|
|
عصر اللاقطبيّة |
ريتشارد هاس   "فورين افيرز" |
انتهى عصر الأحادية القطبية الأميركية، وستحدّد اللاقطبية العلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين. وسوف تتوزع القوة بدلاً من أن تتركّز، ويتراجع تأثير الدول ـــ الأمم مع تزايد تأثير الفاعلين في العلاقات الدولية من غير الدول. ولكن هذا ليس خبر سوء بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ فلا تزال واشنطن قادرة على إدارة الانتقال وجعل العالم مكاناً أكثر أماناً
يتّضح أنّ الميزة الرئيسة للعلاقات الدولية في القرن الواحد والعشرين هي اللاقطبية: عالم لا تهيمن عليه دولة أو اثنتان أو عدة دول حتى، بل عشرات الفاعلين الذين يمتلكون أنواعاً مختلفة من القوة ويمارسونها. ويمثّل ذلك تحوّلاً بالغ التأثير بالنسبة إلى الماضي. تميزت بداية القرن العشرين بتعددية قطبية. لكن بعد حوالى 50 سنة وحربَين عالميتَين والعديد من النزاعات الأصغر منهما، برز نظام اتّصف بثنائية قطبية. ثمّ، مع نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي، حلت محل الثنائية القطبية أحادية قطبية ـــــ أي نظام دولي تهيمن عليه قوة واحدة، هي الولايات المتحدة في هذه الحالة. ولكن القوة موزّعة، وتثير بداية عصر اللاقطبية عدداً من الأسئلة المهمة. فكيف تختلف اللاقطبية عن أشكال النظام العالمي الأخرى؟ لماذا وكيف أصبحت واقعاً؟ وما هي نتائجها المحتملة؟ وكيف يجب أن يكون ردّ فعل الولايات المتحدة؟
نظام عالمي أجدّ
على عكس التعددية القطبية، التي تتضمن عدة أقطاب أو تركّزات مختلفةً للقوة، يتميز النظام اللاقطبي الدولي بوجود مراكز عديدة تتمتع بقوة كبيرة. ما من قوة مهيمنة في النظام المتعدد الأقطاب، إلّا وتحوّلت إلى نظام أحادي القطبية. ولا تتمحور تركّزات القوة حول موقعَين، وإلّا أضحى النظام ثنائي القطبية. يمكن أن تكون الأنظمة المتعددة الأقطاب متعاونة، ويُفترض بها حتى أن تتخذ شكل اتحاد قوى يعمل فيه عدد صغير من القوى الكبرى، بعضه مع بعضه الآخر، لتحديد قواعد اللعبة وتأديب من يخرقها. وقد تكون أكثر تنافسية فتتمحور حول توازن للقوة، أو متنازعة عندما يختلّ التوازن.
للوهلة الأولى، قد يبدو عالم اليوم متعدد الأقطاب. فالقوى الكبرى ـــــ الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا والولايات المتحدة ـــــ تضم أكثر بقليل من نصف عدد سكان العالم، وتعدّ 75 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و80 في المئة من الإنفاق الدفاعي العالمي. غير أنّ المظاهر قد تكون مخادعة. فعالم اليوم يختلف جوهرياً عن عالم التعددية القطبية التقليدية: فثمة مراكز قوة أكثر بكثير، وعدد من هذه الأقطاب ليس دولاً ـــــ أمماً. وتتمثل أبرز ميزات النظام الدولي المعاصر طبعاً بأنّ الدول ـــــ الأمم فقدت احتكارها للقوة وتفوّقها في بعض المجالات أيضاً. فالدول تواجه تحديات من أعلى تمثّلها المنظمات الإقليمية والعالمية؛ ومن أسفل مصدرها الميليشيات؛ ومن الجانب تطلقها منظمات غير حكومية وشركات. فقد صارت القوة اليوم في قبضة أيادٍ عديدة في أمكنة عديدة.
إضافةً إلى القوى العالمية الكبرى الست، ثمة قوى إقليمية عديدة: البرازيل، ودول أخرى قد يكون اعتبارها من هذه القوى الإقليمية مسألة قابلة للنقاش، وهي الأرجنتين والتشيلي والمكسيك وفنزويلا في أميركا اللاتينية؛ نيجيريا وأفريقيا الجنوبية في أفريقيا؛ مصر وإيران وإسرائيل والمملكة العربية السعودية في الشرق الأوسط؛ الباكستان في جنوب آسيا؛ أوستراليا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية في شرق آسيا وأوقيانيا. وتضم لائحة مراكز القوة عدداً لا يُستهان به من المنظمات، بما فيها العالمية (صندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة والبنك الدولي)، والإقليمية (الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، ورابطة شعوب جنوب شرق آسيا، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة الدول الأميركية ورابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي)، وتلك المحدّدة المهمة (وكالة الطاقة الدولية، والأوبيك، ومنظمة شانغهاي للتعاون ومنظمة الصحة العالمية). وتشمل كذلك ولايات ضمن الدول ـــــ الأمم مثل كاليفورنيا وأتار راديش، ومدناً مثل نيويورك وساو باولو وشانغهاي. ثم هناك الشركات العالمية الكبيرة، بما فيها تلك التي تسيطر على عوالم الطاقة والمال والصناعة. أما المؤسسات الأخرى التي تستحق أن تُدرج هنا، فهي وسائل الإعلام العالمية (الجزيرة، وهيئة الإذاعة البريطانية ومحطة السي أن أن)، والميليشيات (حماس، وحزب الله، وجيش المهدي وحركة طالبان)، والأحزاب السياسية، والمؤسسات، والحركات الدينية، والمنظمات الإرهابية (القاعدة)، واتحاد تجار المخدرات، ومنظمات غير حكومية من نوع أقل خطورة (مؤسسة بيل وميليندا غايتس، وأطباء بلا حدود، ومنظمة السلام الأخضر). فعالم اليوم يصبح بشكل متزايد عالماً تتوزّع فيه القوة بدلاً من أن تتركّز في موقع واحد.
تمثّل الولايات المتحدة أكبر تجمّع منفرد للقوة في هذا العالم، وستبقى كذلك حتى أمد بعيد. فهي تنفق أكثر من 500 مليار دولار سنوياً على قواتها العسكرية ـــــ وأكثر من 700 مليار إذا ضُمّت إليها العمليات في أفغانستان والعراق ـــــ وتمتلك قوات برية وجوية وبحرية هي الأقدر في العالم. أما اقتصادها، الذي يبلغ ناتجه المحلي الإجمالي 14 تريليون دولار، فهو الأكبر في العالم. كما تمثّل الولايات المتحدة مصدراً رئيساً للثقافة (عبر الأفلام والتلفزيون) والإعلام والابتكار. لكن حقيقة القوة الأميركية يجب ألّا تحجب التراجع النسبي لموقع الولايات المتحدة في العالم ـــــ ومع هذا التراجع النسبي للقوة تراجع مطلق في التأثير والاستقلالية. فقد انخفضت حصة الولايات المتحدة من الواردات العالمية بنسبة 15 في المئة حتى الآن. وعلى الرغم من أنّ ناتجها المحلي الإجمالي يمثّل أكثر من 25 في المئة من مجمل الناتج العالمي، فمن المؤكد أنّ هذه النسبة ستنخفض مع الوقت نظراً إلى الفارق الحالي والمتوقع بين معدل نموّ الولايات المتحدة ومعدلات نمو الدول العملاقة الآسيوية والعديد من الدول الأخرى، علماً أنّ عدداً كبيراً منها ينمو بمعدل يبلغ ضعفَي أو ثلاثة أضعاف معدل نمو الولايات المتحدة.
لا يكاد الناتج المحلي الإجمالي يكون الدليل الوحيد على زوال الهيمنة الاقتصادية الأميركية. فنشوء صناديق الثروة السيادية ـــــ في دول مثل الصين والكويت وروسيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارت المتحدة ــــــ هو دليل آخر. فقد أصبحت القيمة الإجمالية لخزانات الثروة هذه الخاضعة لسيطرة الحكومة تبلغ اليوم 3 تريليون دولار، علماً أنّ معظمها تأتّى عن عمليات تصدير النفط والغاز. وهي تنمو بمعدل متسارع يبلغ تريليون سنوياً، وتمثّل مصدر سيولة متزايد الأهمية بالنسبة إلى الشركات الأميركية. فأسعار الطاقة المرتفعة، التي يغذيها بشكل رئيس ارتفاعُ الطلب الصيني والهندي المفاجئ، ستبقى لبعض الوقت، ما يعني أن حجم هذه الصناديق وأهميتها سيستمران في التنامي. وتبرز بورصات بديلة تتقدم على شركات من البورصات الأميركية، حتى إنها تطلق عروضاً أولية للاكتتاب العام. لندن خصوصاً تنافس نيويورك على تبوأ المركز المالي العالمي، وقد سبقتها من زاوية عدد الاكتتابات التي سُجّلت فيها. وضعف الدولار أمام اليورو والجنيه الاسترليني، ومن المرجح أن تتراجع قيمته بالنسبة إلى العملات الآسيوية أيضاً. وصارت معظم ممتلكات العالم بالعملات الأجنبية اليوم، بعملات غير الدولار. أما الخطوة الهادفة إلى تعيين اليورو أو مجموعة عملات أجنبية كعملات للمتاجرة بالنفط، فهي واردة، ومن شأنها أن تزيد من ضعف الاقتصاد الأميركي أمام التضخم وأزمات العملة أيضاً.
