ما ان نجحت الثورة الاسلامية في ايران بقيادة الامام الخميني في العام 1979 حتى بدأ الحديث عن مخاطرها على انظمة الحكم الوراثي التسلطي في الخليج حيث اقيمت دول عربية انشئت بقرار بريطاني من اجل صياغة منظومة حراس المصالح الغربية في بلاد النفط العربي . و من اجل ذلك تعرضت الثورة الوليدة انذاك لاعثى الهجومات و التخويف منها الى الحد الذي قاد صدام حسين و بمال خليجي و توجيه اميركي ، الى شن حرب تدميرية على دولة بادرت الى اغلاق سفارة اسرائيل و تسليمها للفلسطنيين مع وعد بانشاء جيش العشرين مليون لتحرير القدس تحت شعار " ياقدس انا قادمون " .

و لم تفلح كل محالات التقرب الايراني من الدول العربية و كل سلوكيات حسن النية الايرانية ، لم تفلح في بناء الثقة المطلوبة لعلاقة عادية ان لم نقل حسنة بين طرفين متجاورين ، و استمرت نزعات التخويف و التحذير من "النوايا العدوانية الايرانية" ضد العرب تحت شعارات شتى ، لم يكن اخرها " شعار تصدير الثورة " و الانقضاض على العروش ، بل كان ذلك محطة انطلاق في المواجهة العدائية تلته مع الحرب و بعدها محطات توالت الى ان انتهت بمقولة " العدو الايراني " الذي حل في الذهن العربي الرسمي محل العدو الصهيوني الذي انقلب عند عربان الخليج صديقا حميما ، و استمر الادعاء بالتدخل الايراني في الشؤون العربية او تلفيق اكذوبة نشر التشيع على اكثر من صعيد .

و كذلك لم تنفع و لم تجد السياسة الايرانية في دعم المقاومة الفلسطنية و احتضان القضية الفلسطنية باعتبارها قضية الامة المركزية ، و لم تغير الاموال الايرانية التي اغدقت و صرفت في هذا المجال سواء في الميدان او في السياسة او في الاعلام من اجل نصرة الفلسطنيين ، لم ينفع كل ذلك بالحد من نزعة العداء العربي الرسمي لايران ، لا بل كانت الكارثة- المأساة ان تنقلب حركة مقاومة اسلامية فلسطنية احتضنتها ايران و مولتها و سلحتها و دربتها و منحتها كل ما يمكن منحه لمقاومة ، ان تنقلب تلك الحركة على ايران و تنتظم في الاصطفاف العدائي جنبا الى جنب مع من يرفض المقاومة و يغلق شرابين حياتها و انابيب تنفسها .

و من غريب المفارقات ان خصوم ايران على مساحة العالم العربي سواء كانو من مكونات النظام الرسمي العربي او ممن يصفون انفسهم بالنخب الثقافية او الفكرية ، كانوا يبررون مواقفهم العدائية و خشيتهم لا بل رعبهم من ايران بامرين:

- الاول النظام الديكتاتوري لرجال الدين في ايران ، و هو النظام الديني الالهي الذي يلغي حرية الفرد و يقيم نظام الحكم الاستبدادي المطلق المقيد للحريات و الهادر للكرامات وفقا لما يزعمون ، نظام تسعى ايران الى تعميمه على الدول العربية كما يدعون عبر ما اسمي" تصدير الثورة ".

- الثاني السعي الايراني لفرض الهيمنة الايرانية على الشرق الاوسط و استباحة حقوق و سيادة الدول القائمة عبر التدخل في شؤونها و تنصيب حكامها ، مع امتلاك القوة العسكرية القادرة عل تأديب هذا النظام او ذاك في حال خروجه عن الطاعة الايرانية ، كما جهد اولئك على تلفيقه من اوهام و خيال .

