لم تفلح المجموعات الطرابلسية المعادية لنهج المقاومة في إعادة "لمّ شملها"، وقد يكون السبب في ذلك هو الإرباك الذي تعاني منه الدول الإقليمية المموِّلة للاقتتال في لبنان وسورية، لا سيما بعد استعادة الجيش السوري مدينة "القصير"، وضبطه الحدود الشمالية الشرقية، وبالتالي قطع طرق الإمداد عن المسلحين في سورية عبر الأراضي اللبنانية، الأمر الذي جعل دور المسلحين في طرابلس محصوراً في الداخل اللبناني، ولم يعد له أي تأثير يُذكر على المستوى الاستراتيجي في مرحلة ما بعد "القصير"، ما خلا إيواء بعض الفارين من سورية، وإرسال بعض "المقاتلين التكفيريين" إليها، تحت إشراف الشيخ سالم الرافعي وتدبيره.

وفي هذا الصدد يؤكد مرجع إسلامي طرابلسي أن انتصار الجيش السوري و"حزب الله" في "القصير" أدى إلى خلق نوع من التضعضع والإرباك لدى الرعاة الإقليميين للمجموعات المسلحة الناشطة في لبنان وسورية، وإلى عدم الوضوح في الرؤى لرسم مخطط ما بعد "القصير"، وتباين في وجهات النظر حول الشأن اللبناني، وانعكس ذلك على الأوضاع الداخلية، خصوصاً على الوضع الأمني، وهكذا تعيش البلاد حالاً من اللااستقرار، وتشهد توتيرات أمنية متنقلة يومية تقريباً، من دون أن تصل إلى الانفجار الشامل.

ويرى المرجع أن انفلات الوضع الأمني لا يصب في مصلحة الأفرقاء المعادين للمقاومة، وفي مقدمهم تيار "المستقبل"، الذي بدا عاجزاً عن السيطرة على "قادة المحاور" خلال "الجولة 16" من الاقتتال في طرابلس، وبالتالي فإن أي تدهور أمنيٍ مستجد قد يُفقد "المستقبل" حضوره في الشارع، ويعطي هامشاً مهمّاً لتعزيز حضور "قادة المحاور" على حسابه.

ويستبعد المرجع اندلاع أي صراعٍ مسلح بين التيارات المنخرطة في المشروع "الأميركي - الإسرائيلي" في المنطقة و"حزب الله"، لأن رعاتهم الإقليميين والدوليين يدركون تماماً أن مجموعة من "الهواة" لا تتحمل جولة واحدة مع حزب يحقق إنجازات استراتيجية كبيرة على مستوى المنطقة، على حد قوله.

ويسأل: كيف يمكن للمجموعات التكفيرية التي عجزت عن مواجهة "عائلة النشار" في أسواق طرابلس، أن تواجه حزباً منظَّماً يؤدي دوراً إقليمياً كـ"حزب الله"؟

ويعتبر المرجع أن الاشتباكات التي دارت بين التكفيريين وآل النشار، والتي أتت عقب مداهمة الجيش اللبناني لمخزن السلاح الذي يعود للمدعو زياد علوكي في باب التبانة، لمحاولة تبرير "سلاح مقابل سلاح"، وفقاً لحسابات "تكفيريّي طرابلس"، "انقلب فيها السحر على الساحر، وبرهنت هذه الاشتباكات أن عاصمة الشمال عصية على أن تكون "إمارة وهابية" معادية للمقاومة وسورية، حسب ما يقول.

ويرى أن غياب التنسيق الفاعل بين مكونات فريق الثامن من آذار، أسهم بشكل أساسي في بسط سيطرة التكفيريين و"المستقبل" على طرابلس، إضافة إلى الحملات الإعلامية التي ضللت الرأي العام، وسعت إلى حرف عاصمة الشمال عن مسارها الوطني، ومحاولة إخراجها من تاريخها الوطني، داعياً الأطراف الطرابلسيين حلفاء المقاومة إلى رصّ الصفوف ومواجه كل أشكال الفتنة.

في المحصلة، يمكن الاستنتاج أن أهداف التوتيرات الأمنية في لبنان هو إبقاؤه في حال من اللااستقرار لغاية توافق الدول المؤثرة في الأزمة السورية على تسوية سياسية تنهي هذه الأزمة، وقد تشمل لبنان، لاسيما بعد انخراط مكونات رئيسية منه في الأزمة المذكورة، ومحاولة بعضها ربط مصير لبنان بما يجري في المنطقة.