يواجه التفوق الأميركي أيضاً تحديات في مجالات أخرى، مثل الفعّاليّة العسكرية والدبلوماسية. فإجراءات الإنفاق العسكري ليست كإجراءات القدرة العسكرية. وقد أظهر 11 أيلول/سبتمبر كيف أنّ توظيف مبلغ ضئيل من المال يقوم به إرهابيون قادر على التسبّب بمستويات رهيبة من الأضرار البشرية والمادية. والعديد من القطع الأغلى ثمناً بين الأسلحة الحديثة ليس مفيداً جداً في النزاعات الحديثة حيث تحل محل ساحات المعارك التقليدية مناطق قتالية مدينية. ففي مثل هذه البيئات، يمكن أن تُثبت أعداد كبيرة من الجنود المدججين بأسلحة خفيفة أنها فعّالة أكثر من أعداد أصغر من الجنود الأميركيين الذين تلقّوا مستوى عالياً من التدريب ويحملون أسلحة أفضل.
يتضاءل الارتباط بين القوة والنفوذ في عصر اللاقطبية. وسوف تميل دعوات الولايات المتحدة إلى الآخرين ليقوموا بإصلاحات إلى الوقوع في آذان صماء، ويقل عدد الذين تستطيع الولايات المتحدة أن ترشوهم ببرامج المساعدة الأميركية، كما تعجز العقوبات المفروضة بإدارة الولايات المتحدة عن تحقيق ما كانت تحقّقه. ففي النهاية، أثبتت الصين أنها البلد الأقوى تأثيراً في برنامج كوريا الشمالية النووي. وتعززّت قدرة واشنطن على الضغط على طهران بمشاركة العديد من الدول الأوروبية الغربية ـــــ وضعفت بامتناع الصين وروسيا عن فرض عقوبات على إيران. وقامت كل من بايجينغ وموسكو بالتخفيف من المساعي الدولية للضغط على حكومة السودان من أجل إنهاء حربها في دارفور. في هذه الأثناء، أظهرت الباكستان تكراراً قدرة على مقاومة استعطافات الولايات المتحدة، كما فعلت إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا والزيمبابواي.
ويمتدّ هذا الاتجاه أيضاً ليشمل عالمَي الثقافة والإعلام. فبوليوود تنتج أفلا%E |
|
نهاية زعيم و زعامة؟ |
علي الأمين   "البلد" |
- مفاعيل ما بعد 14 شباط 2005 على وشك الانهيار الكامل
- جنبلاط تجاوز كل الخطوط الحمر عندما تجرأ على السفير الايراني
علي الامين البلد 12 ايار 2008
يبدو ان اللبنانيين باتوا اليوم امام صورة جديدة تمهّد لالغاء كل مفاعيل ما بعد 14 شباط 2005 ،لقد سقطت سلطة 14 آذار التي قامت على خلفية المواجهة مع الوجود السوري العسكري والسياسي الى جانب شعار بناء دولة السيادة والاستقلال، لا يعني ذلك ان جحافل الجيش السوري ستدخل الى لبنان مجددا في الايام القليلة المقبلة، بل ستتكفل الماكينة السياسية العسكرية والامنية للمعارضة بقيادة حزب الله تأمين مستلزمات الوجود السوري ومتطلباته.
المحكمة الدولية قد تكون اولى الضحايا لمشروع السلطة الجديدة في لبنان وبداية نهاية زعامة بيت الحريري في لبنان . ففي حين لم يقض اغتيال الرئيس رفيق الحريري على هذه الزعامة يبدو ان المشهد الاخير الذي يتشكل يوحي بنهاية سياسية لهذه الزعامة التي مثلها النائب سعد الحريري منذ اغتيال والده.
اذ لم يعد مقبولا ان تبقى هذه الزعامة التي قامت على دماء الحريري والمواجهة مع النظام السوري، ان تستمر في المعادلة الجديدة الاعلى قاعدة الاستسلام والانقلاب على خطها السياسي. وعلى رغم ان خطاب حزب الله وزعيمه لم يتطرق مباشرة الى النائب الحريري في يوم بدء اجتياح الاهالي لمدينة بيروت (بحسب ما يصف اعلام المعارضة ومسؤولوها) فان ما يجري هو اسقاط هذه الزعامة سياسيا باظهار عجزها عن المواجهة ورضوخها من جهة، وايصال رسالة من قيادة حزب الله مفادها ان القائد الفعلي للموالاة والحكومة هو النائب وليد جنبلاط من جهة ثانية، فحتى الرئيس فؤاد السنيورة هو مجرد موظف ليس اكثر في حكومة جنبلاط كما قال الامين العام لحزب الله.
الاهالي الذين "حرروا" بيروت من سلطة تيار المستقبل انتقلوا انفسهم "لتحرير" الجبل من سطوة وليد جنبلاط الذي تجاوز الخطوط الحمر ، فالزعيم الدرزي (حتى الآن) تطاول على الدولة الاقليمية التي بذلت في لبنان الكثير من اجل المقاومة، ولتثبيت وضعية استراتيجية لها في هذا البلد، وعشرات المليارات من الدولارات صرفت من اجل هذا المشروع منذ العام 1982 ، لذلك ليس من السهل تمرير موقف جنبلاط وحلفائه الذي دعا لطرد السفير الايراني من لبنان. وهذا موقف لن تتساهل بشأنه ايران في لبنان ولن تنظر بعين الخجل او تقبله في هذه الأوقات بسعة صدر، لذلك كان هذا الموقف من السيد نصرالله الذي عبر عن غضب شديد واحتقار لحليفه السابق وعدوه الحالي.
الذي دفع حزب الله- عفوا- الاهالي للانتفاضة على تيار المستقبل والحزب الاشتراكي وبقية قوى 14 آذار غير المسيحية حتى الآن، هو تغيير المعادلة السياسية القائمة في البلد، ومخاطرة حزب الله بتوجيه السلاح نحو الداخل وفي وجه خصومه السياسيين، فرضته قراءة لدى حزب الله مفادها انه سيتعرض لحرب داخلية او خارجية، فيما ترى مصادر موالية انه لم يعد يحتمل ابقاء لبنان في موقع ملتبس حيال المحور الايراني-السوري .
وفي المواجهة التي يستمر في خوضها اليوم في القسم المسلم من البلد، تمهيدا لاستكماله بوسائل اخرى في الشق المسيحي، يحرص حزب الله على تجاوز التداعيات المذهبية جراء "انتفاضة الاهالي" الذين يبدو ان غالبيتهم من الطائفة الشيعية، وفيما تحتل وجوه سنية سياسية ودينية شاشته واثير اذاعته للتخفيف من حدة التداعيات المذهبية، فان الفريق الامني السياسي الذي تديره القيادة العليا المحلية والاقليمية، تسعى الى التوصل الى استسلام الموالاة بشكل يفجر الاحتقان لدى الجمهور في وجهها وليس في وجه المعارضة او حزب الله، على قاعدة ان هذه القيادة سواء في قريطم او السراي او كليمنصو، ليست في مستوى ما رفعت من شعارات وسقطت عند اول تحد حقيقي. فيما يبدو مفتي الجمهورية الذي انتفض قبل ايام قد اقتنع بالمشهد الجديد وبات اكثرهدوءا من السابق، اما النائب سعد الحريري الذي بنى زعامته على ارث والده وشهادته هو اليوم امام مفترق طرق سوف تقرر ليس مستقبله السياسي فحسب بل تيار المستقبل وموقعه في المعادلة السياسية اللبنانية. وفي هذه الايام سعد الحريري امام محك الزعامة الحقيقية وليس اقل |
|
بعد 3 سنوات من 7 أيار 2005 لماذا ضربت الموالاة التجربةالتاريخية لماري انطوانيت؟ |
ليلى رحباني   "الثبات" |
في 7 أيار 2005 عاد العماد ميشال عون إلى لبنان، مختتماً مرحلة طويلة من النضال والنفي والمقاومة. وصل في خضم مرحلة تحولات هامة في لبنان ساد فيها الأمل بأن الزمن الغابر قد تبدل، وان الوطن مقبل على طي صفحة طويلة من الاقطاعية والطائفية والأحزان والآلام، وأنه حان لمواطنيه أن يعيشوا جنباً الى جنب، بدون وصاية ولا نفوذ مخابراتي، ولا تدخلات أجنبية.
لطالما حلم الشباب بالتغيير، وزوال الاقطاع السياسي والديني والمالي الذي تحكم بمصيرهم لعقود طويلة، وتمنى اللبنانيون زوال الوصايات، والوصول إلى زمن تصبح فيه الكفاءة والاستحقاق معياراً للوصول، وليس للاستزلام ومسح الجوخ والزحف امام الاقطاعيين والفاسدين. آمنوا بان زمن التغيير قد بدأ، وان التحولات التي جرت في لبنان والمنطقة لا بد من ان تجلب لهم قدرة على تغيير الهيكلية التسلطية في مجتمعهم.
