قد يكون صحيحاً أن نتائج معركة القُصير في محافظة حمص السورية ستشكل مفصلاً اساسياً في مسار الصراع العسكري العنيف الدائر في سوريا، الّا انّ الصحيح ايضاً هو انّ لهذه المعركة آثاراً سلبية عنيفة ستطال الساحة اللبنانية في الصميم، وقد بدأت طلائعها في الظهور مع اشتباكات طرابلس المندلعة منذ نهاية الاسبوع الماضي والتي يبدو انها ستستمرّ وتزداد عنفاً.
اما أهمية القُصير في الصراع الدائر فتأتي كونها تشكل حاجزاً جغرافياً ما بين العمق السوري بما فيه العاصمة دمشق وبين المنطقة التي تعتبر مفصلاً للنظام. كذلك فإنها تمثل ممراً ممتازاً لمختلف انواع الدعم الآتي من لبنان، وفي الوقت نفسه حاجزاً يمنع التواصل الجغرافي بين المنطقة السورية الساحلية حيث الحضور العلوي القوي، والبقاع الشمالي حيث الخزان الهائل للطائفة الشيعيّة.
وبتعبير أوضح، فإنّ السيطرة على القُصير ستسمح بفتح طرق الإمداد لحزب الله بكل انواع الاسلحة، بما فيها تلك الكاسرة للتوازن والتي تؤدي الى قلب المعادلات لا سيما مع وجود مطار اللاذقية والمرافىء البحرية المفتوحة، والمحميّة بالصواريخ الروسية المتطوّرة من نوع ارض - بحر والواصلة حديثاً الى الشاطىء السوري.
هذه المعركة التي دخل فيها حزب الله علناً وبقوّة كونه يعتبرها معركة وجود، (مع اسرائيل يعتبرها قتال واجب وعقيدة) لم يتخذ قرارها فقط انطلاقاً من الدوافع "الوجودية" لحزب الله على رغم اهميتها. فصحيح ان هذه الحسابات قد تكون لحظت وجوب القيام بها لاستباق ايّ خطر مستقبلي قد يصل الى حدّ استهداف عمق الضاحية الجنوبية، الّا ان هذه الحسابات تضمّنت موافقة إيرانية من دون شك والأهم الضوء الاخضر الروسي.
اذاً فإن اللعبة اصبحت كبيرة وجاءت رسالة موسكو الى تل ابيب معبرة جداً، فبينما كان نتنياهو مجتمعاً ببوتين كانت دمشق تستلم الصواريخ الروسية المتطوّرة من نوع ارض - جوّ لحماية الاجواء السورية من الطائرات الاسرائيلية. وطبعاً صفقة تسليح هذه الصواريخ حصلت منذ اكثر من سنتين، ولكنّ موسكو سرّعت بموعد تسليمها الصواريخ كرد مباشر على الغارة الاسرائيلية.
وهو ما يعني ان موسكو التي تتولّى حماية الواقع السوري بكل تفاصيله العسكرية الكبيرة باتت قريبة جداً من نسج علاقة حميمة مع قيادة حزب الله. في كل الاحوال، كان من الواضح أن زيارة ميخائل بوغدانوف الى لبنان لها مهمة اساسية واحدة لا غير: الاجتماع بأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله.
لكنّ حزب الله الذي يراهن على حضوره العسكري في القُصير لحماية استهداف ازمة الضاحية الجنوبية مستقبلاً قد لا يوفّق في حساباته، إذ إن اعداءه على المستوى الدولي (وهم كثر) بدأوا يعملون على مشروع ملتهب في لبنان على عكس ما يصرّحون به علناً بأنهم متمسكون باستقراره الامني.
ذلك ان العواصم الغربية ستسعى لتجييش الواقع السني عندما تسقط القُصير لفتح ابواب الثأر في لبنان. وبمعنى اوضح، لرفع درجة الحماوية السنية - الشيعية، ولم لا من خلال ترجمة ذلك في الشارع. ويمكن اخذ عيّنة بسيطة مما يجري في طرابلس الآن.
