![]()
لا توجد حكومة في إسرائيل!
03 تموز 2008
المثال الأول: التهدئة
الجيش أراد وقفاً لاطلاق النار، كونه لا يملك وسيلة فعالة لمنع اطلاق الصواريخ من قطاع غزة، وآخر شيء كان يريد أن يفعله هو اعادة احتلال غزة من جديد، وتلك عملية عالية التكلفة ومحفوفة بالمخاطر ولا طائل منها.
أراد وقفاً لاطلاق النار أو لم يرد، أراد ذلك من ناحية منطقية، لم يرد من ناحية حسية، الفائدة العملية هي مقابل الذل والخزي.
في الأسبوع المنصرم كتبت أنه من السهل خرق اتفاق وقف اطلاق النار: "سيقوم الجيش الاسرائيلي بقتل دزينة من ناشطي الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية وبالمقابل سيرد التنظيم بوابل من صواريخ القسام على سديروت، سيصرح الجيش ان ذلك خرق للهدنة وسيرد بشن عملية..".
لكن، حتى أنا لم أخل أن مثل تلك النبؤة قد تتحقق خلال ايام. ولكن ذلك حدث فعلا: قتل الجيش ناشطين من "الجهاد الإسلامي" في نابلس، ورد "الجهاد الإسلامي" بإطلاق الصواريخ ليعود الجيش ويفرض الحصار من جديد...
هل هناك من قرّر بشأن ذلك الاستفزاز؟ أولمرت؟ باراك؟ قائد الأركان؟ قائد المنطقة؟ قائد الكتيبة؟ لا أحد يعرف. شيء واحد مؤكد: لا توجد حكومة.
المثال الثاني: تبادل الأسرى
أخيراً استطاع الوسيط الألماني تأمين اتفاق استبدال أسيرينا اللذين في قبضة "حزب الله" بمجموعة من الأسرى اللبنانيين. الفرضية تقول إن الجنديين أصيبا إصابات بالغة، أثناء العملية، وماتا منذ زمن، ولكن ليس هناك أي تأكيد بخصوص ذلك: "حزب الله" يتكتم على ذلك.
في الدين اليهودي "استعادة الأسرى" بمثابة وصية. في القرون الوسطى، إن حدث ووقع يهودي من لندن أسيرا بأيدي قراصنة أتراك يتوجب على يهود اسطنبول، القريبين من مكان الحدث، دفع الفدية والعمل على تحريرهم من الأسر. في الجيش الاسرائيلي تم رفع قيمة فدية الأسرى لأبعد الحدود؛ بحيث لا يتركون جريحا في الميدان ولا يتركون أسرى بأيدي العدو، وقد حدث بين الحين والآخر أن تم استبدال مئات الأسرى الفلسطينيين بأسير إسرائيلي واحد.
حرب لبنان الثانية هدفت، ظاهريا، لتحرير أسيرين اثنين بدون مقابل. لذلك تمت التضحية بحياة 150 جندياً ومواطناً إسرائيلياً وأكثر من ألف مقاتل ومواطن لبناني. فشل ذلك. اذاً، كيف يمكن رفض تبديل خمسة أسرى لبنانيين بهما؟.
المشكلة هي في الأسطورة. أحد اللبنانيين الخمسة هو سمير القنطار، والذي قام مع رفاق له بتنفيذ عملية وحشية، ففي الذاكرة الوطنية بقي "القاتل قنطار" محفورا كوحش، فهو الذي قتل أفراد عائلة هارون خلال عملية بينما يعتبر في لبنان بطلا وطنيا قام بتنفيذ عملية جريئة في عمق مناطق العدو.
من هنا "استعادة الأسرى" وعدم اطلاق سراح "الوحش" من هناك. شخص ما يجب أن يقرر. أولمرت اتخذ القرار. وبعد مرور يوم عاد عن قراره. وبعد مرور يومين قلب الجرة على فمها. وكل ذلك من خلال وجهة نظر بسيطة؟ ما الذي يساعده أكثر على الاستمرار؟ أي الأمرين أكثر شعبية؟
كذلك الأمر بما يتعلق بالجندي جلعاد شاليت، الأسير لدى حركة "حماس" في غزة. على الأقل، بما يخصه هو، معروف أنه ما زال على قيد الحياة. "حماس" أكثر إنسانية من "حزب الله" بحيث تتيح له أحيانا أن يبعث الرسائل. إذاً، ما المشكلة؟.
المشكلة تكمن في أسطورة أخرى: "أيد ملطخة بالدماء" وليست أي دماء، بل "دماء يهودية"، كما يتم التشديد على ذلك في الخطابات. تطالب "حماس" باطلاق مقاتليها الذين شاركوا في عمليات. اذاً، هنالك معضلة أخرى: "استعادة الأسرى" مقابل "الدم اليهودي".
الموضوع بحد ذاته محض نكتة. في الحروب تسفك الدماء. جميعنا "أيدينا ملطخة بالدماء". وأنا كذلك. وبالتأكيد ايهود باراك، الذي قتل بيديه.
"مقتل الرجل بين فكيه" كما قيل في الأمثال. فليكن مصطلح "جندي أسير" بدل "جندي مختطف"، "أسرى فلسطينيون" بدل "مجرمون فلسطينيون"، "مقاتلو العدو" بدل "قتلة ملطخة أيديهم بالدماء" وكل شيء حينها سيكون دقيقا. ولكن، الإعلام الصارخ، الباحث عن رفع نسبة المشاهدة بأي ثمن، يصب الزيت على النار عبر اختيار الكلمات والمصطلحات.