لكل ذلك ارتمى هؤلاء – خصوم ايران و اعدائها- في الاحضان الغربية و الاميركية و بعضهم في الحضن الصهيوني من اجل توفير قوة دفاعية لهم لتحميهم من "الخطر الايراني الداهم " ، و في المقابل استمرت ايران على امالها بان يستفيق العرب حاكمهم او عالمهم او محكومهم حتى و جاهلهم ، يستفيقوا على حقيقة ايران بانها دولة و امة تريد الحرية و العدل لنفسها و لجيرانها و للمسلمين و لكل انسان ، و ترفض الظلم انى كان مصدره و ترفض التبعية و الفوقية في التعامل و تريد ان تمارس حقوقها المشروعة دونما افتئات او تفريط او افراط في الممارسة . و بين النزعتين يكاد المرء يرى ان العداء و المواجهة بين العرب و ايران هو امر احادي الاتجاه او من جانب واحد هو الجانب العربي ضد ايران ، باستثناء سورية التي و منذ البداية فهم رئيسها بعقله الاستراتيجي الكبير ان ايران للعرب فصادقها و ليست ضد العرب ليعاديها .

في هذه البيئة ، و مع ضغوطات دولية غير عادية على ايران تحت عناوين شتى ، و في وسط منطقة تشتعل ب"الحريق العربي" الذي اسمي زورا بانه "ربيع العرب" ، انتهت ولاية رئيس الجمهورية الايرانية ، و وجب وفقا للدستور اجراء انتخابات شعبية لاختيار الرئيس الذي يتابع الحكم بعده ، و تقيدت السلطات – كل السلطات – في ايران باحكام الدستور و السير بالاجراءات الايلة لاجراء الانتخابات ، ففتح باب الترشيح ، و عرض الراغبون بالترشيح على الهيئة المختصة بالتحقق من اهليتهم و تم اختيار من استوفى الشروط و قبل الجميع بحكم الهيئة و انطلق المرشحون في حملاتهم الانتخابية بحرية تامة يعلنون عن برامجهم ، التي فيها بعض التباين حتى التناقض في بعض الجزئيات ، ثم خضعوا قبل الانتخاب للصمت الانتخابي ثم فتحت صناديق الاقتراع في نهار مددت ساعاته حتى تمكن 73 % من الشعب الايراني من التعبير عن خيارهم في صندوق الاقتراع بكل حرية ، و من غير تسجيل اي حادث يشوه نقاء العملية الانتخابية و نصاعة بياض صفحتها ،و اعلنت النتيجة التي حددت ان للشيخ حسن روحاني نصيب تجاوز ال 51% من نسب المقترعين ما يعني انه حسب الدستور فاز و من الدورة الاولى بمنصب رئاسة الجمهورية ، نتيجة قبل بها الجميع و سارع من لم يحالفه الحظ الى الاذعان لارادة الشعب و الاتصال بالفائز مهنئا له على ثقة الشعب به و اختياره له ، في مشهد شكل صدمة مزلزلة لاعداء ايران ، و فسحة فرح و انفراج لاصدقائها ، و لكن الاهم من ذلك هو الرسائل و الدروس التي ارسلتها ايران او ارستها في مسيرتها الديمقراطية و التي يمكن ان نذكر منها و بشكل سريع ما يلي :

- ان النظام السياسي الايراني هو نظام اختاره الشعب و لم يفرض عليه ( اعتمد الدستور باستفتاء شعبي ) و ان الشعب يجدد ثقته بالنظام في كل مرة يذهب بها الى صناديق الاقتراع ( اجريت حتى الان 32 عملية انتخابية في 34 سنة من عمر الثورة ، شملت انتخابات الرئاسة و النيابة و المجالس المحلية و البلديات ) ، ما يعني بكل بساطة ان الشعب هو الذي يختار حكامه ، و الارادة الشعبية الحاكمة التي يعتد بها في الانظمة الديمقراطية هي السائدة في ايران على وجهين : اختيار النظام و اختيار رجال الحكم في هذا النظام .

- ان مشاركة 73% في الانتخابات اي اكثر من ثلثي الشعب الايراني المؤهل للاقتراع ( و من بلغ سن ال 18 يقترع ) ، يعني و في كل الانظمة الديمقراطية حتى و في الجمعيات العمومية للشركات ، هي ارقى نسبة مشاركة شعبية ممكنة الامر الذي لم تشهده معظم دول ما يسمى العالم الحر في الغرب ، و بالتالي يعتبر ذلك تجديد ثقة الشعب بنظامه و تمسكه به ، فضلا عن انه تعبير صارخ عن ان الرئيس المنتخب هو ثمرة الارادة الشعبية الحقيقة بمقتضى الفهم العميق للديمقراطية باعتبارها حكم الاكثرية الشعبية ، و الرئيس و من الدورة الاولى حاز على ال 51% من الاصوات .

