![]()
الرئيس سليمان يفتتح القمة الروحية في بعبدا ويطالب بالاسراع بتشكيل الحكومة
24 حزيران 2008
يكبر قلبي اليوم، وأنا أرحب بكم في قصر بعبدا، بيت جميع اللبنانيين، لأن وجودكم يختصر وجه لبنان الحضارة، والرسالة والإنسان.
ولا يسعني إلا أن أشكر تلبيتكم لدعوتي، وكلّي ثقة أن ثمار هذا اللقاء ستكون ثمار خيرٍ وبركة للبنان ولجميع اللبنانيين.
ايها الأجلاء،
نشعر جميعاً بوقع الأخطار المحدقة بلبنان، وخصوصاً بعد أشهر طويلة ومريرة من الشحن الطائفي على كل المستويات: في الشارع، كما في السياسة. في الإعلام كما في باحات الجامعات. وما يقلقنا حقاً، ليس فقط النتائج المباشرة لهذا الشحن، والتي تترجم على الأرض عنفاً، وتنابذاً، ومخاوف متنقلة. بل ابعد من ذلك، يقلقنا أن يتراجع دور لبنان في محيطه والعالم، وأن تتشوه رسالته، وتصبح تالياً علة وجوده الاساسية عرضة للخطر الشديد.
رسالتكم قوية جدا اليوم أيها الأخوة. فبلقائكم، وأنتم رجال دين من اديان وطوائف مختلفة، تحت سقف سياسي، تقولون للبنانيين والعالم، أن وطننا مبني على القيم والأخلاق وسيادة السلام والمحبة، وأن الساسة فيه يجب أن يكونوا أبناء هذه القيم، ورسل السلام والعيش المشترك، الذي شهدنا بالأمس، في ساحة الشهداء، مع تطويب الأب يعقوب الحداد الكبوشي نموذجاً مشرفاً له.
لقاؤكم يحتضن هدفاً كبيراً وهو جمع اللبنانيين، وتضميد جراحهم، وترميم ما تصدع من جسور بينهم، وتأسيس أرضية متينة للحوار بينهم. بمثل هذه الرؤية فقط، يقوى الوطن وينتفض من كبوته، ويحمل من جديد رسالته، مشعلاً في العالم، وللأجيال الآتية.
وإذا قالوا عن هذا اللقاء انه ضرورة وطنية، أقول أكثر. إنه ضرورة إنسانية، لأن وحدة لبنان الوطنية إذا ما تحققت بأبهى صورها، تشكل نموذجاً للقاء الحضارات والثقافات، ولتحويل التعددية والتنوع إلى نعمة بناء وتواصل وليس إلى نقمة حروب وصراعات.
أيها الأخوة،
ليس غريباً أن يكون للمرجعيات الدينية في لبنان حضور فاعل في الشأن الوطني، فالاحترام الفائق لهذه المرجعيات ما زال يتربى في قلب كل لبناني، اليوم كما في الماضي. فخطابكم المنفتح، والسمح، والمرتكز على قيم الوفاق والقربى والتعاون والحوار، هو صمام الأمان للمجتمع اللبناني، وعنصر جمع لا تفرقة.
من الكنائس والجوامع والخلوات الروحية، تنبع الكلمة التي تساهم في تأسيس شخصية الإنسان في لبنان، وتصقل دعوته إلى الانفتاح، واحترام التنوع، وشراكة العيش في وطن واحد. وتتعزز هذه الشخصية في قلب العائلة المسؤولة، والمدرسة والجامعة حيث يجب أن يتلقى شبابنا خميرة الانصهار الوطني مع الثقافة والعلم.
وكلما كان البناء الداخلي متيناً، كلما عجزت السياسات الصغيرة، عن استمالة اللبنانيين إلى دوائرها الضيقة، ومصالحها الذاتية، واهدافها المشبوهة، ووعودها العقيمة.
