وسط سير حثيث بين الألغام المتفجرة واحداً تلو الآخر في المشرق العربي من البوابة السورية التي تهب رياحها العاتية على الجوار اللبناني، والأردني على وجه الخصوص، بسبب العراقيل القاسية أمام مؤتمر جنيف، على يد الأطلسيين وأدواتهم في المنطقة، يشهد العالم بأجمعه كيفية سقوط التجربة الأطلسية، خصوصاً في بلاد المغرب العربي، وفي شمال أفريقيا عموماً، وهنا الأدلة لا تُعدّ ولا تحصى بعد تنحية شعارات الحرية والديمقراطية، وإحلال القتل والفوضى وسفك الدماء والمؤسسات بديلاً تقوده ميليشيات أطلسية المنشأ.
لعل التجربة الليبية حيث دفع الأطلسي بكل إمكاناته العسكرية والاستخباراتية، هي الأخطر حتى الآن من بين تجارب الدول المجاورة، سيما أن القوات الأطلسية وقيادتها الأميركية هي التي فرضت شخصاً يعيش في الولايات المتحدة رئيساً على حكومة غير قادرة سوى على إطلاق شعارات لا تُغني ولا تُسمن من جوع، فيما التقاتل بين الإخوة يحصد كل يوم قتلى ومصابين ومخطوفين وحجز حريات لم تشهد ليبيا مثيلاً لأي واحدة منها، فضلاً عن الفلتان الكامل الذي وصل إلى حد حصار الوزارات، خصوصاً الداخلية والدفاع، فضلاً عن تصفية الكفاءات الوطنية على اختلافها، ولعل موجة العنف المستمرة في مدينة بنغازي، والتي أغراها الغرب بإطلاق تسمية مهد الثورة عليها أسطع مثال على الانفلات الأمني، حيث قتل العشرات خلال الأيام الأخيرة، إضافة إلى المعاناة الكبيرة في مدن وقرى الشرق الليبي من السيطرة الفعلية لتنظيمات تحمل فكر تنظيم "القاعدة"، والتي باتت المصدر الأكثر غزارة لتجنيد وإرسال مرتزقة إلى سورية.
في الواقع، لقد اختفى كل منظّري الانقلاب على معمر القذافي عن الصورة، بعد أن ملأوا الشاشات تنظيراً لغد ليبيا المشرق، وضمان ذلك على أيدي الأطلسيين، والواقع الأكثر إيلاماً أن الظلام خيّم بسرعة على ليبيا التي تتمزق يوماً بعد يوم، سيما مع إعلان إقليم برقة الانفصال الإداري عن الدولة المركزية، حيث نجح الأطلسي فقط في الاستيلاء على مصادر الطاقة، وتأمينها بالأسعار التي تناسب دوله، فضلاً عن الحصول على مكرمات لا ترد في السجلات، والآن يكرر الليبيون الذين تربطهم علاقة بالواقع: نعم، لقد استجرنا من الرمضاء بالنار.
ليست التجربة التونسية قياساً إلى طليعيتها بين أقرانها العرب بأفضل حال، مع الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية التي ميّزت سلميتها في البداية، سيما مع شبه إجماع شعبي على أن الثورة اختطفت على يد حركة "النهضة"، بينما الأزمة الاقتصادية الاجتماعية تزداد تفاقماً، فيما الوعود بالمعالجة تبددت مع رياح الوصول إلى السلطة، حيث طمست الآمال والطموحات، لا سيما بين شريحة هامة من الشباب الذي بدأ الانحراف وبسرعة نحو الكفر بالسلطة، وتكفير الكل ما عداه، بعد اختراق "الوهابية القاعدية" نسيج المجتمع بالإغراءات المالية، وهو الذي لم يكن يطلب سوى العيش بعرقه.
في الحقيقة، إن حلم غالبية الشباب التونسي قد جرى إعدامه عن سابق إصرار، ولذلك فإن بعض القوى الرافضة لليأس من التغيير، والاستسلام لمشيئة الأطلسي، وإن عبر قطر والسعودية، تعيد تنظيم صفوفها لخوض الانتخابات التي ما زالت النهضة تؤخر إجراءها بذرائع واهية، لإطالة أمد الفترة الانتقالية ما أمكنها، بعد الفشل في إنجاز دستور جديد وقانون للانتخابات وتركيبة الهيئة العليا للانتخابات، وهو ما جرى تغييب الشباب عنه بالكامل، وهم الشريحة التي فجّرت الثورة ضد الفقر والتهميش والإقصاء، فيما تستمر شريحة هرمة بالإمساك بالمشهد السياسي وبمقاليد السلطة، وهي من المستحيل أن تكون قادرة على تفعيل ثورة "الحرية والكرامة"، ولذلك فالشرئح الفاعلة تنتظر على أحر من الجمر الانتخابات التشريعية والرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر؛ المقبل إذا صدقت وعود حركة "النهضة"، سيما أن أفضل التوقعات لا تعطي أملاً للحركة بالحصول على أكثر من 19 في المئة من الأصوات.
وإذا كانت التجربة التونسية بدورها قد فشلت على يد الحلف الأطلسي، فإن التجربة المغربية على يد حزب "العدالة والتنمية"؛ الأخ غير الشقيق لحركة "النهضة"، فشلت حتى مع أقرب الحلفاء في الحكومة (حزب الاستقلال) في إدارة البلاد، حيث إن الائتلاف الحكومي دخل في أزمة ليست سهلة الحل، سيما مع تلويح "الاستقلال" بسحب وزرائه، ما يضع الحكومة في مهب ريح لا يمكن حتى للملك ضبطه، وهو ما دفع رئيس الحكومة (العدالة والتنمية)؛ عبد الإله بن كيران، إلى الاعتراض على تحكيم الملك من جانب الأخ الغريم "الاستقلال"، إلا وفق مادة دستورية تعطي الحق لرئيس الحكومة الطلب من الملك إعفاء وزير أو أكثر من الحكومة، وهذا الأمر أدى بالملك إلى قطع إجازة خارجية مع اتصال برئيس حزب "الاستقلال"، طالباً منه إبقاء وزراء حزبه في الحكومة "حفاظاً على استقرار البلاد والسير العادي للحكومة".
إلا أن اللافت هو الزيارة العاجلة لنائبة وزير الخارجية الأميركية؛ ويندي شيرمان، بدعوى الترتيب لزيارة الملك محمد السادس لواشنطن، للقاء الرئيس باراك أوباما، ولقائها رئيس الحكومة بن كيران وسط لقاءاتها البروتوكولية.
في المغرب يقول العارفون إن هناك هدفاً للأزمة الحكومية والزيارة الأميركية، هي إعادة تعويم الملكية، بعد تلمس نضوج الشارع نحو الانفجار، سيما مع فشل خطة الاستيعاب عبر حكومة طابعها حكومات الأطلسي في الدول التي كانت مسرحاً للحراكات.






















