فمع اندلاع معارك القُصير تحرّكت المجموعات السلفية في المدينة، وحسب التقارير الرسمية فإن هذه المجموعات بدأت بعد ظهر يوم الأحد الماضي بإطلاق النار واستهداف جبل محسن ما ادى الى سقوط اصابات؛ وحين حاول الجيش التدخل تحرّكت مجموعات اخرى موالية لتيار المستقبل وتصدّت للجيش اللبناني.
وفي دلالة على خطورة ما يحصل تكفي الاشارة الى سقوط شهيدين للجيش اللبناني واكثر من 30 جريحاً وهذا الرقم يعتبر مرتفعاً، ويشير الى وجود قرار باستهداف مباشر للجيش.
في المقابل، إن مفاعيل انتصار القُصير بدّلت من لهجة مسؤولي جبل محسن، فبعدما كان هؤلاء يتجاوبون فوراً في الجولات السابقة بدوا أكثر تصلّباً في الايام الماضية لا بل إنهم استعملوا سلاح المدفعية في ردّهم.
ومع الانباء بأنّ هذه الجولة مرشحة لأن تكون طويلة وأشد عنفاً، فان من الواضح بأن ما يجري في القُصير رفع درجة الاحتقان لتصل ربما الى الذروة. لكنّ الاخطر من الاحتقان هو غضّ النظر لا بل التشجيع الغربي على التسلح.
ودائماً وفق مصادر معنيّة فإن بعض اشكال التسليح وتأمين الذخائر إنما تحصل تحت اشراف جهات رسمية لبنانية. وحتى لو لم تكن العواصم الغربية هي صاحبة قرار التسليح لكنها على الأقل هي تغض النظر عن ذلك كونها على علاقة تنسيقية مع هذه الجهات. وهو ما يدفع للاستنتاج بأن الدول الغربية تريد اغراق الساحة اللبنانية بالسلاح المتناقض.
وهذه الصورة ليست جديدة، فهي نسخة منقّحة عما عاشته الساحة اللبنانية عام 1973 بعد المواجهات التي دارت بين الجيش اللبناني والفلسطينيين وفتحت الباب واسعاً امام اندلاع حرب العام 1975.
صحيح ان حجم السلاح اليوم ليس مشابهاً لما حصل في السبعينيات، لكن المنطلقات متشابهة لا بل اكثر، فالسفارات الغربية في لبنان تملك معلومات وافية عن وجود كادرات عسكرية تقوم بتنظيم وهيكلة افراد الجيش السوري الحرّ الموجودين على الاراضي اللبنانية. وهذا التنظيم له علاقة بوظيفة ما في مرحلة ليست ببعيدة.
وبغضّ النظر عن تصريحات وزير الخارجية الاميركية بالأمس، والتي تهدف لرفع منسوب الاحتقان السني بوجه حزب الله، الّا ان معارك القُصير لم تحظ بشجب دولي جدي. وهو ما يطرح السؤال حول وجود موافقة دولية ما لترتيب مناطق نفوذ صافية وتغيير في الانتشار الديموغرافي.
وتصبح هنا مسألة إدخال شمال لبنان في جحيم المواجهات المذهبية لهدف ما مستقبلاً، وسط ما يشاع عن جود نية لدى الجيش السوري للدخول الى شمال لبنان في حال تصاعد الموقف وظهور الجيش السوري الحرّ كقوّة عسكرية فاعلة.
تبقى هذه الصورة السوداوية بانتظار انتهاء معارك القُصير والتي قيل إنها ستكون مع نهاية الاسبوع الحالي، وحيث تردد ان خسائر حزب الله بلغت الـ 35 قتيلاً فيما البعض يشير الى انه كان قد وضع مسبقاً كلفة المئة قتيل لهذه العملية.





















































