أسئلة كثيرة وتعليقات عديدة طرحت وسالت حول صرخة وزير الداخلية ​نهاد المشنوق​ في ذكرى استشهاد اللواء ​وسام الحسن​. إذ جاءت تبيانًا لاحتقان سياسيّ دفين، وهو بالشكل متناقض مع أدبياته مذ دخل الوزارة واندرج فعليًّا في سياق وطنيّ جامع، قرّبه من معظم الأطياف السياسيّة فكسب ودّها ومحبّتها واحترامها، وبعضها وتحديدًا من الفريق الخصم سياسيًّا له، دافع عن أدائه وأسبغ عليه صفة الوزير الوطنيّ والمحترم بموضوعيّته وتجرّده واقترابه من الخطّ الوسطيّ غير الضبابيّ، بل الشديد الوضوح، يسمّي الأمور كما هي بأسمائها ومن دون تغطية أو تمييع، فيما كان سابقًا، وبحسب توصيف بعض المصادر، منغلقًا بأدبيّات مختلفة كليًّا عن التي صاغها لذاته، لكونها منطلقة من حراك حزبيّ امتاز الرجل فيه بخصوصيّة فريدة، وليس من مأخذ إطلاقًا على الخصوصيّات القائمة عند السياسيين الحزبيين أو غير الحزبيين، فنحن وعلى الرغم من العواصف الهوجاء الهابّة بعنف، لا نزال في مدى ديمقراطيّ حرّ. لكنّ الصدام ثابت في نمطيّة الخطاب السياسيّ المتصادم عند تلك الخصوصيّات الحزبيّة الفريدة والطامحة. المسألة هي في النمطيّة التي لبرهة طويلة تهاوت في ذهن الوزير المشنوق وأدائه لمصلحة العقلانيّة المجرّدة، ولو على حساب حزبيّته.

من حقّ الوزير نهاد المشنوق أن يعلو صوته. ولكنّ السؤال الذي طرحه مصدر متوازن في فريق الثامن من آذار، لماذا تجاوز علوّ الصوت عنده تلك التفاصيل الدقيقة التي يعرفها ورشق به جهازًا أمنيًّا كبيرًا وهو مخابرات الجيش في لحظات الحرب الوجوديّة التي يخوضها الجيش مع تنظيمي داعش وجبهة النصرة؟ وأردف قائلاً: "ولو افترضنا أنّ بعض الثغرات وجدت في بعض الممارسات، فيجدر تأجيل النقاش فيها في ظروف هذه الحرب الوجوديّة، لكونها يجب أن تكون حربًا وطنيّة بامتياز تشترك فيها كلّ المكونات اللبنانية حيث لا أحد منها بمنأى عن الخطر، كما حصل تمامًا خلال حرب إسرائيل على لبنان في تمّوز 2006". واعتبر المصدر "بأنّ تلك الثغرات ليست أفظع من خطيئة تهريب إرهابيين في طرابلس مطلوبين للعدالة". وتساءل هذا المصدر، عن سبب إشارة المشنوق إلى مسألة الصحوات، في لحظات الخطر الذي يشكّله تنظيما داعش وجبهة النصرة "ويهدّدان بتسلّلهما في المدى اللبنانيّ جوهر النظام السياسيّ بحدوده الأمنيّة والجغرافيّة وحقيقته الميثاقيّة، وهي تبدو، ولو بالحدّ الأدنى، شبكة أمان حامية للبنان مانعة إيّاه من السقوط". ويتوكّأ المصدر بكلامه على خطاب النائب وليد جنبلاط الأخير في عرمون خلال ردّه على المشنوق، ويدعو إلى صحوة أمنيّة واحدة، وسياسيّة واحدة، وثقافيّة فكريّة واحدة، بوجه تكفيريين يشاؤون ويحاولون قطع الوصال بين لبنان وذاته بتمزيقه إربًا إربًا مثلما يفعلون في العراق ويحاولون أيضًا في سوريا، وهذا يجب أن يترجم سياسيًّا، بالقبول غير المشروط بكلّ الهبات الممنوحة للجيش من السعوديّة وإيران، بقراءة متوازنة وغير متورّطة في الصراع بينهما على المستوى الحكوميّ. القراءة يجب أن تعبّر عن إخلاص صادق لمؤسسة تختنق من الظلم وتنزف من الذبح وتخشى من الخطف".

يرى بعض المتابعين، أنّ ثمّة إرادة لتظهير حركة واضحة المعالم والأفق، هادفة إلى إضعاف الجيش في مدى المواجهة الخطيرة التي يخوضها فوق الجبال الجرداء. ويذهب هؤلاء مرتكزين على خطاب الوزير المشنوق، بالتساؤل عن البدائل في عمليّة المواجهة. ولماذا التشدّد بدعوة حزب الله للخروج من سوريا، ألم تكن أرض سوريا مهيّأة وخصبة لإيناع هذا التنظيم قبل دخول الحزب في الحرب داخل الأراضي السوريّة، فيما هو بمواجهته لهذا التنظيم سواء في الداخل السوريّ أو على الحدود يخفّف من خطورة توغّل هذا التنظيم بما يملك من استراتيجيّة واضحة تحاول ربط الحدود من تركيا إلى العراق مع سوريا إلى الحدود مع لبنان وصولاً إلى المتوسّط؟

إنّ توقيت خطاب الوزير نهاد المشنوق، لم يرتبط بحيثيّة الذكرى الأليمة، بقدر ما ارتبطت بفحوى الخطاب التوظيفيّ لنمط متشدّد كان قد لفظه في أدائه الحكوميّ ومعظم الأحاديث التي ارتبطت به. ذلك أنّ الوزير وفي حديث تلفزيونيّ له أخير، نفى أيّ علاقة سببيّة لوجود الحزب في سوريا بدخول داعش لبنان. وبهذا المعنى، لا يمكن تبسيط الخطاب أو تسطيحه وجعله موضعيًّا، شاء صاحبه أن يتموضع بهالته السياسيّة أمام نوّاب وشخصيّات غالبيتها من تيار المستقبل لتنتهي مفاعيل الخطاب عند هذا الحدّ. وفي الوقت عينه، لا يمكن فصله عن الظروف المحيطة به والمكونة له، وقد كانت أحاديثه بصورة عامّة موضوعيّة، منسجمة مع روح التسوية المنشئة لحكومة أمسكت بالأمن، وقد تفجّر مرارًا عديدة بعمليات انتحاريّة أودت بحياة كثيرين. تبيانًا لذلك طرح مصدر متابع سؤالاً واضحًا: هل كلام الوزير المشنوق، يمكن تسويقه كمدخل يبيح انتقال الصراع السعوديّ-الإيرانيّ إلى أرض لبنان، ممّا يهدّد ببطلان التسوية التي أدت إلى تشكيل الحكومة الحالية، ويتيح المجال، تاليًا، لديمومة الفراغ، فيقتات التكفيريون منه لبثّ إرهابهم على اللبنانيين كافّة؟

لن يكون الجواب واضحًا، فقد سار بسياق توظيفي سياسيّ واضح الآفاق، يشير بمفرداته إلى قرب نهاية التسوية، وبدء حقبة جديدة تنذر باستمرار وقوف لبنان على مفترق طرق خطرة ووعرة، تجعله ساحة لصراعات بنا تتفجّر دومًا لأجل الآخرين، بانتظار تسوية جديدة يكتبها بدمنا الآخرون.