- ان ايران دولة مؤسسات يسيرها الاشخاص ، و ليست كما يتهمها البعض زورا دولة الشخص الذي يسير او يأسر الدولة او يعطل مؤسساتها ، و في هذا السياق يكون العمل بالمؤسسة تراكما من اجل التقدم و الازدهار دون ان يكون كما هو الحال في دول التخلف حيث نشهد السلوك الالغائي الاجتثاثي فيلغي السلف ما قام به الخلف او يمتنع الذاهب عن تسليم الاتي ملفات الدولة ليتابعها من حيث وصل الامر بها حتى يبقى عمر الدولة مقترن بولاية الشخص الواحد، بينما في دولة المؤسسات يصبح عمر الدولة مقترن بعمر مؤسساتها التي يطورها الاشخاص و يراكمون الانتاج فيها ، و لهذا نشهد في ايران التقدم السريع ، و لدى المتخلفين الاقصائيين ركون في مستنقع التخلف .

- ان حكومة ايران هي حكومة الشعب و اختيار الشعب ، و بالتالي اي تعامل مع هذه الحكومة انما هو تعامل مع الشعب الايراني مباشرة لانها ثمرة ارادته و اختياره . و هنا توجه ايران صفعة قاسية للغرب الذي يدعي انه صديق للشعب الايراني و ان عداءه محصور النظام من اجل الشعب ، فالشعب في هذه الانتخابات قال انا الحكومة كما ان الحكومة قالت انا الشعب و لا مجال للتمييز بين الطرفين فمن يعادي الحكومة و يعاقبها انما يعادي الشعب و يعاقبه ، و عليه ان ينتظر ردة فعل الشعب على ذلك .

- ان قوة الرئيس و قوة الحكومة مستمدة و مستندة من الارادة الشعبية ، و بالتالي لا قيمة للضغوط على هذا الشخص او ذاك لان خروجه تحت الضغط على ارادة الشعب يسقطه ، و على من يفاوض الحكومة الايرانية ان يعلم ان خلف الشخص الجالس على طاولة التفاوض يجلس الشعب الايراني باكمله ، شعب يراقب و يحاسب و يدعم . و هذا هو موطن و مصدر القوة الحقيقية للنظام الايراني و لرجال الحكم فيه .بخلاف الحال مع عرب الخليج حيث الانفصال التام بين الحاكم و المحكوم ما يسهل تبعية الحاكم و ارتهناه للغرب .

هذا بعض ما يمكن ان يستفاد منه من السلوك الايراني في الانتخابات الرئاسية الاخيرة ، فهل يمكن للعرب ان يستفيدوا من الديمقراطية الايرانية و هي ديمقراطية حقيقية ، تختلف كليا عن اوتوقراطية هذا او ثيوقراطية ذاك او ديكتاتورية ذينك او زيف ديمقراطية شكلية هي البضاعة الرائجة في هذه الايام ؟ ...

ان الواقع الايراني لا يمت بصلة الى كل ما رمي النظام الايراني به من اتهامات و ان كان من صفة يبحث عنها لتضاف الى هذه الديمقراطية المعتمدة في ايران فيمكن القول بانه " ديمقراطية رشيدة " ليس فيها محل لمال سياسي او عصبية جاهلية تشوه الارادة الشعبية و تجعل صناديق الاقتراع جسرا لعبور ارباب المال و الهيمنة و دعاة التسلط و الالغاء و الاقصاء... فهل يستورد العرب بعد عهد الحريق الذي يعيشونه الان ، و بعد ان ادعوا بان لديهم ثورات ، و تبين انها فوضى ارادتها اميركا لتدمير الدول و انتهاك للدين و القانون و الاخلاق ، هل يستوردون من ايران "الديمقراطية الرشيدة "؟ و عندها تتقدم بلادهم كما هو حال ايران في مسارها النهضوي الحضاري .