
قلق حزب الله يحفر في مجرى التهدئة
05 تموز 2008
علي الأمين - "البلد"
الهدوء الذي اضفاه كلام الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على المشهد السياسي، ساهم في رفع منسوب التفاؤل بامكان تنفيذ بند حكومة الوحدة الوطنية في اتفاق الدوحة، فيما الحقيقة التي تترسخ والابرز في دلالات خطاب نصرالله الاخير، تثبيت ميزان القوى الجديد الذي نشأ بعد احداث ايار، فميزان القوى الناشىء ، يفيد ان هناك طرفا سياسيا لبنانيا وحيدا قادر على ان يمنح الهدوء اذا شاء ويحجبه ان اراد . وهذا الطرف السياسي هو حزب الله.
خلاصة ميزان القوى ان التفاهم على اسس جديدة هو بمثابة دعوة او عرض يقدمه حزب الله الى الاكثرية، بانه على استعداد للجلوس لصوغ المعادلة السياسية الجديدة في البلد، والقائمة على مابات مسلما به لدى قوى اساسية في الاكثرية ان سلاح حزب الله اوسلاح المقاومة خارج النقاش الفعلي، وهو حقيقة راسخة على الاخرين ان يبنوا حساباتهم السياسية من الان وصاعدا على هذه القاعدة.
على ان هذه الوقائع والاستنتاجات لاتلغي اسبابا اخرى تحفر في مجرى التهدئة الذي دشنه السيد نصرالله في خطاب الاعلان عن صفقة الاسرى، وهي ان حزب الله يستشعر في اعماقه، حربا ما سوف تخاض ضد ايران او ضربة عسكرية توجه اليها من قبل الادارة الاميركية مباشرة اوعبر اسرائيل. الى جانب ان النزعة النقدية واحيانا التشكيكية اتجاه الاداء السوري، بدأت تظهر هذه الايام لدى اوساط حزب الله، بعدما كان ذلك مما لا يسمع او يلاحظ او يظهر حتى في فلتات الالسن. القلق من الاتصالات السورية- الاسرائيلية ، يبرره ان حزب الله موضوع الحوار الرئيسي الى جانب الغموض المحيط بعملية اغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية في دمشق.
لذا هو ينحو نحو التهدئة، في سبيل التخفيف من حدة النفور الذي يكنه خصومه له، فهو لا يريد ان يكون سببا في تعطيل الحكومة، لكنفي الوقت نفسه قد لايكون متضررا في حال كان التعطيل مصدره طرف اخر، فاذا اصر الجنرال ميشال عون على زيادة منسوب شروطه للمشاركة في الحكومة المزمعة فلن يعلن حزب الله لا تاييده ولا اعتراضه . وهو في هذا السبيل وامام جملة من الاحتمالات المقلقة اقليميا في المدى المنظور، يحاول ان يؤمن كافة الشروط الملائمة لمواجهة اي خطر خارجي سواء من الاعداء او الحلفاء عبر فتح قنوات التواصل مع الجميع ، ونقل المشكلة من السجال حول سلاحه الى سجال اخر ولا باس ان يكون حول الجنرال والمسيحيين.
المشروع السيادي الذي تبنته الاكثرية، تلقى العديد من الصدمات من خصومه، والعديد من الخيانات من دعاته، ادت به الى ان يفقد الكثير من وهجه، ان يستدرج الى حيث تموت او تصاب بالعمى كل الافكار الجميلة ومشاريع الدولة، -ان يستدرجوه- الى المذهبية والطائفية، فتصدع المشروع وان لم يسقط الحلم ببناء دولة السيادة والاستقلال.
لم يعد في خضم التجاذب والصدام المذهبي من سبيل، سوى القبول بالعودة الى ركائز الحد الادنى من الدولة، اي الى الحد الذي يحول دون انتشار عدوى التوتير المذهبي، وانتشار حالة الجنون الى السلطة ولو على حساب القناعات والثوابت . المواجهة والتصعيد السياسي استدرج التصعيد الامني والعسكري، وفتح الشهية على الالتهام، والالغاء، وعزز من حضور خطاب التخوين، وثقافة الانغلاق وصار المذهب او الطائفة القمقم الذي سجن العقول. حتى صار من العجائب ان ترى العيب... الا اذا كان في الخصم، وهو هنا ليس فردا انه دين او مذهب... انهم مجموعة من الناس تتنوع امزجتهم وافكارهم ولكن.
لم يعد من افق متاح اليوم لاحداث خرق في هذا العقم السياسي، سوى بالذهاب مجددا نحو منطق الدولة والتسليم بالحياة المدنية وشروطها، واستخدام افضل المضادات الحيوية والوطنية لمنع الاستخدام الرخيص للانتماءات المذهبية وتقديمه للمتنفذين، سلاحا لا يقتل سوى الابرياء، ليزيد من رصيد القتلى في حسابات بعض الزعماء. لذا التقاطع على خيار التهدئة ولو لاسباب مختلفة وربما متعارضة يساهم في خلق مناخ جديد يفتح افقا جديدا للحلول والتسويات.