لقد آمن الشباب بقدراتهم وإمكانياتهم عندما شعروا أن نزولهم الى الساحات كان سبباً أساسياً في التحولات الحاصلة، فلقد كان لما حصل في آذار 2005 مفعول السحر بالنسبة للجميع: فثمة فريقين على طرفي نقيض في السياسة، لكن الاختلاف السياسي لم يؤدِ الى التصادم، بل كانت اليافطات في التظاهرات تجيب بعضها البعض كفرق الزجل اللبناني، ومطلقة النكات السياسية القارصة في الكثير منها. نزلوا في مظاهرتين متباينتي التوجه السياسي ولم يتقاتلوا، بل كان شباب طرفي النزاع مؤمنين بقدرتهم على التأثير وايصال الرسالة السياسية التي يريدون.
فجأة سُرق الحلم وتبدد الايمان بالتغيير، وانهارت الامال بحرية وسيادة واستقلال حقيقيين.
كشّر الإقطاع والطائفيون عن انيابهم، وهجم العبيد والمستزلمون يغيّرون "الوصي"، ويخلعون عليه العباءة. وبدأت السرقات المتتالية:
فقد سرقوا قانون الانتخاب، واقاموا انتخابات نيابية بقانون "كنعان -الحريري-المر" الذي سرق التمثيل الشعبي وزوّر الارادة العامة، وعطل المجلس الدستوري حيث بات النواب مطعونا بشرعيتهم.
- سرقوا السلطة التنفيذية بتحالفات غش وخداع، وتآمروا وأغدقوا الوعود على الداخل، وقطعوا الالتزامات المعاكسة للخارج.
- سرقوا حياة بعضهم البعض، وتوالت الاغتيالات والاعمال الارهابية الاجرامية التي كشف النقاب عن بعض مرتكبيها مؤخراً.
- تآمروا مع العدو على أهلهم وبلدهم، وقدموا له الشاي والتسهيلات والمعلومات لقتل المقاومين والاهالي. ثم سرقوا فرحة الانتصار على أقوى جيش في المنطقة، بالدفع نحو أزمة سياسية خانقة، وأرادوا الانتقام من المقاومة فحمّلوا لبنان وشعبه ذنب الانتصار.
- أغاظتهم المؤسسة العسكرية، لأنها البقية الباقية من مؤسسات تؤشر إلى وحدة الوطن الذي يريدونه مقسماً اقطاعيات طائفية على قياسهم. حقدوا عليها بسبب عقيدتها، وكرهوها لانها لم تمتثل لأوامرهم وهم يريدونها مطية في يدهم وعصا يضربون بها معارضيهم، فدبروا لها المكيدة تلو الأخرى: فخ جهنمي في نهر البارد، اغتيال لمدير عملياتها والمرشح المستقبلي لقيادتها، مناورة لحرق قائدها، اقتصاص من قادتها الشرفاء...
- عابوا على دول الجوار تسلطها واستفاءات 99.99%، ولم يتورعوا عن القيام بأبشع منها، عندما ضرب رئيس حكومتهم عرض الحائط برأي أكثر من مليون ونصف مليون مواطن نزلوا لمطالبته بالرحيل.
- كما سرقوا لقمة الشعب ورغيف خبزه ومال المكلفين، حتى أصبحت الأغلبية الساحقة من اللبنانيين تحت خط الفقر.
كل ذلك لم يكفهم، فالطمع وشهوة السلطة والتسلط وحب الاستئثار لا يشبع أبداً، فكان قرارهم الاخير بقطع عنق المقاومة وتحويل قادتها الى المحاكمة بسبب حملها السلاح للدفاع عن لبنان. هدف لم يستطع العدو تحقيقه خلال عدوان تموز 2006 على لبنان، وفشلت المؤامرات الدولية والداخلية في تحقيقه من خلال المحكمة الدولية، لذا طُلب من الحكومة المتعاملة أن تحققه بنفسها.
وبين 7 أيار 2005 و7 أيار 2008: ثلاث سنوات طويلة جداً من عمر وطن أدخلوه إلى الضريح ولم يشاؤوا إخراجه. القهر والظلم استفحلا، الاستبداد والتسلط صارا عنواناً لسلطة قاهرة لشعبها ومعتدية عليه في حقوقه وأمنه ولقمة عيشه، وفاحت رائحة العمالة والصفقات والجرائم وغطت أخبارها الصحف ووسائل الاعلام.
لم تتعظ الموالاة من تجربة "ماري انطوانيت" التاريخية الشهيرة، ولم يقرأوا ما حصل في دول الاتحاد السوفياتي السابق، ولم ينتبهوا الى ما حصل مع حلفائهم من تجارب الدعم الخارجي الذي أوصلهم اما الى السجون أو إلى القبور... فأتى وقت الحساب في 7 أيار.
يوم لم يعد الشعب قادراً على تحمل القيود الخارجية الثقيلة، ولم يعد يستطيع إطعام أطفاله وعوداً ربيعية فارغة، فكانت الثورة التي تدفغنا إلى التساؤل عما إذا كانت ستستمر.
فيكون تاريخ 7 أيار 2008 بداية عودة الإيمان بالقدرة على التغيير إلى نفوس الشباب؟ هل سيكون يوماً للمحاسبة التي لم تقم يوماً في تاريخ لبنان، أم أن الوساطات ستبدأ وتسقط الاحلام؟ هل سيُكرّس هذا اليوم تاريخاً للقضاء على مشاريع العمالة والاستقواء بالخارج، أم أن الاقطاع الديني والسياسي والمالي سيعود إلى الالتفاف فيقنص فرصاً جديدة من خلال المبادرات العربية والدولية؟.
انفجر الغضب المقدس، وحل زمن التغيير وتحطيم القيود الطائفية والاقطاعية، فحذار الاستهتار بجوع الفقراء وأحلام أطفالهم، فقد أعذر من أنذر.. |
|
وليد جنبلاط يستعد لدفع ثمن تقلباته |
علي الشريفي   "الوسط" البحرينية |
نعرف أن زعماء الأقليات دائماً ما يحاولون الوقوف على الحياد حتى وإن سنحت لهم فرصة الاصطفاف مع الطرف الغالب، لأن الأقليات تبقى هي الطرف الأضعف في أي صراع، وخسارتهم غالباً ما تكون قاسية وصعبة الترميم داخل المجتمعات غير المتجانسة.
نقول زعماء الأقليات غالباً ما ينأون بأنفسهم وجماعاتهم عن أي صراع محلي أو خارجي حفاظاً على كينونتهم داخل البلد الواحد، لكن مع ذلك تبقى هناك قلة من الزعماء من يجازف فيدخل طرفاً مع هذه الجهة أو تلك من دون دراسة النتائج، أو ربما لطموح شخصي غير مضمون، ومن بين هذه القلة الزعيم الدرزي في لبنان وليد جنبلاط.
جنبلاط المعروف بتقلب مواقفه السياسية المثيرة للجدل، يقف الآن وسط صراع سياسي ومذهبي قد تدفع طائفته ثمن سياساته وتصريحاته المتشنجة، فموقفه الذي تغير على مدى أربع سنوات بين المعارضة مرة والموالاة مرات طالما كان يثير مع كل تصريح علامات استفهام داخل لبنان وخارجها.
صحيح أن الطائفة الدرزية تعد من بين أعرق الطوائف في لبنان، والتاريخ يشهد لها بمواقف عدة على مدى قرون، حيث كان للدروز دور مهم في تأسيس الدولة اللبنانية الحديثة، إلا أن هذا الدور الإيجابي يأتي من مستوى قياداتها التاريخية وقدرتهم على تحمل مسئولية الحفاظ على وحدة وسلامة أفراد هذه الطائفة.
جنبلاط لعب باسم عائلته وأقحمها وسط لهيب الصراع الدائر داخل الطوائف في لبنان، ليطلب أمس ممن عاداهم طوال سنين مضت بألا يجعلوا الطائفة الدرزية تدفع ثمن «خلاف سياسي» بينه وبين الآخرين.
جنبلاط طلب من الآخرين ألا يقحموا طائفته في وقت كان يتحدث بالهمز واللمز ويحرض ضد طائفة كبيرة في لبنان باعتبارها سلمت البلد إلى دول أخرى.
طموح جنبلاط في الحصول على مكاسب سياسية واعتبارية غير مدروسة العواقب بدأت تؤثر على مستقبله ومستقبل طائفته في لبنان، فوليد جنبلاط الذي كان في يوم من القوة بحيث يسعى خلال اتفاق الطائف العام 1989 إلى تأسيس مجلس سياسي جديد في لبنان باسم مجلس الشيوخ ليكون رئيساً له - مقابل الرئاسات الثلاث الأخرى المارونية والسنية والشيعية - باعتباره زعيم رابع طائفة دينية وثقافية في لبنان، نراه الآن يتقهقر أمام زعامات درزية منافسة عرفت كيف أن تتعامل بطريقة دبلوماسية مع الأحداث ولا تقطع خيوطها مع الآخرين حتى ولو كانت محسوبة على طرف دون آخر، مثل عائلة أرسلان التي يمثلها السياسي المعارض طلال أرسلان.
