
العهد لا يمكنه أن يفشل وأفرقاء يخشون أن يأتي عكس مصالحهم
حسابات ومؤشرات متناقضة حيال حوار مرتبط بموازين القوى
20 آب 2008
روزانا بو منصف - "النهار"
لا يعتقد مسؤولون دوليون ان الحوار الذي يتشاطر الافرقاء اللبنانيون في تحديد مواصفاته - كأنهم يرون البلد مرتاحا الى حد ممارسة ترف الجدل ورفاهيته حول جنس الملائكة المتعلق بطاولة الحوار - يمكن ان يعقد في وقت قريب، لسبب تقني رئيسي واحد على الاقل يتضمن مجموعة عوامل وعلامات استفهام كبيرة ابرزها ان هذا الحوار لا يمكن ان يكون كما الحوار السابق الذي عقد في مبنى البرلمان. لان السابق كان حوار الضرورة القصوى، اذا صح التعبير، ولم يتمتع بالمواصفات التي تؤهله للنجاح بظروفه ولا اهدافه، علما انه توصل الى انجاز بعض البنود التي لا يزال يتم التمسك بها، في حين ان الحوار الذي سيدعو اليه رئيس الجمهورية لا يمكن ان يكون عشوائيا ومن دون تحضير وتخطيط دقيقين مع الاعداد للاجابة عن كل الاسئلة المحتملة التي يمكن ان تطرح، ومع تحديد للمدة التي يمكن ان يستغرقها والهامش المتاح لذلك. اي ان الحوار يمكن ان يستمر اشهرا او سنوات ويستنزف طاقات كثيرة، علما ان ان رئيس الجمهورية لا يمكن ان يفشل في السنة الاولى من عهده في قيادة حوار بين اللبنانيين او ان يخاطر بامر من هذا النوع، في حين يبحث بعضهم في ما اذا كان في امكان رئيس الجمهورية ترؤس كل جلسات الحوار او انتداب من يمثله فيها، او ان يخاطر ايضا باستدراج جلسات لامتناهية او ان يحظى بحضور دولي او برئاسة دولية مختلفة. ذلك ان ثمة اقتناعا غالبا بان الحوار قد لا يسفر عن اي نتيجة قبل الانتخابات النيابية المقبلة، باعتبار ان الرهانات قوية على مرحلة ما بعدها والخيارات السياسية التي سترسم معالم المستقبل القريب في المبدأ. وهناك من يرجح الا يكون في مصلحة بعض الافرقاء، وخصوصا من المعارضة السابقة، خوض هذا الحوار في ظل موازين قوى يأمل هؤلاء الافرقاء في ان تتغير بعد الانتخابات. ويعتقد بعضهم ان من الصعوبة ادارة حوار حول امر له امتدادات اقليمية بازمات متفاعلة ومستمرة في المنطقة. اذ ليست اكيدة القدرة على عزل المناقشة في شأنه عن هذه المسائل.
ولا يمكن الحوار ان يتبنى عناوين عامة من دون الدخول في التفاصيل او وضع آليات تنفيذية لهذه العناوين. وثمة مجموعة كبيرة من الاسئلة اعدت وبحثت مع فريق عمل رئيس الجمهورية من جانب الامم المتحدة المعنية بطاولة الحوار من زاوية التزامها المساعدة في تنفيذ القرار 1701 المتعلق بالسلاح، وخصوصا ان هذا الحوار سيرتكز على بحث الاستراتيجة الدفاعية. ولا تبدو الامور بالسهولة التي عقد فيها الحوار في السابق، علما ان دولا عدة مستعدة لمساعدة لبنان وتقديم الخبرة التقنية التي يمكن ان يوفرها اختصاصيون معنيون في قضايا السلاح واستيعابه بناء على تجارب دولية، ومن هذه الدول سويسرا على سبيل المثال.
وفي حين يبدو تأخير الحوار محتملا من اجل التحضير له على نحو جيد وشبه كامل تأمينا لنجاحه، وان يكن جدول اعمال رئيس الجمهورية في الجولات الخارجية القريبة عاملا ضاغطا وذريعة مناسبة لهذا التأخير، الا ان هناك عوائق اخرى غير مريحة في مؤشراتها ترتبط بعاملين على الاقل احدهما امني والآخر سياسي. فما حصل في الساعات الاخيرة وتحديدا الحملة على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة لزيارته مصر، على رغم ان القرار اتخذ في مجلس الوزراء الذي عقد برئاسة رئيس الجمهورية ووضع الزيارة في اطار موازنة زيارة الرئيس العماد ميشال سليمان لسوريا، بما يسمح بالقول ان هؤلاء الافرقاء انما يسعون الى احداث صدع بين رئيسي الجمهورية والحكومة واستحداث عناوين جديدة للمعركة الانتخابية المقبلة. وقد بدأ التعكير على الزيارة من احد الوزراء من المعارضة سابقا الذين رافقوا السنيورة الى القاهرة. ثم ما حصل في جلسات مناقشة البيان الوزاري من محاولة منع رئيس الحكومة من الادلاء بموقف خارج مضمون البيان، ثم الحملات التي قامت لمنع النواب من التطرق الى بعض المواضيع. كل ذلك يؤشر الى صعوبة المرحلة حتى تقطيع الوقت وصولا الى الانتخابات النيابية واحتمال استخدام مواضيع الحوار والجدل في شأنها سلبا او ايجابا وفق التحالفات التي بدأت تعد وراء الكواليس، الى درجة الشك في الا تكون طاولة الحوار منبرا من المنابر المهمة لخوض الانتخابات.
وهناك، من جهة اخرى، الوضع الامني خصوصا في طرابلس الذي يثير مخاوف من ان يبقى كالجمر تحت الرماد يستشعر مخاطره الجميع ويتحسسون ابعاده، وضرورة توفير الظروف السياسية الموضوعية لانهائه. الا ان المواقف السياسية سرعان ما يستدرج احدها الاخر نحو مزيد من التصعيد. وهذا امر يتخوف منه كثيرون في الداخل وايضا في الخارج الذي تابع باهتمام طبيعة التفاهمات السياسية التي قيل انها وقعت لدرء الفتنة على اساس مقارنتها ببعض ما يجري في بعض دول المنطقة من امور مماثلة، وما تعنيه مثل هذه التفاهمات او ما يمكن ان تترجمه في الواقع.