لم يكن يحتاج حنا العتيق الى قانون أرثوذكسي، او الى «زحطة» او «زلة قدم» من الحكيم في معركة القانون الانتخابي الأفضل للمسيحيين ليكتشف ان ما يفعله اليوم هو الخيار الصحيح، او ليطمئن الى مستقبل حركته التصحيحية والى صوابية خياراته السياسية وقراراه بالافتراق ذات يوم عن قائد القوات... فهمروجة الأرثوذكسي قد تكون كشفت رئيس القوات الذي «باع المسيحيين والقوات مجدداً بثلاثين من فضة» بهذا الشكل أمام الرأي العام المسيحي، لكن، بالنسبة الى رئيس الصدم الذي يعرف الكثير مما يجول في رأس الحكيم كما الكثير من الأسرار وما لا يعرفه الآخرون، فان خطوة معراب «عرَّت» سمير جعجع وفضحت نواياه، لكنها لم تشكل ابداً صدمة او مفاجأة لمن يعرف بانقلابات وأفكار سمير جعجع، أما المؤسف فانه يتم دوماً «ذبح» القوات، وإلباسها مجدداً ثوب الخيانة لحقوق المسيحيين.

محطة الأرثوذكسي هي مجرد تفصيل صغير في معركة الحنون المفتوحة مع معراب التي أعلنها من على منبر «البورتيميليو» قبل فترة التي تحمل أكثر من عنوان، والتي بدأ التحضير لها في الخارج بعد النفي السياسي للرجل اللصيق جداً بسمير جعجع في زمن الحرب بعد ان صدت في وجهه كما أقفلت بوجه المقاتلين السابقين عن قصد ابواب قلعة معراب، وتم طي صفحة الحرب بكل مآسيها وجراحها وشهدائها لتفتح القوات صفحة أخرى بعدما اعتذر سمير جعجع من كل اللبنانيين عن نتائج الحرب اللبنانية معلناً القوات الجديدة المنخرطة بالعمل السياسي، وهكذا ترك المحاربين السابقين بكل أفكارهم وتاريخهم المسيحي ونضالاتهم «على قارعة الطريق»، لتتغير معالم الوجوه القواتية الجديدة في معراب. من هذه البداية انطلق الحنون بمشروع لم الشمل القواتي من الاغتراب الى الداخل، بعدما أدارت معراب ظهرها للتاريخ وقطعت اي تواصل مع الذين ناضلوا في سبيل القوات وحماية المسيحيين.

يدرك رجل الصدم السابق دقة الموقف اليوم وقوة المواجهة المفتوحة مع «امبراطورية» ونفوذها السياسي والمالي وحضورها في السلطة إضافة للدعم لها من بعض الصناديق العربية، لكن العارفين في خطوة الحنون يؤكدون ان الحركة التصحيحية تسلك الطريق الصحيح وهي باتت تزعج معراب وتقلق الحكيم، ويؤكد العارفون ايضاً ان من قاد الصدم من العام 82 الى العام 1990 لا يمكن ان لا يعرف ماذا يريد، «الحنون» بالنسبة لمن عرفوه نادراً ما يتعثر، فهو يحسب خطواته جيداً كما كان يفعل في الجولات القتالية والمعارك التي خاضها بإمرة سمير جعجع.

الحديث مع رئيس الصدم السابق في شأن القوات اليوم يقودك في كل تفصيل الى مرحلة الحرب، فالرجل يختزن الكثير من الأسرار وبين الماضي والحاضر رابط قوي في التفاصيل العسكرية والسياسية. شخصية الحنون تختصر مزيجاً من القائد او الرجل القوي ومن الرجل الوفي للرفاق والمحاربين القدامى، لا يمكن لمن يتحدث الى الحنون ان لا يتذكر فرقة الصدم القواتية التي أدهشت الكثيرين في زمن الحرب، والتي ارتبط اسمها بجولات قتالية ونسجت حولها الحكايات المحاطة بالألغاز حول تدريباتها والقدرات القتالية لأفرادها... فالصدم او وحدة النخبة هي المجموعة السرية التي أنشأتها القوات اللبنانية في زمن الحرب التي كانت توكل اليها المهمات الصعبة في ذلك الزمن الصعب، لكن القليل القليل من الناس يعرفون التفاصيل عن تلك الفرقة التي سبقت القوات في مصيرها، فانحلت الفرقة او حلت نفسها عندما قرر قائدها ان يتنحى ويستقيل بعد زيارة سمير جعجع الى سوريا للتعزية بباسل الأسد، وبعدما سحب البساط من تحت القوات اللبنانية التنظيم المسيحي الأقوى على الساحة المسيحية في ذلك الوقت، فسلك كل واحد من الرجال الأقوياء طريقاً مغايراً عن الآخر وبقي الرابط الحزبي هو الأقوى لدى هذه المجموعة، يقول الحنون «أهم ما في فرقة الصدم كان القسم بين الرفاق، فيوم ولادتها «حلف» المقاتلون على قبر «البشير» الا يتقاتلوا فيما بينهم مهما حدث، والا يحمل الواحد منهم السلاح ضد رفيقه مهما كانت الأسباب.

