
بعد الصفقة يجب تغيير القواعد وعدم التساهل
02 تموز 2008
يوئيل ماركوس - "هآرتس" الاسرائيلية
كل الوزراء عرفوا ان الداد ريغف وايهود غولدفاسر ليسا احياءاً. كل الوزراء عرفوا ان اسرائيل وافقت على اطلاق سراح قاتل عائلة هيرن، سمير قنطار، وانه سيعود الى لبنان مفعماً بالحياة والسرور وسميكاً مع لقب البطل القومي، مقابل جثث المخطوفين من طرفنا.
كل الشعب عرف ما الذي ستقرره الحكومة. ورئيس الوزراء ايهود اولمرت وحده لعب لعبة المتعذب. صوره في وضعية الشخص المتردد الذي يضع يده تحت ذقنه مثل تمثال اوغوست رودين "الانسان المفكر"، نشرت في كل وسائل الاعلام. الحكومة اجتمعت ومقربوه قالوا انه لم يتخذ القرار النهائي بعد لتنفيذ الصفقة. فقط خلال جلسة الحكومة تناقلت وسائل الاعلام الانباء بأن رئيس الوزراء قد سلم بإطلاق سراح القاتل من نهاريا. وكأن امامه خياراً آخر. فعليا اولمرت كان في نفس الوضع الذي واجهه وزير الجيش اسحاق رابين في قضية صفقة احمد جبريل التي اطلق خلالها سراح 1550 اسيراً عربياً من بينهم كبار القتلة الذين لطخت اياديهم بدماء مضاعفة ومثلثة الاضعاف، مقابل ثلاثة من اسرانا. بعد حين اعترف رابين انه لم يكن بمقدوره ان يتحمل ضغط العائلات.
حتى ان كان تردد اولمرت في بعض منه مفبرك ومسرحي والبعض الاخر نابعاً من خوفه الحقيقي من جهات امنية، التي تحفظت من الصفقة، لم يتبق امامه خيار. هو كان ليعيد الجنديين بأي ثمن كان وحسب رأي عن حق بسبب، الضغط الشعبي ولكن اكثر من ذلك بسبب ضغط العائلات التي يساندها الجمهور العريض.
بعد هذه القضية البائسة آن الاوان لأن تتكيف اسرائيل مع الحقيقة المحزنة، انها ما زالت بعد 60 عاماً من اقامتها تواجه شرق اوسط اكثر قسوة واقل انسانية ولا يحافظ على القواعد والنظم المتعافى عليها بصدد الاسرى. حتى المانيا النازية في الحرب العالمية الثانية احترمت قواعد اساسية في تعاملها مع الاسرى البريطانيين والاميركيين على الاقل. سمحوا لهم في حينه باستلام الرسائل وارسالها من خلال الصليب الاحمر. عائلاتهم عرفت على الاقل ان كانوا احياءاً ام اموات.
في الحرب المتواصلة مع "قوى الظلام الاسلامية" المتعصبة في منطقتنا، يتوجب ان نكون مستعدين للخطر المتمثل في حدوث عمليات اختطاف جديدة والمزيد من التنكيل بعائلاتهم من خلال اخفاء المعلومات حول وضعهم. حزب الله الذي يعرف حساسيتنا لحياة الانسان لعب معنا لعبة سخيفة وقاسية من خلال التلاعب بالمعلومات الاساسية حول مصير الجنود الذين سقطوا في اثره. خلال عامين لم يقم حزب الله باعطاء اية معلومات حول وجود غولدفاسر وريغف على قيد الحياة بل واعطى انطباعاً بأنهم احياء. هذا الفصل المأساوي الذي افقد عائلتيهما صوابهما ومعهما الدولة كلها، يحظر ان يتكرر.
اسرائيل تدرك ان حروبها لم تنتهِ بعد. مع كل الجهود وكل الحيطة، يحتمل في المستقبل ان تتكرر عمليات الاختطاف وان يسقط المزيد من الاسرى. ليس لدى احد ضمانة على ان لا تتكرر الاوضاع التي شهدناها في القضية الحالية مستقبلاً. في مواجهة هذه التهديدات المستقبلية، يطرح السؤال ان لم يكن الوقت قد حان لتحديد مبادئ جديدة تتلائم مع طراز العدو القاسي الذي يقف قبالتنا: المزيد من التشدد والتصلب والمزيد من الاصرار على مبادئنا. يجب تحديث قواعد بديلة لتلقي المعلومات من دون تأجيل حول الاسرى او حول المخطوفين الموجودين بأيديهم سواء كانوا احياءاً ام اموات.
الجانب الاخر يعول على ان اسرائيل هي طرف رقيق القلب سرعان ما يخضع ويستسلم ان عاجلاً او اجلا بكل شروطه. وهو في اكثر من مرة يتلاعبون بنا ويستخفون. كان من الممكن ان ننفجر عندما سمعنا خطاب حسن نصرالله الذي يقول مبتسماً ابتسامة ساخرة وفي حالة رضىً ظاهرة على وجهه انه سيساوم اسرائيل حول اشلاء الجثث. هل هذا أكلٌ ديني للحوم البشر؟ ليس من المؤكد ان "النبي محمد" كان ليوافق على ذلك.
هذه المتاجرة القاسية بمشاعر الاسرائيليين وحساسيتهم لحياة الانسان يجب ان تدفع اسرائيل للتشدد. من المحظور مواصلة المشاركة في هذه التجارة لبني البشر. الصفقة التي صادقت عليها الحكومة يجب ان تكون فصلاً نهائياً في سلوك حكومات اسرائيل خلال عشرات السنين في قضية المخطوفين. ليس من نافذة القوم التعبير عن الاستغراب ايضا، لماذا لعب جهاز الجيش نفسه وفقا لقواعد الطرف الاخر القاسية وتظاهر وكأن "الاسيرين احياءا" في نظره.
في ظل الوضع الناشئ خلال الاسابيع الاخيرة ادعيت ان من المتأخر جداً لعب دور الابطال في ظل معاناة العائلات ومن الافضل انهاء هذا الفصل البائس بأي ثمن. ولكن من هنا وما بعد، يتوجب ان تكون للدولة شيفرة داخلية جديدة من السلوك في قضية المخطوفين والمسؤولين عن الاختطاف. ان نكون قساة عندما يتوجب ذلك وبراغماتيين وفقاً لكل حالة بعينها. ان اختطفوا لنا واحدة اختطفنا لهم اشخاصاً في مستويات تجعلهم يثبون الى السماء. وان يوصلهم الى الوضع الذي يطلبون فيه بينما نكون نحن من نستجيب لهم. علينا ان نوصلهم الى وضع يلعبون فيه وفقا لقواعدنا.