جنبلاط أخطأ وعليه دفع الثمن الذي قد يكون التنازل عن الزعامة أحد الحلول لحماية طائفته، عندها سينهي حقبة حكم عائلة كانت ومازالت تمثل الدروز منذ عشرات السنين، لتنتهي عند سياسي بات مستعداً لدفع الثمن. |
|
هكذا استعدّ أنصار وئام وهّاب للمعركة
|
غسان سعود   "الأخبار" |
تزامناً مع بدء تنقّل الإشكالات في الجبل من خلدة إلى عاليه، قرابة الساعة الثامنة من مساء يوم الجمعة، كانت السيارة تنطلق من محيط السفارة الكويتيّة، حيث يسكن الوزير السابق وئام وهّاب في اتجاه بلدته في الشوف، الجاهليّة. وكان السائق القابض على سلاحه بين رجليه، وفي يده جهاز اتصالات لاسلكي ينسّق من خلاله مع ثلاثة «رفاق» يؤمّنون الطريق خوفاً من «حواجز اشتراكيّة طيّارة»، يتصل أيضاً برفاقه في عاليه ليتأكد من تنفيذ التوحيديين (مناصري وهّاب) والحلفاء مطالب «الأستاذ» بالرد بالمثل على استعراضات الاشتراكيين، سواء في رفع الأعلام أو إقامة الحواجز أو التدقيق في الهويّات أو إطلاق النار
من حاجز الجيش في الدامور، يبدأ حبس الأنفاس، فتزيد سرعة السيارة المستأجرة التي تخرق صمت الجبل الشوفي الغارق في ظلمة زادها انقطاع الكهرباء رهبة. ويشرح السائق توزّع مقاتلي جنبلاط على التلال الخضراء، وخصوصاً قبّة الروس، وإشرافهم منها على الساحل، وتحكّمهم بطريق الشوف. ولاحقاً، يأتي سؤال الوزير السابق وئام وهّاب عن تحرك الجيش اللبناني باتجاه المراكز العسكريّة المتحرّكة والثابتة للحزب الاشتراكي على امتداد الشوف ليزيد مهمات السائق، الذي يستفسر عن الموضوع من «الرفاق» الموزّعين في كل بلدات المنطقة، يراقبون عن كثب كل التحرّكات الاشتراكيّة.
ووسط تداخل الأصوات على أجهزة اللاسلكي، ومعظم أصحابها يحملون أسماءً ذات نكهة وهّابيّة، يصل السائق إلى مفرق بلدة الجاهليّة ليتأكد من انتشار الجيش بدل مسلّحي الاشتراكي. ويشير بيده إلى أن بلدة كفرحيم، المطلّة على الجاهليّة، ستفاجئ جنبلاط كثيراً، وستبتلع من أتوا من أعالي الشوف، ليتمركزوا فيها وفي «قبّة الروس»، للانقضاض على بلدة الجاهليّة ومؤيّدي وهّاب في لحظة الصفر.
في بلدة سمار جبيل، البلدة التي هجّر الاشتراكيون أهلها المسيحيين خلال الحرب ولم يعد معظمهم حتى اليوم، يبدو القمر جميلاً، ويسود هدوء تام، على عكس الجاهليّة التي يجتمع معظم رجالها في قصر وهّاب، يضعون اللمسات الأخيرة على خطة قمع الهجوم الاشتراكي، الذي يقول الرجال المقاتلون السابقون في الاشتراكي والشيوعي والقومي، إنّ حصوله صعب لثلاثة أسباب رئيسية:
أوّلها، معرفة جنبلاط بنوعيّة أهل الجاهليّة التي لم يستطع الجيش السوري دخولها، والتي رصّت خط تماس على امتداد 4 كلم (يحتاج 150 مقاتلاً) في مواجهة القوات اللبنانيّة (التي كانت تعتقد بأن سقوط الجاهلية مدخل أساسي لسقوط الشوف). وقد كتب الشاعر شوقي يزيد عدة قصائد عن رجم أهلها بالحجارة والمناجل للإسرائيليين حين مرّوا بها.
ثانيها، الحصار المفروض على جنبلاط في قصره في كليمنصو، وخوفه من ردٍّ موجع لحزب الله في حال تعرّضه لحلفاء الحزب.
ثالثها، والأهم، يقول الناس، عدم تحمّل جنبلاط فتنة درزيّة ــــ درزيّة تستمر مفاعيلها الثأريّة إلى ما بعد بعد عهد ابنه تيمور.
غرفة العمليّات الأساسية للمعارضة في الشوف هي في الطابق السفلي من منزل وهّاب، حيث توجد غرفتان: واحدة يجتمع فيها معظم المقاتلين، وهؤلاء ثلاث فئات: واحدة تضم متقاعدين معظمهم متخصصون في الحراسة والمراقبة الثابتة، وتتألف الثانية من الشبّان الذين يتمترسون في نقاط ثابتة سريّة على طول امتداد الشوف ودون استثناء أية بلدة، ومعظم هؤلاء صغار في السن، لا يتخطى عمرهم الخامسة والعشرين. وتضم الفئة الثالثة مقاتلين تدلّ ملامحهم ورواياتهم واحترامهم بين زملائهم على قوّتهم وتمايزهم القتالي، وغالبيتهم، كما يقولون، تلقّوا تدريبات عسكريّة بإشراف زملاء لهم في المعارضة متخصّصين في القتال.
في وسط هذه الغرفة، ثمّة طاولة للطعام، عليها بعض المعلّبات، وعدة صناديق مشروبات غازيّة. وفي إحدى زواياها عدد من الفرش فوقها بضع بنادق كلاشنيكوف وجعب. وفي الزاوية المقابلة، يوجد تلفاز صغير «لا يلتقط غير بثّ المنار». ويقول بعض الشبان إن وجودهم في هذا المكان مرتبط أساساً بوجود التلفاز، إذ ما من كهرباء في منازلهم ليتمكنوا من متابعة آخر التطورات.
أما الغرفة الثانية، وهي أشبه بغرفة القيادة، فتوجد في إحدى زواياها طاولة يتحلّق حولها شخصان يتابعان عبر الأجهزة اللاسلكية كلّ التفاصيل الميدانيّة والمعلومات، الأمنية وغير الأمنية، عن تحرّكات أنصار جنبلاط في بلداتهم، وحتى داخل منازلهم. ويعمل الشخصان على ربط المعلومات التي تصلهم بعضها بالبعض الآخر. أمّا في الزاوية الأخرى، فثمة خزانة كبيرة توجد فيها بنادق كلاشنيكوف وبضع قنابل وبعض العتاد الحربي.
بسرعة، يوعز السائق ــــ المسؤول عن المجموعة إلى المسلّحين المتمركزين في نقاطهم، التي لا يعرف أحد غيره خريطة توزّعهم، بخطّة الانتشار المفترض أن يتحرّكوا وفقها، علماً بأن معظم هؤلاء يتحرّكون بأسلحة خفيفة، وغالبيتهم يتمركزون في نقاط قريبة من منازلهم، فلا يحتاجون إلى أيّة آليات تثير انتباه الاشتراكيين. كما يعمدون إلى تضليل الاشتراكيين عبر تحركات وهميّة يتصنّعون سرّيتها لإرباك الاشتراكيين وإبعادهم عن التحركات الأساسيّة.
ومن قصر وهّاب إلى خطوط الدفاع الأماميّة التي يقيمها التوحيديّون. هنا، في قلب أحراج تطل على تلال تموضع الاشتراكيين، يبدو الوهابيّون مسيطرين على الطرقات الرئيسيّة ومداخل البلدات التي يحتمل أن يقتحمها الاشتراكيّون الذين وفدوا من أعالي الشوف إلى تلّة «قبّة الروس» التي بدت من إحدى نقاط تمركز الوهابيين أشبه بالثكنة العسكرية. وخلال السهرة التي يقضيها المقاتلون بتفريغ ما يفكّرون به، تبدو الوهابيّة أكثر من خطاب ساخر وكاريكاتوري يجذب بعض أهل المعارضة، وأكثر من تجمّع يتحلّق حول وهّاب طمعاً بالأموال والخدمات التي يوزّعها. إنّها في قلب الشوف، في هذه اللحظة، رجال من الطائفة الدرزيّة يحملون البندقية لقتال الاشتراكيين دفاعاً عن «قِيمنا» و«حريتنا»، كما يقولون. ويثور هؤلاء غضباً عند سؤالهم عن أسباب حقدهم على جنبلاط «الذي حمى الدروز»، موضحين أنهم هم من حموه، فحملوا السلاح وقدّموا أغلى ما لديهم. ويتناوبون في قصِّ رواياتهم: هنا واحد يخبر عن «جنبلاط الإقطاعي» الذي يفرض الخوّات على الأهالي ويمنع إقامة أي مشروع اقتصادي لا يكون فيه شريكاً بـ51% من الأرباح. وهنا آخر يروي عن «محب للطبيعة استولى على محميّة المعاصر وحوّلها إلى مستودع أسلحة». وهنا مسنّ يعدّد بحسرة أسماء شوفيين ــــ دروز يتّهم الحزب الاشتراكي باغتيالهم.
وقبل استرسال البعض، تطرح أسئلة مدوّية: أية مؤسسات زراعيّة وصناعيّة أنشأها جنبلاط لتوفير فرص العمل وتصريف إنتاج من ولّوه الزعامة، أية مستشفى فتح للأهالي وأية جامعة، وأيّة منح تعليمية أو مساعدات تربوية قدّمها للشوفيين خلال ثلاثين عاماً؟ ويضيف البعض أخباراً عن مس جنبلاط بالقيم الاجتماعية الدرزية.