اذاً، أولمرت واقع في حيرة. أيهما أكثر تأثيراً؟ تحرير الجندي، القابع، منذ عامين، في قبو مظلم بينما حياته معرضة للخطر، أو رفض اطلاق سراح "قتلة" ممن "تلطخت أيديهم بالدماء"؟ استقصاء سري يتلوه استقصاء شبيه ولا يوجد قرار.
المثال الثالث: سوريا
هنالك كأنما توجد مفاوضات. كأنهم يتحدثون عن السلام. دعا الأتراك ممثلو سوريا وإسرائيل الى فندق ما، سينتقل الممثلون من غرفة الى أخرى ويجرون مفاوضات "غير مباشرة".
وكل ذلك عبارة عن مسرح. نبيذ يُشرب من كؤوس فارغة، لا أحد يؤمن بسلام جاد يتم بموجبه طرد كل المستوطنين الإسرائيليين من الجولان، وحاليا يتم توسيع المستوطنات أكثر فأكثر.
فكرة أولمرت، القوة المعنوية والسياسية لإزالة تلك المستوطنات، هي فكرة سخيفة وهو أيضا لا يحلم بذلك وكإثبات على ذلك: لا يقوم حتى بأقل محاولة لتهيئة الجمهور لمثل ذلك الاحتمال، وأيضاً في أفضل الأحوال قد يحدث ذلك الأمر بعد عملية اقناع حثيثة وحازمة ترافقها عاصفة رفض عاتية من المواطنين.
اذاً، ما الحاجة لكل ذلك الاستعراض؟ لكل شيء أسبابه:
ـ بشار الأسد يستغل ذلك الأمر، بحكمة كبيرة، للخروج من "محور الشر"، ومن أجل افشال عملية أميركية عسكرية ضده (الخيار الذي وضع جانبا حاليا) والخروج من العزلة.
ـ حكومة تركيا، المهددة بالإسقاط من قبل الأعداء الداخليين بواسطة الجيش والقضاء، تحاول أن تكتنز ما تستطيع من الهيبة وتضع هدفها السياسي على رأس سلم الأولويات والذي يتمثل بالانضمام للاتحاد الأوروبي.
ـ حتى نيكولا ساركوزي، السريع، أدرك أن هنالك مكسبا يمكنه تحقيقه. بعد أن قام بجولة من التملق هنا بمرافقة زوجته الفاتنة (وقد اختفى كلامه ضد المستوطنات، تقريبا، من وسائل الاعلام) اليوم يريد أن يستقبل الأسد وأولمرت في باريس، ربما على طاولة واحدة، مع أو بدون مصافحة. أي شيء قد يكون أفضل بالنسبة لمن يوشك أن يتسلم رئاسة الاتحاد الأوروبي ومن يطمح ليكون نابليون الرابع؟
ـ ولكن، الرابح الأساسي من كل ذلك هو أولمرت. وقف خلف منبر الكنيست، وسط تهكمات وسخرية أعضاء حزب الليكود، وصرخ: "أنتم لا تريدون السلام"!.
ـ في هذه الحال، ذلك ليس أولمرت المرتشي، ليس أولمرت الفاشل، بل أولمرت الجريء الذي يضحي بنفسه على مذبح السلام، انه من سيحقق حلم الأجيال، إن أبقوه في الحكم.
المثال الرابع: فلسطين
كل ما سبق ذكره سبق إن كان فيما يخص العلاقات مع الفلسطينيين. يلتقون، يتبادل الطرفان العناق والوعود. الوسطاء موجودون بشكل كثيف وكل منهم يريد أن يحقق مكسباً، إلا أن كل تلك المفاوضات خالية من أي مضمون.
مؤخراً تم في برلين تقديم عرض مقزز، تحت رعاية أنجيلا ميركل، التي قامت هي أيضا بدورها برحلة تملق لدينا هنا، كان ذلك العرض هو تحت مسمى "المؤتمر من أجل الفلسطينيين". أي موضوع لم يطرح هناك؟ موضوع الاحتلال والتطهير العرقي المستمر في القدس.
عمَّ تحدثوا هناك؟ عن بناء الشرطة الفلسطينية، التي سترعى أمن الاحتلال!.
ومن كان نجم ذلك المؤتمر؟ توني بلير المحتوم، كوندوليزا رايس التراجيدية الكوميدية، وبالطبع تسيبي ليفني (التي طالبت في اليوم التالي بتوغل الجيش في قطاع غزة). جميعهم، جميعهم كانوا هناك من أجل السلام.
سابقاً كان الإسرائيليون مفتتنين بما يدور في ملعب كرة القدم وفي الملعب السياسي في آن واحد، كان هنالك تعلق عاطفي جياش لهذا وذاك، أما الآن فليس هناك إلا كرة القدم، والتي هي لعبة تجري وفق قوانين واضحة، حيث إن ما نراه هو الموجود، يمكن مشاهدة ذلك بدون أن تنقلب أمعاء المتابعين، بينما تسبب السياسة، لدى الجمهور، الاشمئزاز والغثيان.
هذا ثمن بقاء ايهود اولمرت.