
لبنان في المعادلة السورية الفرنسية
06 تموز 2008
بشير البكر - "الخليج" الإماراتية
انطبعت العلاقات الفرنسية السورية في السنة الأولى من حكم الرئيس نيكولا ساركوزي، بالتجاذب حول الشأن اللبناني، فهو منذ وصوله إلى "الاليزيه"، وضع سكة خاصة للسير نحو سوريا، جعل من نقطة البداية فيها مسألة إسهام دمشق، على نحو ايجابي في ترتيب البيت اللبناني، وقال صراحة في مؤتمر السفراء الفرنسيين الذي عقد في نهاية آب من العام الماضي، إن شرط التطبيع بين باريس ودمشق هو مساعدة سوريا على تجاوز الوضع الصعب في لبنان.
وقد تحكمت هذه القاعدة بتحرك فرنسا في اتجاه سوريا عدة أشهر، وسارت على هديها بالتوازي مع عملها لجمع شمل اللبنانيين، لتأمين الاستحقاق الرئاسي في موعده المحدد، لكن فشل المسعى الفرنسي كشف أن التفاهم بين الطرفين لم يصل الى حد يدفع سوريا للتحرك من أجل مساعدة فرنسا، والدوافع من جانب دمشق واضحة، ويمكن تلخيصها في عدة أسباب: الأول هو أن دمشق لم تكن على عجلة، وكانت تريد أن تختبر نوايا فرنسا جيداً، وتتأكد من صدقها. هل هي صافية تماماً وليس فيها أي شائبة أمريكية مثلاً؟ فضلاً عن أنها ترغب في ألا تكون العلاقة محصورة بالتفاهم على الشأن اللبناني، بل أن يشمل كافة القضايا، وخصوصاً تصفية مخلفات الماضي. والثاني هو أن دمشق تريد من باريس التفاهم وفق منطق تبادل المصالح المشتركة، وليس تقديم خدمات مجانية.
ولأن الحكم السوري تجاوز مرحلة الضغوط، وبدأ يشعر بأنه لاعب له حسابه في لبنان والعراق وفلسطين، فإنه لم يكن على استعداد لتقديم خدمات مجانية مقابل الرضى الفرنسي عنه، وبالتالي فهو يعتبر أنه أمر مشروع حين يطالب بمقابل المساعدة في لبنان، ولاسيما أن باريس لم تكن قد أوضحت لسوريا جيداً، ما هو الوعد الذي ينتظرها، في حال سهلت مهمة التوافق اللبناني في ما يتعلق بالرئاسة. والسبب الثالث هو أن دمشق تنظر للأمر من زاوية مختلفة، وهي أن هناك صفحة من الشد والجذب بين البلدين فتحها الرئيس السابق جاك شيراك، وهي تتعلق بجملة من الاستحقاقات والمواقف، ويرى السوريون أن شيراك أراد لي يد الحكم في دمشق، وخصوصاً بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، ولهذا فإن دمشق تبدي حساسية خاصة تجاه المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين في اغتيال الحريري، ومنطلقها في ذلك الخوف من تسييسها، واستخدامها وسيلة ضغط هدفها زعزعة النظام. إن أحد أسباب تريث دمشق في الانفتاح نحو باريس هو الحصول على تعهدات قطعية بصدد هذا الملف وعدم تسييسه.
انطلاقاً من هذه الأسباب فإن لبنان لا يكفي وحده، ليكون مدخلاً لتصحيح العلاقات الفرنسية السورية، ولا أساسا تبنى عليه المصالح المشتركة بينهما. قد يصلح لأن يكون مفتاحاً للبوابة الموصدة، ولكنه لا يختصر القدر الكبير من التشابكات والعقد والمصالح والاعتبارات التي تدور في سوريا، أو ما يمثله هذا البلد بثقله ودوره ووزنه، ومن الأخطاء القاتلة أن هناك من يحاول أن يجعل العلاقات بين فرنسا وسوريا ملحقاً للخصوصية الفرنسية اللبنانية، وهذا فهم سياسي قاصر، ولا يمكنه أن يخدم تطوير العلاقات الثنائية، ولا أن يفيد لبنان بشيء، بل إن الأكثر فائدة للبنان هو وضعه في نصابه، وعدم زجه في التجاذبات الفرنسية السورية.
إن عدد الذين يخلطون في هذا الميدان كبير، الغالبية منهم لبنانية، ما تزال تعتقد أن فرنسا سوف تضحي بمصالحها مع سوريا من أجل لبنان، وهناك مسؤولون فرنسيون يسوقون هذه المغالطات نفسها، ومنهم وزير الخارجية بيرنار كوشنير، الذي يردد منذ انتخاب الرئيس اللبناني ميشال سليمان، أن فرنسا خاطرت في التسرع بالانفتاح على سوريا، وكان يجب عليها أن تنتظر حتى تشكيل الحكومة اللبنانية، ورغم ذكاء كوشنير فإنه تغيب عنه ثلاثة اعتبارات مهمة: الأول هو أن لسوريا حصة أساسية في اتفاق الدوحة، وما كان ليتم انتخاب سليمان من دون ضوء أخضر سوري. والثاني هو أن فرنسا سواء خاطرت في الانفتاح على دمشق أم تريثت، فهي لا تملك أوراق ضغط فعلية مؤثرة على دمشق، وكان في وسعها أن تنتظر أطول، فإن ذلك يبدو أنه لن يقدم أو يؤخر في الحسابات السورية الحالية. والثالث هو أنه بدا من خلال مسار الانفتاح الحالي، أن فرنسا هي التي تبدو بحاجة الى دمشق وليس العكس، وذلك لأسباب كثيرة، تتعلق بالمشاركة في مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"، والمفاوضات السورية الاسرائيلية، والوضع في العراق، والملف النووي الايراني... إلخ.
من هنا تبدو دعوات التريث تجاه دمشق ضعيفة، وأكثر منها ضعفاً تلك الأطروحات التي تقول إن التقارب مع دمشق يتم بهدف دفعها للابتعاد عن طهران، ولو أن هذا الانفتاح حصل بشروط غربية لكان من الممكن الركون الى هذه الفرضية، ولكن ما يحصل هو العكس. فالواضح حتى الآن هو أن الحكم السوري هو الذي يتم خطب وده.