فوجئ العالم، لا سيما الغرب، بفوز الشيخ حسن روحاني في انتخابات الرئاسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية من الجولة الأولى، بحصوله على 51.7 % من الأصوات، وتقدمه على جميع منافسيه، مستفيداً من تشتت أصوات معارضيه وتأييد التيار الإصلاحي له وقسم من التيار المحافظ.

وقد أشارت هذه النتيجة، التي لم يتوقعها الغرب، وتحديداً واشنطن، إلى جملة من الدلالات الهامة، وطرحت الأسئلة حول ما إذا كان فوز روحاني، الذي يتصف بالدبلوماسية والاعتدال في مقاربة الملفات السياسية والداخلية، سيقود إلى تغيير في سياسات الجمهورية الإسلامية أم لا.

دلّت نتيجة الانتخابات إلى جملة مؤشرات هامة، أبرزها:

الأولى: نسبة المشاركة المرتفعة التي تجاوزت الـ72 %، عكست حجم الحرية والديمقراطية التي يتمتع بها الشعب الإيراني، في التعبير عن رأيه واختيار رئيس بلاده، الأمر الذي شكل صفعة قوية للولايات المتحدة والدول الغربية، التي شككت بالنظام الديمقراطي الإيراني وشرعيته الشعبية، وراهنت على ضعف المشاركة الشعبية للنيل من هذه الشرعية.

الثانية: جسدت مستوى راق في الممارسة الديمقراطية، عكسها التنافس الديمقراطي بين المرشحين على أساس البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واحترام مبدأ تداول السلطة.

الثالثة: أربكت وأحرجت الإدارة الأميركية وحليفاتها في الغرب وأحبطت حملتها المغرضة التي حكمت مسبقاً على نتيجة الانتخابات بالقول إن روحاني لن يفوز، وأن المرشد الأعلى للثورة علي الخامنيئي لن يسمح بفوزه، وهو من سيعين الرئيس، والشعب الإيراني لا يملك حرية اختيار رئيسه، وأن الانتخابات مجرد عملية شكلية، ولهذا جاء فوز روحاني ليقدم صورة مناقضة تماماً لهذا التضليل الغربي، ويؤكد أن في إيران نظاماً ديمقراطياً يضاهي أرقى الأنظمة الديمقراطية في العالم.

لكن هل يؤدي فوز روحاني إلى تغيير في سياسة إيران؟

من المعروف أن روحاني يتمتع بخط معتدل وقدرة دبلوماسية على امتصاص الضغوط الخارجية، من دون أن يؤثر ذلك على جوهر السياسة الإيرانية، لاسيما حق إيران في مواصلة برنامجها النووي السلمي واستقلالية قرارها السياسي، ودعمها لفلسطين والمقاومة وتمسكها بتحالفها الاستراتيجي مع سورية.

فالرئيس روحاني يمزج بين كونه رجل الاعتدال والمرونة والدبلوماسية، وبين كونه من المخلصين للثورة ومبادئها ومن الذين يتمتعون بثقة المرشد، الأمر الذي جعل منه رجل المرحلة، في قيادة إيران لإخراجها من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن تشديد الحصار الغربي على إيران، والعمل على تحقيق انفراج في العلاقات مع دول العالم والجوار.

فروحاني ابن الثورة ومن قادتها، وهو من رجالات التي بنت مؤسسات الدولة واحتل مناصب هامة فيها، وأهمها تمثيل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي الذي يرسم سياسات البلاد الخارجية والداخلية، وتولى بقرار من خامنئي إدارة المفاوضات في الملف النووي لفترة طويلة، وعرف عنه قدرته الدبلوماسية في التعامل مع الغرب، والحزم في الوقت نفسه في التمسك بمضمون الموقف المدافع عن حقوق إيران.

وهذا ما دفع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو إلى عدم الرهان على تبدل في موقف إيران، ووصف انتخاب روحاني بمنزلة "مصيدة العسل" للغرب، داعياً إلى عدم تخفيف الضغط على إيران.

أما بما خص الملفات الإقليمية، فإن إيران تنطلق في سياستها من قاعدة ثابتة، وهي أنه على العالم الغربي أن يعترف بها دولة إقليمية كبرى، مستقلة في قرارها، ولها مصالحها، أما مواقفها القائمة على دعم قضية فلسطين والمقاومة ضد الاحتلال، والعلاقة التحالفية الاستراتيجية مع سورية والوقوف إلى جانبها في مواجهة الحرب التي تتعرض لها، إنما هي جزء لا يتجزأ من ثوابت سياستها المستقلة التي ترتكز إلى نظرتها المبدئية في نصرة القضايا العادلة، ورفض الهيمنة الغربية على المنطقة والدفاع عن أمن إيران القومي.

مما سبق، يتأكد أن روحاني لن يخرج عن هذه الثوابت حتى ولو أراد، لأنه محكوم بالصلاحيات الواسعة للمرشد الأعلى، وببرلمان معظمه يتمسك بثوابت الثورة الإيرانية، ويرفض أي مساومة مع الغرب.

على أن التغيير الذي قد تشهده إيران في ظل رئاسة روحاني سيكون في الداخل على صعيد معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وصيغ إدارة الحكم، والتي يرجح أن تقوم على قاعدة تشكيل حكومة ائتلافية تعكس المناخ الذي جاء بروحاني إلى سدة الرئاسة، وتكون مقبولة من البرلمان صاحب السلطة التشريعية، وقبل ذلك بالتفاهم الكامل مع المرشد الأعلى، خصوصاً لناحية اختيار الحقائب الأساسية، الأمن، والدفاع، والخارجية، والداخلية، والاستخبارات.