هؤلاء المعترضون على «البيك الإقطاعي» لأسباب مختلفة، يؤكدون أن وهّاب يخرق عملياً قلعة عمرها من عمر الدروز، يتحصّن جنبلاط فيها ويلعب بالسياسة كما يريد. ويتحدّثون عن أنفسهم بفخر، بإيمان، بقضية أول ملامحها تحرير الناس من ذلّ ومهانة يتعرضون لهما يومياً للحصول على الحدِّ الأدنى من حقوقهم. ويقول هؤلاء إنهم يتوسّعون في كلِّ الشوف، سرّاً وعلانيّة، وهم اليوم يعدّون أكثر من أربعة آلاف شوفيّ. أمّا مؤيّدوهم في «المناصف» (وسط الشوف)، فيتخطّون أربعين في المئة من نسبة السكان، كما يدّعون. وبرأيهم، فإنّ وهّاب يمثّل استمراريّة لابن الجاهلية أنور الفطايري الذي يكاد يجمع الأهالي على أن جنبلاط أمر بقتله عام 1988، بعد أن خشي من تأثيره السلبيّ عليه نتيجة استقطابه الاشتراكيين وغيرهم. وإذ يتحوّل الفطايري إلى ما يشبه الأسطورة نتيجة احتفاظ كلّ مقاتل بقصّته الخاصة عنه، يقولون إنّ وهّاب، الآتي من أسرة متواضعة جداً، ينجح في لمّ شمل المنتفضين الدروز «الذين يضعون دمهم على كفّهم» أكثر فأكثر، يوماً بعد يوم.
من «الجبهة»، حيث كان يسود هدوء مقلق، عودة إلى نقطة سرّية مجاورة للقصر الذي يشيده وهّاب منذ عشر سنوات، ويحتاج إلى عشر سنوات أخرى. والحديث هذه المرّة عن «سلاح الحزب التقدمي» و«دولة وليد جنبلاط». أما المخبر الأساسي، فقائد عسكري سابق في ميليشيا التقدمي، وصديق للمسؤول الأمني السابق في الميليشيا كمال فياض، الذي كان يروي بدوره مآثر جنبلاط الأمنيّة عبر الهواء مباشرة.
يقول التقدمي السابق إن ثمة خمس نقاط أساسية يتمركز فيها الميليشيويّون الاشتراكيون: في تلّة الروس، ثانوية بعقلين الرسميّة، المكتبة الوطنيّة في بعقلين، بقعاتا (مطلة على المختارة)، ورأس الجاموس. ويفترض بالجيش أن يتسلّم هذه المناطق ويتمركز فيها، إضافة إلى فضِّ نقاط التجمع في كل بلدة، ومنع الدوريات الاشتراكية المسلّحة التي تجوب مناطق الشوف وتوقف كل من لا يعجبها لتفتّش سيارته وتحقق معه، تماماً كما تحرّم التصوير، وتمنع وصول البعض إلى حيث يريدون.
ويشرح أن للاشتراكي شبه ثكنات في بلدات مزرعة الشوف، الباروك، كفرنبرخ، وحزيبة. ولديه ثكنة وإشارة في البطمة، وحضور عسكري مميّز أيضاً في باتر وبريح وكفرقطرة.
وللحزب الاشتراكي جيش ذو جسم منظّم يتوزّع على: أوّلاً، سلاح المدفعيّة (يقال إن جنبلاط أمر بتنظيفها وتجهيزها). ثانياً، سلاح الدبابات ويضم 30 دبابة BMB على الأقل، و4 CHELIKA (يقول أهالي المنطقة إنها موجودة في مخابئ في بعقلين، عين زحلتا، كفريا، برهتي وبدّي). ثالثاً، سلاح المضادات. رابعاً، سلاح الصواريخ المضادة للدروع. خامساً، سلاح الهندسة. وسادساً، السلاح المتوسط.
ولهذا الجيش قيادة عسكرية كاملة تضمّ قائد جيش، قائد كتيبة، قادة سرايا، قيادة فصائل، وضباطاً وعناصر برتب مختلفة. ويتقاضى عديد هذا الجيش رواتب شهريّة تتراوح بين مئتي ألف وستمئة ألف ليرة، علماً بأن بعض قدامى المقاتلين رفضوا أخيراً العودة إلى «الجيش» نتيجة «إهمالهم من جانب الحزب».
في موازاة هذا الجيش، يقول أهل «التوحيد» إنّ معركتهم محسومة، انتصاراً في بلدتين على الأقلّ، وسيتمكّنون من إلحاق أذى كبير بالاشتراكيين عبر أكثر من ثلاث مفاجآت في بلدات يميل فيها ميزان القوى للاشتراكي. أما حيث يعدّ وجودهم وحلفاءهم هزيلاً، فالخطة تقضي بحصول مناورة تقطع الوقت وتنهك الاشتراكيين لحين طلب النجدة التي تبرّر وصول الحلفاء.
الأبرز ميدانياً، أن المقاتلين لا يخوضون معركة وئام وهّاب. ثمّة تراكم من الأخطاء الجنبلاطيّة يجعل كل واحد من المقاتلين يخوض حربه الخاصّة، أو ثأره الشخصي. والأكيد، وسط استدلال المعطيات وقراءة ما بين الرسائل اللاسلكيّة، أن الحقد على جنبلاط يشمل ميليشيويّين يعدّهم زعيم الاشتراكي من أعمدة جيشه.
|
|
...تداعيات الحرب على بيروت والجبل تسقط عناوين التسوية
|
روزانا بو منصف   "النهار" |
تفيد المعطيات المتوافرة لدى مصادر سياسية معنية بالتطورات الاخيرة ان "حزب الله"، الذي قاد الحرب على بيروت والجبل، قد يكون استعجل تسجيل "انتصار" في الجبل على رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط قبل انتهاء اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب، في حين افسح لحلفائه دورا في البروز من كل الطوائف، اي السنة عبر اطلالة الرئيس السابق للحكومة عمر كرامي، او تحرك عناصر من الحزب السوري القومي الاجتماعي من اجل اعطاء بعد سياسي لهذه الحرب وليس بعدا مذهبيا. فايفاد مجلس الوزراء العرب الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى بيروت كان واردا منذ السبت وتم تداوله على اكثر من صعيد خصوصا ان الحاجة باتت ملحة الى وسيط للحوار لم يعد موجودا على الاطلاق على المستوى المحلي.
وبحسب هذه المصادر لن يفك الحزب الحصار عن بيروت قبل اكتمال عناصر الصفقة السياسية التي يتثبت له من خلالها ولحلفائه الاقليميين الثقة التامة باحراز الانتصار الذي يلغي كل مفاعيل ثورة الارز في 14 آذار 2005 ويفسح في المجال عندئذ امام انتخاب رئيس للجمهورية ثم تكليف رئيس جديد للحكومة من غير فريق الاكثرية النيابية في ضوء الامر الواقع العسكري الذي فرض قسرا ومن غير الفريق المحسوب مباشرة على "حزب الله" والمعارضة. وفي الموقعين اي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة يعتقد انه ستكون هناك عودة الى ما قبل انتخابات 2005 التي افرزت الاكثرية النيابية الحالية.
وفي ضوء المعطيات والنتائج التي افرزتها الحرب التي فتحت على لبنان لن تكون مشكلة في انتخاب رئيس بالنسبة الى المعارضة متى توافرت العناصر المريحة لانتخابه. والسبب في اللجوء الى رئيس للحكومة من خارج نادي الطرفين لا يتصل بما يمكن اعتباره تنازلا من المعارضة في هذا الامر بمقدار ما يتعلق بالرغبة في عدم ادخال لبنان في سلسلة من التراجعات على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يمكن ان ترتد سلبا على الحكم الجديد ولا يستطيع ان ينهض بلبنان مجددا. فالوضع الذي ادخلت فيه المعارضة لبنان منذ عام 2006 كلف لبنان اثمانا اقتصادية باهظة ولا يمكنها متى تسلمت السلطة ان توحي الثقة لاي مساعدة او دعم من خارج، فضلا عن ان السلطة التي تحت سيطرة "حزب الله" ستواجه عقبة الاعتراف الخارجي باستثناء اعتراف سوريا وايران حتى لو لم يكن الحزب في الواجهة، وربما لن يستطيع عند ذلك تشغيل مطار بيروت والافادة منه متى اعاد فتحه. ولذلك ثمة حاجة الى رئيس حكومة لا يكون من فريقي الاكثرية او المعارضة في المبدأ ولا يستفز حلفاء الحزب الاقليميين وتحديدا سوريا بل على النقيض من ذلك ويستطيع ايحاء الثقة للخارج الدولي وطمأنته بقدرته على اعادة انهاض لبنان والاضطلاع بدور حيادي بين الافرقاء اللبنانيين وفي الوقت نفسه يشرف على اعداد قانون انتخابات جديد واجراء الانتخابات بتكريس جديد لقوى الامر الواقع، باعتبار ان استمرار الوضع على ما كان عليه كان سيؤدي الى بقاء الاكثرية كما هي وربما اكثر، وتراجعة الاقلية نتيجة تطورات تلمسها اركان المعارضة وابلغت الى الحلفاء الاقليميين. وفي كل الاداء الرسمي على مستوى الرئاسات الثلاث ستكون ثمة استعادة مكررة لما قبل 2005 ولكن من دون عودة الوجود السوري العسكري المباشر.
