
الأسرى وشبعا عنوانان لمعطيات دولية جديدة
05 تموز 2008
روزانا بومنصف - "النهار"
عمد "حزب الله" في الازمة السياسية التي نشأت بعد حرب تموز 2006 بفعل انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة واقامة الاعتصام في وسط بيروت الى مقاربة مختلفة حيال بعض الدول الاوروبية ديبلوماسيا وحتى الدول غير الاوروبية ايضا. وشهدت هذه المقاربة تقدما في الاشهر الاخيرة في شكل خاص يمكن معه القول ان الحزب حقق اختراقا، اذا صح التعبير، لدى عدد من رؤساء البعثات المعتمدين في لبنان الذين ابدوا بما يمثلون ومن يمثلون تفهما لوجهة نظر الحزب من مسائل لبنانية متعددة، في حين ان الشائع ان المجتمع الدولي يبدي تعاطفا ودعما اكبر للدولة اللبنانية ممثلة بالحكومة ومن ضمنها الاكثرية بما تمثل من فوز للديموقراطية في لبنان عبر انتخابات عام 2005. وبدا تفهم رؤساء البعثات الديبلوماسية في مراحل كثيرة في المدة السابقة في ما يتعلق بمطالب الحزب وبعضهم في ما يتعلق ايضا بما حصل في 7 ايار. وليس واضحا تماما ما اذا كانت الاكثرية او الحكومة مدركة لهذا الاختراق بالنسبة الى حوادث ايار، لكن الاكيد ان الحزب كسب بالنقاط الى حد كبير على الصعيد الديبلوماسي لاسباب يتصل بعضها بالاعتقاد ان الازمة لن تشهد حلا ما لم يأخذ الفريق الشيعي موقعه في السلطة السياسية باعتبار ان الازمة وصلت الى الحد الذي لا عودة عنه من دون هذا الثمن، بصرف النظر عما اذا كان هؤلاء يتفهمون موضوع استخدام السلاح في الداخل ام لا.
لكن حوادث ايار الماضي اظهرت دفعا وزخما دوليين بعدما شعرت الدول المؤثرة المعنية ان الدعم الذي قدم لاستقلال لبنان واستعادة سيادته بعد انسحاب القوات السورية منه في نيسان 2005 وانتشار الجيش في الجنوب للمرة الاولى منذ 30 عاما بموجب القرار 1701، ظل قاصرا عن توفير الركائز لديمومة الاستقلال والسيادة المستعادة. لذلك اظهرت تطورات ايار، في حال اخذت من منظار اقليمي ودولي في الصراع الدائر على ارض لبنان بين محوري سوريا وايران من جهة والغرب من جهة اخرى، ان الغرب يمكن ان يكرر تجارب سابقة في انزلاق الارض في لبنان من تحت قدميه، نظرا الى اعتبارات كثيرة لا مجال للدخول فيها. ومن هذه الزاوية يمكن القول ان حوادث ايار ساهمت مساهمة اساسية وكبرى في انضاج مسألتين تتعلقان بـ"حزب الله" اكثر من سواه. الاولى هي موضوع تبادل الاسرى والآخر هو وضع مزارع شبعا واستعادتها من اسرائيل على نار قوية، بما لا ينزع الذرائع من الحزب من اجل تبرير الاستمرار في حمل سلاحه فحسب، بل ينزع هذه الورقة المهمة ايضا من ايدي كل من سوريا وايران ايضا. ولذلك يسود اقتناع ان الضغط في موضوع مزارع شبعا حتى لو لم يؤد الى نتيجة تظهر غدا او بعد غد، يصب ايضا في خانة سوريا بالتحديد باعتبارها مسؤولة عن استمرار هذه المزارع تحت الاحتلال الاسرائيلي لرفضها تقديم الوثائق اللازمة عن ملكية لبنان لها. كما تضغط على سوريا من حيث ان فقدان استخدام ورقة "حزب الله" كليا في المبدأ ان في موضوع الاسرى او في موضوع تحرير المزارع قد يؤثر في وتيرة المفاوضات السورية - الاسرائيلية.
