر تأجير ع. مساحة أكبر من تلك التي يحق له تأجيرها. ويقول محاسب في حديث لـ"النشرة": "يهمني كثيرا إنهاء هذا التعدي وتغيير المشهد الشاذ المشوه للبيئة، إلا أنني بانتظار بحث هذا الموضوع مع رئيس دير بزمار ومعرفة من المخطئ ومن تعدّى على أرض الوقف وعندها نخرج بموقف موحد مع الدير لمواجهة هذا التشويه".
موقف محاسب حسب مصدر متابع للقضية أتى مترددا ومتحفظا، ويعزو هذا المصدر السبب للتدخلات السياسية والتغطيات السياسية الموجودة للأعمال التي تجري في تلك الأرض. ويضيف المصدر لـ"النشرة": "ربما كميل محاسب لا يريد أن يأخذ طرفا ضد البلدية أو رئيسها ولهذا كان موقفه ضعيفا وبدا خائفا من الخوض في هذا الملف حتى النهاية".
دير بزمار لا يغطي التعدي
"دير بزمار للارمن الكاثوليك لا يغطي أي عملية تعدٍّ على أرض الوقف كما أنه على أتمّ الاستعداد من أجل القيام بأي عمل أو مساعدة من أجل الحفاظ على البيئة". هذا ما يكشفه محامي الدير فادي محفوظ في اتصال مع "النشرة"، حيث يسرد وجهة نظر دير بزمار فيقول: "كان ع. س. يعمل في الارض الموجود عليها حاليا إلا أننا وجدنا منذ حوالي السنتين أنّ لدير بزمار مساحة صغيرة من هذه الأرض لا تتجاوز الـ500 متر موجود ضمن الأراضي التابعة لنطاق بلدية بزمار، وعندها أبلغنا س. أنّ عليه إخلاء الأرض أو استئجارها وهذا ما حصل فقد استأجر الأرض من الدير بناء على عقد إيجار ينتهي قريبا، ونحن في الدير غير مهتمين على الاطلاق إن تجدد العقد ام لا، وإذا كانت المصلحة البيئية تستوجب إيقاف العمل فنحن مستعدون للمساعدة".
رئيس البلدية يغطي أعمال الردم
سؤال بديهي يطرح في هذا المجال، هو لماذا السكوت عن هذا التعدٍّي طيلة 8 سنوات وأكثر وهو الامر الذي أدّى لتفاقم الأمور ولماذا لم تقم الجهات المعنية من بلدية أو قوى أمن بإنهاء هذا الاعتداء الفاضح على الطبيعة وفي املاك تابعة لوقف ولأرض دير بزمار قبل توقيع العقد؟
يجيب الهاشم على هذا التساؤل مؤكدا أنه لم يسكت مطلقا وهو عام 2007 استحصل على تعهّد خطي من بلدية غوسطا بوقف هذه الأعمال وإزالة الردميات ولكنه بحكم عمله واضطراره للسفر لم يكن قادرا على متابعة هذه القضية بشكل يومي، مشيرا إلى أنّ عدم تنفيذ التعهد من قبل البلدية كان بسبب التدخلات السياسية. ويقول: "ع. س. هو واجهة لمشروع يديره رئيس بلدية غوسطا زياد الشلفون ومن خلفه الداعم الرئيسي له ولعمله النائب السابق فريد هيكل الخازن". ويعتبر أنّ "ما يجري يحصل بعلم رئيس البلدية وتغطيته المباشرة وهو المستفيد الأول من عملية بيع البحص وهو من ضمن ما يقوم به كان لديه مشروع في البلدة لاعمار مجمع سكني وكان يأتي بالردميات إلى هذه الأرض".
لكنّ النائب السابق فريد هيكل الخازن أكد، في اتصال مع "النشرة"، عدم معرفته المطلقة بهذا المشروع، مشددا على أهمية الحفاظ على البيئة والدفاع عنها والتشهير بكل من يعمل على تخريبها.
توقفت الأعمال منذ فترة وهذا وعد مني
أما بالنسبة لرئيس بلدية غوسطا زياد الشلفون فكانت له وجهة نظره المختلفة حول هذا الموضوع، إذ يلفت في حديث لـ"النشرة" إلى أنّ "هذه الارض التي نتكلم عنها متداخلة بين غوسطا وبزمار ولا يمكننا تحديد الملكية بشكل نهائي لعدم مسحها"، ويقول: "منذ زمن طويل بدأت الاعمال في تلك المنطقة ونحن كبلدية استخدمنا جزءا من الأرض التي كانت عليها الردميات سابقا ووضعنا فيها خلال السنتين الماضيتين موادا نستخدمها في مشاريع البلدية كبناء الجدران وتزفيت الطرق وصرنا ننقل المواد من الأرض عند الحاجة". ويضيف: "استخدمنا الأرض أيضا لحرق الأعشاب التي نزيلها من القرية وذلك لعدم وجود أيّ مكان آخر"، مشيرا إلى أنه في الأشهر القليلة الماضية صدر قرار من الجيش اللبناني بالتنسيق مع البلدية يقضي بمنع رمي أيّّ مواد أخرى فيها. ويقول :"نحن في الفترة الحالية سنستخدم كل المواد المتبقية لدينا دون وضع المزيد، وبعد الانتهاء سنعمل على إعادة استصلاح الارض وزرعها". هذا ما وعد به رئيس البلدية زياد الشلفون. الا انه وحسب شهود عيان فان شاحنات مازالت ترمي حمولتها في تلك المنطقة حتى تاريخ كتابة هذا التقرير.
ومن جهته يؤكد رئيس بلدية بزمار سامي سعادة في حديث لـ"النشرة" نيته درس الموضوع بشكل مفصل، مشددا على اهمية البيئة بالنسبة لبلديته.
الجيش منع الشاحنات ولكن هذا لا يكفي
منذ فترة أخذ الجيش اللبناني قرارا بمنع دخول الشاحنات المحملة بالردميات إلى تلك المنطقة بوصفها منطقة عسكرية ولكنه حسب جوزيف الهاشم يتعرّض لضغط كبير جدا من أجل وقف هذا القرار. ويعتبر الهاشم أنه لن يدوم لأن الجيش اللبناني لا يملك سلطة على المدنيين في هكذا أمور سوى عبر القضاء فوظيفته مختلفة عن وظيفة قوى الامن الداخلي.
قرار الجيش بوقف مرور الشاحنات المحملة بالردميات ليس هو الحل الامثل والنهائي. الحل يكون عبر قيام المسؤولين بوقف كل أنواع تشويه الطبيعة واستصلاح ما خرب من ذلك الحرج وإعادة زرع ما ردم من تلك الأشجار. فنحن نعيش في لبنان في ظل هجوم عمراني لم يترك سوى القليل من لوحاتنا الخضراء، فكيف ستكون الحال اذا تعرضت طبيعتنا لهجوم من أصحاب النفوس الطامعة التي تبحث عن إرضاء جيوبها فقط؟
تصوير حسين بيضون (الألبوم الكاملهنا)






















