هذا السيناريو يبدو في عناوينه العريضة تبسيطياً جداً وليس سهلا في ضوء التداعيات الخطيرة التي ادت اليها الحرب على بيروت، والتي لن تنتهي غدا حتى لو ذهب الجميع الى طاولة الحوار من أجل التسوية السياسية. فهذه التسوية لم يعد ممكنا اقتصارها على العناوين المعروفة. ثم ان الانفلاش الميليشيوي في بيروت والمناطق لن ينتهي بسحر ساحر وان غابت المظاهر المسلحة، فالحقد الذي تفجر في شوارع بيروت سيبقى جرحا لن يندمل بسهولة وربما قاد الى عرقنة لبنان على ما يتخوف كثيرون. ولعل النموذج المسيحي المستمر منذ عام 1989 حتى الان اي 17 عاما من علاقات صعبة لا بل شبه مستحيلة بين الجنرال ميشال عون والدكتور سمير جعجع اصدق صورة في التعبير عن الجرح الذي فتح في الايام الماضية في العاصمة والجبل كما في المناطق الاخرى، خصوصا ان لجزء كبير مما حصل بعدا مذهبيا لا يتصل بالداخل اللبناني وحده بل يمتد الى خارجه.
فمسألة انقلاب "حزب الله" وتحويل سلاحه الى الداخل مخاطرا بتحوله ميلشيا او تنظيما مسلحا داخليا يدرجها كثيرون وان من دون اثباتات قاطعة في خانة محاولة ايران تعطيل اي مفاوضات سورية – اسرائيلية جرى الكلام عليها كثيرا في المدة الاخيرة عبر وساطة تركيا. وهذه المفاوضات ستؤدي حكما على ما هو متوقع الى انهاء المهمة الاساسية لـ"حزب الله" وسلاحه كحزب مقاوم، مما قد يكون حمل ايران على استباق هذه الخطوة من اجل تعطيل احتمال بيع رأس الحزب عبر فرض امر واقع جديد بالسيطرة على القرار في لبنان. في حين ان ثمة تفسيرات مختلفة في المبدأ انما في السياق نفسه، اي المخاوف من ضغوط اميركية وربما عقوبات على سوريا نتيجة التقارير التي عرضت عن منشأة نووية في دير الزور تم الرد عليها استباقيا بامر واقع جديد في لبنان. فهل سيتم التسليم بهذا الواقع عربيا ودوليا؟
|
|
المقدمات والنتائج ... والأخطاء |
طلال سلمان   "السفير" |
بداية، نقولها صريحة: لا أحد سعيد بما جرى في بيروت ليل السابع من أيار، ولا أحد يقبل أو يقر «التجاوزات» التي وقعت، وبينها ما طاول حقوق المواطنين الآمنين في بيوتهم، وألحق الأذى الفاحش (معنوياً) ببعض المؤسسات الإعلامية والثقافية ذات الدور الحيوي في مجال الخدمة العامة، فضلاً عن التسبّب في سقوط بعض الضحايا، قبل أن تمتد النار إلى مختلف أنحاء لبنان مهددة بتفجّر كيانه السياسي، كنتيجة لخطر الفتنة المحدق بوحدته الوطنية، نتيجة قصر النظر والغفلة (؟) عند السلطة القائمة بالأمر، بالأمر!
لكن الأمانة والموضوعية والدقة تفترض عدم القفز من فوق الأسباب لمحاسبة النتائج واستصدار الأحكام بإدانة أوتوماتيكية لما حدث في بيروت ولأهلها في ذلك الليل الطويل بوقائعه الاستثنائية.
كانت المقدمات قد تكشفت مع فجر السابع من أيار منذرة بتخطي السلطة كل الخطوط الحمر، بما يهدد حالة «الهدنة بالإرغام» التي كانت قائمة في انتظار مساعي «التوفيق» بين الأطراف المعنية والتي تعثرت ثم صارت غير ذات موضوع بعد القرارين الهمايونيين اللذين شكّلا الصاعق اللازم لتفجير الأزمة... واللذين كانا بمثابة رصاصة الرحمة على المبادرة العربية ومترجمها الحاذق عمرو موسى، الذي حاول طويلاً تسويق ما لا يسوّق، ومع ذلك لم ييأس، وها هو عائد قريباً، ولكن من ضمن فريق.
ومع بداهة القول بأن اللجوء إلى السلاح في مجال العمل السياسي «تجاوز خطير» ليس من السهل تبريره، لا سيما إذا ما تبدى وكأنه يحمل صبغة طائفية أو مذهبية محددة، في بلد هش التكوين دقيق التوازنات المذهبية والطائفية.
ومع بداهة القول أيضاً إن اللجوء إلى السلاح لأسباب سياسية له ذكريات محزنة في عاصمة كبيروت استطاعت أن تكون الحاضنة للبنانيين جميعاً، تكبر بهم ويتعاظم دورها بجهودهم وتزدهر بنتاج عقولهم وكفاءاتهم وزنودهم، فتنسى وينسون مساقط رؤوسهم ويرون أنفسهم منها ولها وفيها، يعطونها وتعطيهم، حتى غدت درة هذا الشرق وصاحبة المركز الممتاز عربياً ودولياً...
إلا أن المقدمات أولى بالاهتمام من النتائج، التي لا يمكن تفسيرها وتحديد الموقف منها إلا بالعودة إلى تلك القرارات التي تعرف السلطة التي اتخذتها ـ بالتحريض المقصود أو بالجهل أو التجاهل، سيان ـ أنها أخطر من أن تمر بغير ردود فعل تتجاوز الغضب إلى المواجهة المباشرة... وفي الشارع.
وهكذا كانت تظاهرة الاحتجاج بالسلاح التي شهدتها العاصمة، ذلك الليل، نتيجة هجوم صاعق ومباغت شنته السلطة البتراء على طرف سياسي أساسي في البلاد، له قوة تمثيله الراجحة (حتى من دون سلاحه)، من دون سابق إنذار، ومن دون مبررات مقنعة والأخطر: مع «الوعي» الأكيد بأن هذا الطرف السياسي لن يسكت ـ مرة أخرى ـ على استهدافه وإلقاء الحرم عليه، ومعاملته وكأنه «جماعة من الطفار»، خارجة على «الدولة» وقوانينها وقد ضبطت بالجرم المشهود وهي «تستولي» على المال العام بوجه غير شرعي.
ومع وقوع «حزب الله» وحلفائه في محظور شهر السلاح في الداخل، كان بديهياً أن تستعاد الاتهامات ذات المصادر المتعددة عربياً ودولياً، والتي تنكر عليه «لبنانيته» بالمطلق، فتجعله «إيرانياً» بدليل «شيعيته»، وتجعله طليعة مقاتلة لمؤامرة ضم لبنان إلى المحور الإيراني ـ السوري، وتحمّله المسؤولية عن الفتنة المذهبية التي ستحوّل لبنان إلى «عراق جديد» (مع تناسي الاحتلال الأميركي للعراق ومسؤوليته المباشرة عن المذبحة اليومية المفتوحة فيه منذ خمس سنوات، والتي أودت بحياة أكثر من مليون من أبنائه وشرّدت أكثر من خمسة ملايين في أربع رياح الأرض...).
لكن هذه «النتيجة» كانت متوقعة، بل ومؤكدة، فلماذا واصلت السلطة استفزاز هذا التنظيم السياسي الأكبر والأقوى في لبنان، والمعزز برصيده الجهادي كمقاومة ذات دور مجيد في تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي، في العام ألفين، والتي تصدت للحرب الإسرائيلية الباهظة الأكلاف ـ في الإنسان والعمران ـ صيف العام 2006؟!
لم يكن القرار الهمايوني الذي استصدرته السلطة بغير وعي لنتائجه، كما تدّعي الآن، مجرد إجراء روتيني ملح، ولا كانت له «ضرورات الدولة»، وحماية مصالحها...
ثم إنه لم يسقط فجأة كصاعقة من سماء صافية، دولياً بالأساس، وعربياً بالتغطية لتوظيف «المذهبي» في طمس ما هو «سياسي».
وبالتالي فقد كان منطقياً أن يعتبر «حزب الله» هذا القرار مقدمة مطلوبة، تفرضها «ضرورة عربية» معلنة بتجريمه ومحاسبته بل «جرجرته» أمام ما يسمى «المجتمع الدولي»، والذي
تسهِّل الهيمنة الأميركية على «مجلس الأمن» تحويل قراره الشهير (1559) إلى «محاكمة» ومن ثم «إدانة دولية» تحظى بتأييد عربي واسع، يبرر «للسلطة» القائمة أن تقدمه إلى «العدالة» ليس فقط كعصابة خارجة على القانون تهدد السلامة العامة، بل أساساً بوصفه طرفاً في «معسكر الشر» جنباً إلى جنب مع إيران وسوريا وكوريا الشمالية وكوبا وصرب البوسنة!
يغدو «حزب الله» هو مَن أفشل المبادرة العربية، والدعوات إلى الحوار، وانتخاب العماد ميشال سليمان المتوافق عليه عربياً (وحتى دولياً؟!!) رئيساً للجمهورية، وقانون الستين للانتخابات النيابية، وارتفاع أسعار النفط وكلفة الحياة اليومية في لبنان، وشلل الدولة المنذر بتفككها، وأزمة «السلطة» المنشقة على ذاتها في فلسطين، والأحوال الحرجة التي يعيشها عسكر الاحتلال الأميركي في العراق، وأزمة الحكم في إسرائيل التي تنغص عليها بهاء الاحتفال الخارق بالذكرى الستين لاغتصابها فلسطين وتمزيق «خريطة الطريق» ومقررات مؤتمر أنابوليس التي كادت تعيد إلى الشعب الفلسطيني كامل حقوقه في أرضه!!