عافية الوطن، من عافية ناسه. وعافية الناس في لبنان، من قربهم من تعاليم الخير والتواصل والانفتاح التي تبثونها في قلوبهم. لا نقول ذلك، لنعفي الساسة من دورهم، والدولة من واجباتها، والمؤسسات العامة من دوران عجلتها بشكل سليم وفعّال. لكن ما تزرعونه، له قيمة الأساس في بناء يطمح إلى الوقوف في وجه الريح والعواصف.
ايها الأجلاء،
لا يجدر بنا اليوم أن نتعامى عن الدرك الذي وصل إليه لبنان، في السياسة، والاقتصاد، والأمن. والأهم القلق على الوجود والمستقبل. علينا على الأقل ان نبدأ بتحديد نقطة البداية للإنطلاق نحو معالجة المشاكل وتضميد الجروح، والتعافي.
هل نستسلم لواقعنا المرير وننتظر المعجزات من الخارج أو من أي مكان آخر؟
وحتى المعجزة إذا مرت بنا، لن تتمكن من شفاء دائنا المستشري. فالله لا يغيّر في الناس، ما لم يغيروا ما في انفسهم. وآن الاوان ليقول كل لبناني لنفسه: ما هو دوري في تغيير الواقع وإنهاض البلاد؟
دَعَوتُكم، ولي أمل واحد يشاركني به جميع اللبنانيين، وهو أن يؤسس لقاء اليوم، لإطلاق ورشة حوار وطني ترسّخ رسالة لبنـان ودوره وتعزز وحدة مصيـــر أبنائه من جميع الفئات والأطياف والطوائف. علنا ندرك جميعاً، أنه إذا تألم عضو في الجسد، تألم الجسد بأسره. وإذا عانت فئة واحدة في لبنان، أو طائفة، يعاني الوطن بأسره.
خلافات اللبنانيين اليوم وصلت إلى حد الانتحار. وهل من خلاف على هذه الأرض لا يحله الحوار والنقاش بقلب مفتوح ونوايا صادقة؟ فلنعمل منذ هذه اللحظة على إبعاد ما هو داهم من الخلافات والصراعات على الأرض في لبنان، لمنع انعكاسها خلافات مذهبية وطائفية، لا تخدم الا مصلحة العدو الإسرائيلي، ثم ننطلق بعدها إلى البحث في مختلف الملفات الخلافية، وسبل دفع البلاد في مسيرة النهوض والإصلاح والرقي.
أصحاب الغبطة والسماحة والسيادة،
على إسم الوحدة والتضامن التقيتم، ولأجل لبنان الواحد الموحّد تعملون، وانا على ثقة أن هذا التوجه هو نفسه توجه جميع المسؤولين الروحيين، الحاضرين بيننا اليوم، أو الغائبين. وفي يقيني أن استكمال قيام الدولة وانتظام عمل مؤسساتها الدستورية وإداراتها، كفيل بجعل الكلمة الفصل للقوانين المرعية الإجراء، فتتعزز المساهمة الوطنية وتتشابك كل الخناصر في سبيل الهدف الأسمى، وهو وحدة لبنان وطوائفه.
ولعل التعبير الأقوى عن هذه الرغبة، يكون من خلال الإسراع في تشكيل الحكومة الجديدة على نحو يعكس ارادة اللبنانيين وتطلعاتهم إلى غد افضل، ويعبّر ايضا عن ارتقاء القيادات السياسية الى مستوى المسؤولية الوطنية الحقيقية تجاه بلدهم وشعبهم، حتى لو تتطلب ذلك تقديم تضحيات وتنازلات، مهما غلت، فانها ترخص أمام مصلحة الوطن الذي يواجه ظروفاً بالغــــة الدقة تفرض وقفة ضمير ومبادرات شجاعة..... قبل فوات الأوان.
مرة اخرى شكراً لحضوركم وتلبيتكم الدعوة، ولكل الجهود التي تبذلونها، مجتمعين ومنفردين، لمعالجة ما يواجه وطننا من تحديات.
وفقكم الله لما فيه مرضاته.