في اي حال، وايا يكن التوقيت الذي يمكن ان يسترجع فيه لبنان المزارع، فان معطيات جديدة دخلت على الخط ولا يمكن تجاهلها. واذا كان من تفسير لخطوة الحكومة البريطانية الاخيرة في شأن فرض حظر على الجناح العسكري لـ"حزب الله" - علما ان هذه الخطوة تبقى غير مفهومة في التفسير العملاني والتطبيقي - فهو السعي الى اظهار سلاح الحزب غير مبرر على الاطلاق بعد الآن ايا تكن الاسباب او الذرائع التي يمكن ان تبرز الى الواجهة.
فالمعالجة التي قصر عنها المجتمع الدولي طوال عقود هي معالجة اسباب الازمة في لبنان بينما كان ينصب الاهتمام في كل مرة على نتائج الازمات واحدة بعد الاخرى. وهذا منطق كانت تردده دول عربية كسوريا امام جميع من طالبها بوقف النزف في جنوب لبنان خلال عقود وهو يقول بتحرير الارض والاسرى وازالة كل الاسباب التي تبيح استخدام السلاح من اجل ذلك.
وتقول مصادر ديبلوماسية معنية ان هذه النظرة الى واقع الامور في لبنان بالنسبة الى التطورات الاخيرة وما يتعلق منها بسلاح "حزب الله" تكاد تكون شاملة وواحدة تقريبا على اختلاف المقاربات. فهناك من جهة النظرة الاميركية التي تضع الحزب على لائحة التنظيمات الارهابية لاعتبارات تتعلق بالتفجيرات التي وقعت ضد مواقع ومصالح اميركية في اوائل الثمانينات، وتدرك واشنطن ان الكثير مما قامت به اسرائيل ضد لبنان او ضد "حزب الله" خدم الحزب او صب في مصلحته بطريقة او باخرى، لكن واشنطن ترضخ عادة لما تعتبره اسرائيل مصالحها الامنية المباشرة حتى عبر الطلعات الجوية التي تنتهك فيها اسرائيل الاجواء اللبنانية، والتي كانت تشكل مبررات وإن صغيرة لاستمرار السلاح في ايدي الحزب. الا ان واشنطن لا تغفل في الوقت نفسه وجود الحزب سياسيا او اجتماعيا مع طموحها الى انهاء سلاحه.
وهناك الموقف البريطاني الذي تماهى كثيرا مع الموقف الاميركي ولم يعد يختلف عنه ولو عبر تصنيف الحزب كجناح "ارهابي" مسلح وجناح آخر غير مسلح لا يخضع للتصنيف نفسه.
وهناك الموقف الفرنسي الذي يشارك فرنسا فيه عدد من الدول الاوروبية التي تتواصل مع الحزب في لبنان وتستمع الى وجهة نظره، وهو اكثر تفهما مع مقاربة مختلفة في الشكل والجوهر، وإن كانت ترمي او تطمح الى ايجاد حل للسلاح، انما اختلاف هذه المقاربات يعتبره بعضهم سلبيا اذ افتقد المجتمع الدولي موقفا حازما داعما لكل القرارات الدولية التي طالبت بحصر السلاح في لبنان في ايدي السلطة اللبنانية وقواها الامنية، في حين يعتبر بعضهم الامر ايجابيا خصوصا لدى الاوروبيين الذين ترى غالبيتهم ان الولايات المتحدة لا تدرك سبل التعامل مع مسائل كثيرة في الشرق الاوسط نتيجة موقفها المنحاز في شكل اعمى لاسرائيل.
الا ان المتغير الحاسم، والذي لا يجوز تجاهله او التقليل من شأنه فهو الموقف العربي في شكل عام الذي شهد تحولا مهما بعد حرب تموز 2006 لجهة سلاح "حزب الله" واضحى هذا التحول نهائيا وحاسما ليس فقط عبر الاستناد الى قوة السلاح لشل لبنان سياسيا واقتصاديا خلال عامين من الازمة السياسية بل مع استخدام هذا السلاح في الداخل.
ومن هذه الزاوية بالذات، اضافة الى جملة المتغيرات الاقليمية التي تصب في الخانة نفسها، بات من المتعذر تجاهل تلاقي كل هذه الارادات بحيث يصعب في ضوئها القول ان ما كان قبلها يمكن ان يستمر بعدها ايضا.