[ [ [
كل هذا لا يعفي الطرف السياسي الذي حوصر وطورد بتهم تمس وطنيته (ودينه؟)، من المسؤولية عن «التجاوزات» التي وقعت خلال عمليته الاعتراضية على هجوم صاعق كان يستهدف إحراجه لإخراجه إلى حيث يغدو «مطلوباً للعدالة»...
لكن الأمانة تقضي أن تتم المحاسبة على المقدمات، قبل الشروع في إدانة النتائج، و«البادئ أظلم» دائماً... من دون أن يعني هذا تجاهل ما رافق عملية الاعتراض المسلح من ارتكابات أو أخطاء فادحة، ولكنها وقعت، وإن ظلت المسؤولية ـ بالأصل ـ على من فرض هذا الإجراء المكروه، مبدئياً، والذي أراد تحويل «حزب الله» من طرف وطني، مقاوم، شرعي وصاحب دور في الحياة العامة يتناسب مع حجم تمثيله الشعبي، فضلاً عن إنجازه الباهر الذي سيظل نقطة تحول في تاريخ هذه المنطقة من العالم... وبعنوان لبناني ـ عربي، كائناً ما كان حجم الدعم الإيراني فضلاً عن السوري له.
وفي مجال الدعم الخارجي هل من حاجة إلى التساؤل عمن يبقي هذه السلطة البتراء قائمة في لبنان الذي ينزف أهله وموارده وحقه في مستقبل يليق بقدرة شعبه على الإنجاز؟!
آخر الأخبار أن المدمرة كول ستسبق بعثة المساعي العربية الحميدة إلى بيروت، مرة أخرى!
|
|
برّي: فتح الطرق ووقف العصيان بعد تصاعد الدخان الأبيض من طاولة الحوار
|
نقولا ناصيف   "الأخبار" |
ينتظر رئيس المجلس نبيه بري ردّ رئيس الحكومة فؤاد السنيورة على مطلب المعارضة تراجع مجلس الوزراء عن قراريه المتعلّقين برئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير وشبكة الاتصالات الهاتفية لحزب الله. بعض المعلومات الوارد إلى برّي يشير إلى أن الحكومة ستتراجع عن قراريها أو تلغيهما قانونياً بعدما ألغيا واقعياً وسياسياً، وخصوصاً في ضوء الكتاب الأخير لقيادة الجيش إليها. وهو شرط أول، يقول رئيس المجلس، للعودة بالوضع الداخلي إلى ما قبل 5 أيار، موعد جلسة الوزراء تلك. عندئذٍ يقتضي الانتقال إلى الشرط الثاني للتسوية السياسية، وهو الذهاب إلى طاولة الحوار. وبحسب «وشوشات» بلغت إلى برّي، فإن رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري وافق على الدخول في الحوار تبعاً للدعوة التي كان قد وجهها رئيس المجلس. إلا أن ذلك ينتظر إعلاناً صريحاً، بعدما كان برّي قد تبلّغ من رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط موافقته على طاولة الحوار.
وفي واقع الأمر، أضحت حظوظ العودة إلى الحوار اليوم أفضل من قبل. وفي ظنّ رئيس المجلس أنه كان في الإمكان تجنّب ما حدث في الساعات المنصرمة في الجبل لو استعجل السنيورة جمع وزراء حكومته لإلغاء القرارين، لأنه كان سيفعل ذلك في نهاية المطاف.
غير أن تطورات اليومين الأخيرين تحمل رئيس المجلس على توجيه الانتباه إلى المعطيات الآتية:
1 ــــ ما إن تلغي حكومة الغالبية قراريها وتعلن قوى 14 آذار موافقتها على مباشرة الحوار، حتى يحدد برّي فوراً موعد طاولة الحوار التي ستنعقد في جلسات مفتوحة إلى أن يتفق المجتمعون على سلة التسوية السياسية متكاملة وبلا أدنى لبس. ويقول برّي إنه لن يطيل المدد الفاصلة بين جلسة وأخرى إذا اقتضى عقد أكثر من جلسة، ولن يعلن ارفضاض الحوار إلا بعد تصاعد الدخان الأبيض على طريقة الفاتيكان. وما إن يجلس المتحاورون إلى الطاولة حتى تفتح كل الطرق في بيروت ويُرفع العصيان المدني، وكذلك يستأنف المطار الملاحة وحركته الطبيعية. وهو مؤشر إلى ارتباط هذه المظاهر بموافقة الغالبية على الدخول في حوار مع المعارضة.
يضيف برّي أنه لم يعدّل جدول أعمال الحوار الوطني الذي لا يزال يقتصر على بندين هما حكومة الوحدة الوطنية وقانون الانتخاب. ويشير أيضاً إلى أن لا نيّة لاستغلال النتائج العسكرية في التسوية السياسية، وما كان ينادي به قبل هذه لا يزال سارياً، لأن المطلوب، يقول بري، تسوية مقبولة للطرفين.
2 ــــ أبلغ إلى القائمة بالأعمال الأميركية ميشال سيسون وإلى السفيرة البريطانية فرانسيس ماري غاي، رداً على استفساراتهما عمّا يجري في لبنان، أن تطورات الساعات الأخيرة أتاحت للحكومة المخرج المشرّف واللائق للتراجع عن قراراتها، وخصوصاً بعد بيان قيادة الجيش في هذا الشأن. وكانت الحكومة قد احتكمت إلى المؤسسة العسكرية لتحديد الموقف من قراري جلسة 5 أيار. لكن برّي لم يلمس رغبة الدبلوماسيتين الأميركية والبريطانية في إبداء موقف من الحوادث الأخيرة، وقد سعتا إلى استكشاف موقف المعارضة وخطواتها التالية، وبدتا مهتمتين بما يجري في الجبل خصوصاً.
في مقابل ذلك، استرعى انتباه رئيس المجلس ردّ فعل واشنطن على حوادث بيروت، فلم يغالِ الأميركيون في التهديد والتحذير على غرار ما فعلوا في ظروف أقل وطأة وتهديداً لحكومة السنيورة في معرض إبداء الدعم والتأييد لها، واكتفوا في موقفهم الثاني بإبداء الارتياح إلى تراجع العنف بالتزامن مع انتقادهم ما أقدم عليه حزب الله. على أن المعطيات المتوافرة عن الموقف الأميركي في بيروت تشير إلى أن سيسون أبلغت كلّ مَن استفسر منها عن موقف إدارتها من التطورات الأخيرة ومسارها المقبل، بأنها تدعم كل ما يقرّره الحريري وجنبلاط. وما يتحدّث عنه برّي يلاقيه فيه مسؤولون آخرون في المعارضة فاجأهم ردّ الفعل الأميركي على ما عُدّ انقلاباً على الشرعية التي يمثلها السنيورة، الأمر الذي حمل هؤلاء على الاعتقاد بأن واشنطن غير جاهزة في الوقت الحاضر لتحرّك حاسم في لبنان يعوّم وجود الغالبية في الحكم، وقد انهارت من تحتها الأرض، ومن فوقها القدرة على ممارسة الحدّ الأدنى من السلطة والصلاحيات حتى.
3 ــــ رغم أن رئيس المجلس لم يبد حماسة لاجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة أمس، يعتقد أن نجاح الوساطة العربية الجديدة ينبغي أن يقترن بتفسير عربي موحّد للمبادرة العربية، والمقصود بذلك أن لا حلّ خارج السلة السياسية المتكاملة. وهو ما أسرّ به برّي قبل أيام للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، إذ دعاه إلى توافق الوزراء العرب على تسوية غير ملتبسة كي لا يقع الجميع في خطأ التفسير، ولئلا تخفق جهود الجامعة العربية مجدّداً.
4 ــــ فضّل رئيس المجلس لو لم تقد الساعات الأخيرة إلى نقل الاشتباكات إلى الجبل وتجنيبه ما حصل في بيروت. وكان قد أبلغ إلى جنبلاط، الجمعة الفائت، أنه في صدد تحييد المنطقة عن الصراع، وبذل البارحة في ثلاث مكالمات هاتفية مع قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وأخرى مع جنبلاط والوزير السابق طلال أرسلان، وكذلك مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، جهوداً لإيجاد المخرج الذي اقترحه برّي وأعلنه جنبلاط مساءً بتسليم المنطقة إلى الجيش. بذلك فصل برّي الواقع الذي أفضت إليه العمليات العسكرية في الجبل عن نتائجها السياسية بما لا يسيء إلى زعامة مَن سمّاه باستمرار الحليف اللدود، إذ يبقى جنبلاط بالنسبة إليه أفضل مفاوضيه.
وللمرة الأولى، تجعل المفارقة الرجلين اللذين لم يفترقا منذ عام 1982 وجهاً لوجه في خيارات داخلية متناقضة تتصل بالسلطة والحكم والتحالفات الداخلية والخارجية وسوريا، وفي مواقع متناحرة، وتجعل تنظيميها يحملان السلاح الواحد في وجه الآخر.
