رجل الأمن في لبنان بلا هيبة. تلك هي صورته في عين المواطن. هذا ما يجعل بذلته سهلة الاستعمال لمختلف أنواع الجرائم، التي ليس آخرها تمكّن «نصّاب» من الاحتيال على أصحاب محال الهواتف
يمكنك أن تذهب إلى أقرب بائع قماش، في لبنان، وتبتاع منه بسهولة قماشة رمادية مرقطة. تماماً كتلك القماشة التي تُحاك منها بذلات قوى الأمن الداخلي. هي متوافرة دائماً في الأسواق. ثم تذهب إلى أقرب خياط ليخيط لك بذلة أمنية. ترتديها وتنزل إلى الشارع. أنت الآن رجل أمن بكامل هندامك. ستجد من يصدقك مهما كان سلوكك. ستعاكس الفتيات، ستجدهم يصدقون أنك رجل أمن. ستسلب العمّال الأجانب ما في جيوبهم، بل تسلب المارة من اللبنانيين، ستجدهم يصدقون الصفة التي تنتحلها. ستمارس «البلطجة» على المساكين، على سائقي التاكسي، على أصحاب المطاعم والمتاجر، على أيٍّ كان، ودائماً ستجد من لا يشك في أنك «رجل أمن». تُرى ما سر هذا التصديق السهل؟ الجواب باختصار: «إنها الصورة النمطية لرجل الأمن في لبنان». هذه العبارة منقولة عن لسان رجل أمن. فصاحب تلك البذلة، المرقطة يدرك قبل سواه نظرة الناس إليه. ببساطة، «جسمه لبّيس» لكل أشكال الفساد. بالتأكيد لا يمكن التعميم، ولكن تلك هي الصورة التقليدية المنتشرة اجتماعياً.
المجرمون والسرّاقون والدجالون يعرفون الأمر تماماً. بعض هؤلاء لديهم من الحنكة ما يكفي لاستغلال الأمر. لطالما وردت تقارير أمنية تتحدث عن عمليات سلب، وجرائم مختلفة، قام بها أشخاص يرتدون ثياب قوى الأمن الداخلي. آخر هؤلاء شخص أضطرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، أمس، إلى أن تصدر بياناً تُحذّر فيه من أفعاله. فعلى مدى الأيام الأخيرة الماضية، وردت إلى القوى الأمنية شكاوى مختلفة، عن شخص يبادر إلى الاتصال ببعض رجال الأمن الجدد، معرفاً عن نفسه بأنه المقدم فلان أو العقيد فلان. هؤلاء، وهم رجال أمن، يصدقون مباشرة أن المتصل شخصية حقيقية، فيقولون له: «أمرك سيدنا». يطلب منهم التوجه إلى محال بيع الهواتف، فيدخلون وهم بلباسهم العسكري، ويقولون لصاحب المحل إن العقيد فلان، مثلاً، يطلب ملء بطاقات مسبقة الدفع (تشريج) وهو سيتواصل معك لاحقاً. أحياناً، يطلب صاحب المحل التحدث مباشرة إلى الضابط، فيكون له ذلك، فيسمع نبرة عالية، ليجد نفسه مضطراً إلى التصديق، وخصوصاً أن رسول ذاك الضابط هو رجل أمن أيضاً، وها هو واقف أمامه. عندها ينفذ الطلب. تمر الأيام قبل أن يكتشف أصحاب هذه المحال، بعد اتصالات واستفسارات، أن المتصل لم يكن سوى «نصّاب» وأنهم بكل بساطة «أكلوا الضرب». يمكن القول إنهم تشاركوا «أكل الضرب» مع رجال الأمن الجدد، الذين ربما لم يعرف بعضهم أنهم كانوا مجرد وسيلة للوصول إلى الهدف.
وبحسب ما جاء في بيان قوى الأمن، «يقوم عدد من الأشخاص بمناورات احتيالية، من خلال انتحال صفة ضباط في قوى الأمن الداخلي، يتصلون هاتفياً أو يتجهون إلى محال بيع الخطوط الخلوية، ويطلبون من أصحابها ملء بطاقات مسبقة الدفع، من دون التأكد من أصحاب هذه المحال من صحة الادعاء». يضيف البيان: «لذلك تحذّر المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي المواطنين الكرام وأصحاب المحال التجارية، ولا سيما تلك المعدة لبيع الخطوط الخلوية من الوقوع ضحية مثل هذه الأعمال الاحتيالية، وتطلب منهم كذلك عدم التجاوب مع مثل هذه الطلبات إلاَّ بعد التأكد من الشخص المتصل أو طالب التعبئة».
ربما كان على القائمين على قوى الأمن، وخصوصاً في هذه المرحلة، بكل ما تحمله من فوضى محلياً وخارجياً، أن يعيدوا النظر ولو نسبياً بصورتهم في عين المواطن. عندما يُقال «أمن» يعني بالضرورة «هيبة». ومن يفتقد هذه الهيبة لا يعوّل عليه في فرض الأمن، ولهذا، قد نجد أن بعض الأشخاص في أثناء ملاحقتهم يواجهون رجل الأمن، بل يأخذون هم دوره ويعتقلونه، وأحياناً يحققون معه، وربما لو كان لديهم سجن خاص لسجنوه! الأمثلة كثيرة على هذه الحوادث وتقارير القوى الأمنية، نفسها، تزخر بها.
قبل نحو 4 سنوات، شهدت مؤسسة قوى الأمن الداخلي ورشة عمل، حضرها كبار الضباط، تحت عنوان «تعزيز ثقة المواطنين بقوى الأمن». من الخلاصات التي خرجت بها الورشة، أنه يوجد «عدم احترام وتقدير من المواطن لرجل الأمن، كرمز من رموز الشرعية الوطنية وسيادة الدولة على أراضيها، وبالتالي لا بد من تعزيز ثقة المواطن بقوى الأمن». مضت 4 سنوات على توصيات تلك الورشة، فماذا تحسّن منذ ذلك التاريخ حتى اليوم؟ الجواب: لا شيء. لا تزال صورة رجل الأمن كما هي... «جسم لبّيس» لمختلف أشكال الفساد.






















