من القتال في مجموعة الصدم تعلم حنا العتيق ان لا يتراجع عما يريد، «تعودنا ان لا نتراجع حتى تتحقق أهدافنا او ان نستشهد من اجلها»، وهذا ما يصح على الحركة التصحيحية إذ سقطت الرهانات السياسية على استمراريتنا وصمودنا وقدرتنا على استقطاب الناس»، فمؤتمر «البورتيميليو» نجح على كل الأصعدة التنظيمية والسياسية، ولذلك قامت القيامة علينا وفتحت معراب نارها من اجل تخفيف وهج الحركة وتمددها في المجتمع القواتي. فلجأت قيادة معراب الى القضاء لمنع الحركة من رفع علم القوات وصدر حكم بتغريم من يرفع العلم بـ20 مليون ليرة، مع العلم كما يضيف الحنون ان العلم ليس ملكهم بل هو لكل المسيحيين للمقاومة المسيحية التي اجتمعت وأقرت العلم ولأنه مكون من أرزة ومن دماء الشهداء الذين سقطوا من أجل هذه الأرزة. ولا يمكن لأحد منع المناضلين القواتيين من حمله، لا بالتهديد ولا بالمحاكم.

مع معراب ثمة جبهة قضائية مفتوحة بين «الحكيم» ونائب رئيس أركانه السابق، بعد دعوى العلم هناك قضية قدح وذم وانتحال صفة، يقول رئيس الحركة التصحيحية في القوات «كنت اعتقد ان القوات ستقيم دعوى لتبرئة نفسها من قرارات المجلس العدلي التي صدرت بحق القوات لتبييض صفحتها امام المجتمع فإذا هم يشتكون على حنا العتيق، فيما القوات ليست لهم بل استولوا عليها ونحن نطالب بالمؤسسات لذلك يتهموننا بانتحال صفة.

أوركسترا الشائعات تلاحق الحركة التصحيحية، بما فيها التبعية للنظام السوري او المخابرات السورية، يقول العتيق، للتاريخ نقول ان سلاح القوات لم يستخدم في لبنان ضد السوريين ولم يطلب منا كقادة عسكريين اي عمل عسكري ضد القوات السورية العاملة في لبنان، لا بل طلب منا في 13 تشرين عدم التعرض للجيش السوري، وفي الحرب استعملت كل الإمكانيات ضد الداخل المسيحي. يقولون اننا عملاء لسوريا في الوقت الذين هم شاركوا في الطائف الذي تسبب بالانحدار السياسي للمسيحيين، فمن أعطاهم برأيكم رخصة الحزب عام 1991؟ ويضيف «عدت الى لبنان بعد الانسحاب السوري وكان اللقاء الشهير مع سمير جعجع في بزمار لساعتين ونصف وانتهى بعبارة «ليس لكم مكان في القوات»، لتبدأ بعدها عملية إقصاء واسعة للرفاق والمناضلين عبر دراسة منهجية بدأت مع إقصاء في الماضي لمجموعات البشير وصولاً الى المشاركين في الحرب عام 1990 من اجل إحلال جيل جديد في القوات لا يعرف التاريخ ولا كيف حدثت الحرب».

يروي الحنون ان الخلاف مع جعجع انفجر بعد عودته الى لبنان، «طالبنا بالقوات مؤسسة منتجة وديموقراطية تتوالى فيها السلطة وتحفظ حقوق الناس تحت التراب والذين سجنوا ونفيوا والذين اتوا إلى القوات وسيأتون بعدنا»، وسألنا عن أملاك القوات وبأسماء من تم تسجيلها، وعن أهالي الشهداء والمتروكين من الرفاق والمبعدين واصحاب الملفات القضائية، ففي الواقع هناك الكثير من الملفات الخلافية مع معراب.

يتحدث الحنون عن مفارقة تحدث اليوم بعودة القوات لإحياء قداديس الشهداء، فـ«تعيشوا وتفوقوا» يقول، على أمل الا يكون قداس إيليج من أجل أمر آخر وليس وفاء لشهداء القوات، أما في زحلة فالمفارقة حصول قداسين هذا العام، الأول في ساحة زحلة بمقاطعة مطارنة وتحريض ضدهم، وبكلام تخويني ضدنا وبأن الموجودين في القداس من عملاء سوريا، في حين ليس لهم في زحلة إلا تاريخ المطرانية، ومن يتكلم عن زحلة يفترض ان يحمل شرف الدفاع عنها.