يشير ذلك إلى أن الجبل لم يكن جزءاً من خطة العمليات العسكرية التي كانت قد بدأت في بيروت، ولا كان في الحسبان توجيه تهديد مباشر لجنبلاط. بدا كافياً لرئيس المجلس أن سقوط بيروت كفيل إسقاط حكومة السنيورة وسلطة الغالبية النيابية. مع ذلك لا ينكر على الأخيرة أنها لا تزال تمثّل الأكثرية النيابية.
|
|
في ذكرى "العميد": هكذا تمارَس السياسة! |
غسان تويني   "النهار" |
نفتقد العميد ريمون اده يوماً كما نفتقده الآن، في الذكرى الثامنة لغيابه...
والمسألة بالطبع ليست شخصية... ليس الرجل من نفتقد، بل الدور الذي لا نجد اليوم من يقدم على مثله، ومتطوّعاً... ألا وهو الارتفاع فوق الأزمات، وتجاوز الخلافات الحزبية ولو "حربية"، وفرض الحل، ولا نقول التسوية، حتى على السلطة العليا إذا هي بدت مترددة أو رافضة أو عاجزة ومشككة.
ليس ما يضيء على ما نقول مثل هذه القصة التي كنت شخصياً وفريقاً صغيراً من الأصدقاء والزملاء شهوداً عليها. أتذكر منهم النائب الدكتور البير مخيبر رفيقنا الدائم في المعارضة حتى عندما يكون وزيراً (وكان)، وشقيق العميد النائب والوزير السابق بيار، وبالطبع الزميلين لويس الحاج وميشال أبو جودة.
كانت الساعة تقارب الثامنة مساء يوم 14 تشرين الأول 1958.
البلد شديد الاضطراب الذي يقارب اليأس، لأنه من دون حكومة على رغم وجود اللواء الامير فؤاد شهاب في سدّة الرئاسة، بتوافق "دولي – عربي" وداخلي كذلك... إلا أن ذلك لم يمنع الحرب التي وضع انتخاب الرئيس شهاب نهايتها من ان تنشب من جديد، "حرباً - مضادة" بعدما عجزت الحكومة التي ألّفها رشيد كرامي عن الصمود أكثر من اسبوع اضطرت قبيل نهايته إلى الاستقالة لأن وزراءها الموارنة، وفي واجهتهم الاستاذ يوسف السودا، لجأوا الى الاستقالة تحت ضغط الشارع المسيحي بقيادة الكتائب اللبنانية التي كانت قد هادنت احزاب "الثورة"، ثم وجدت نفسها مضطرة الى الدعوة الى "حرب مضادة" إثر خطف الكاتب فؤاد حداد "أبو الحن" لدى خروجه من مكتبه في قصر الاونيسكو واكتشافه مقتولاً في وقت لاحق.
وعلى رغم استقالة الرئيس رشيد كرامي أعاد الرئيس شهاب تكليفه تأليف حكومة جديدة... واستمرت الاستشارات وقتاً كان يطول الى ان قارب اللبنانيون درجة السأم بل خط اليأس الأحمر.
اذذاك قرر العميد اده التدخل، على رغم كونه زعيم الجناح الماروني المعادي تقليدياً للكتائب اللبنانية والذي قاومها سلمياً في حربها الأولى، ثم في "الحرب المضادة"، وعلى رغم كونه المرشح الأوحد لرئاسة الجمهورية ضد ترشيح الرئيس شهاب "ليثبت – على حد قوله – ديمقراطية النظام اللبناني برفض انتخاب قائد الجيش بالاجماع لمجرّد ترشحه"... مما اضطر المجلس الى الاقتراع ثلاث دورات قبل ان ينال اللواء شهاب الأكثرية المطلوبة.
إذاً... الساعة الثامنة مساء ذلك اليوم رفع العميد اده سماعة الهاتف وطلب القصر الجمهوري قائلاً للسنترال انه ريمون اده، ويريد "مكالمة الجنرال"...
دقيقة طويلة امتدت قبل ان يحوّل السنترال المكالمة، وكان العميد ودياً قدر ما يوحي تهذيبه عندما قال للواء الرئيس انه يريد زيارته في اقصى السرعة في شأن الأزمة الوزارية.
الرئيس – اهلاً وسهلاً... متى يمكنك؟
العميد – فوراً.
الرئيس – فوراً؟ ايه تفضّل. انا في منزلي في جونيه.
ركب العميد سيارته وحده، شأنه دوماً، وأبى ان يرافقه اي صحافي أو مصوّر، حتى ولا أي حرس على رغم الحرب، في ما عدا سائقه الذي استغرب ان يطلب منه العميد التوجه الى جونيه.
السائق – الى جونيه؟
العميد – ايه نعم... الى بيت الجنرال!
ولما قال السائق انه لا يعرف العنوان، اجابه العميد "نسأل بس نوصل. لا بد في ناس بيدلّونا!".
ولما وصل العميد، استقبله المرافق العسكري (على ما روى لنا إثر عودته) بتأهيل يشوبه الاستغراب. وكان الرئيس شهاب وحده في صالونه، فاقترح العميد ان يجلسا الى طاولة. وانتقلا الى قاعة الطعام حيث لاحظ العميد (كما قال) وجود "جاط سندويش مش مدقور بعد!".
ما ان استقر المقام بالرجلين، ولا شاهد ولا ضابط مساعد ولا حتى زوجة الرئيس او سكرتيرة لوضع محضر، حتى بادر الى الترحيب ثم الى سؤال العميد بتهذيبه الاميري المعهود:
- أمر. شو الموضوع؟
اجاب العميد، بلهجته الفورية المشهورة: "بدنا نألّف الحكومة بقا... صار لازم تتألف فوراً".
- انا وانت، نؤلفها؟ بس انت زعيم المعارضة.
جواب: هلّق ما في معارضة وموالاة. في بلد لازمه حكومة وانا شخصياً مستعد للمشاركة شخصياً. بس عندي مطلبين. أولاً: بدي وزارة الداخلية تا أوضع حد للحرب لأني الوحيد الذي لم يحارب أحداً لا مسلماً ولا مسيحياً. والثاني: لازم نشرك بيار جميّل بالحكومة معنا... وبيظل الأفندي رئيس حكومة وعليَّ أنا مصالحته مع الشيخ بيار. انا بعرف فيه وصديقه رغم الحرب والثورة".
وكلمة "الثورة" فهم الرئيس شهاب المغزى من استعمالها، لأنها الكلمة التي أشعلت الحرب المضادة وتسببت باستقالة الحكومة التي أورد دولة الافندي في أول تصريح له بعد تأليفها العبارة التالية: "انه آن أوان قطف ثمار الثورة". فجن جنون أعدائها... وأعلنوا ثورتهم عليه!
وطلب العميد من الرئيس بلهجة تشبه الوقاحة، اعطاءه التلفون، قائلاً انه سيطلب الشيخ بيار لدعوته للحضور فوراً الى القصر.
كرر الرئيس استغرابه والتشكيك.
ثم ناول العميد السماعة قائلاً:
- تفضّل اطلب أنت من عامل الهاتف الشيخ بيار.
وما كانت لحظة إلاّ والشيخ بيار على الهاتف، مستغرباً هو أيضاً ان تكون المكالمة من جونيه وريمون اده على الخط قائلاً:
"عم حاكيك من عند الجنرال، ممكن تتفضل تنضم النا هلّق؟ ناطرينك!".
الجميل: ليش شو في؟
وشرح العميد بأقل عدد من الكلمات ان الموضوع تأليف حكومة تضع حداً للحرب والثورة. وانه هو الذي اقترح الأمر على الرئيس الذي وافق.
وأخذ الرئيس شهاب السماعة من يد العميد ليؤكد للشيخ الدعوة. فأعلن قبولها وقال انه سيحضر فوراً، انما يجب التفاهم على بعض الأمور. وسأل عمن يرئس الحكومة، فلما قيل له رشيد كرامي، وافق مع شيء من الاستغراب. ثم قال: طيب أنا جايي.
وقبل ان تنتهي المكالمة حرص الرئيس شهاب على ان يقول للشيخ بيار: "طبعاً سنبحث في كل شيء عند حضورك وسنكون وحدنا نحن الثلاثة".
وفي انتظار وصول الشيخ بيار، كان الجو قد "طري بعض الشيء"، فسأل الرئيس العميد: طيّب هلّق راح يجي الشيخ بيار. أنا بحترمو كتير، بس بتعرف طبائعه. لازم نكون متفقين على ما سنعرض عليه حتى لا نسهر كل الليل. واجاب العميد ضاحكاً: "انتو العسكر ما بتحبو السهر، أنا بفهمك. بس أنا شخصياً مستعد ابقى للصبح، ومش رايح من هون بدون حكومة".
وتطلع صوب "جاط السندويش" مقترحاً "ان نبدأ بالأكل فوراً تا نربح شوية وقت". واعتذر عن عدم قبول النبيذ الفرنسي الذي كان قد همّ الرئيس باقتراح كأس منه، قائلاً: "شكراً. بس نخلص، منشرب شمبانيا".
وعلى وقع "كدش السندويش" شرح العميد للجنرال خطوط الحكومة التي يتمنى ويقترح: اربعة وزراء فقط، اثنين سنة واثنين موارنة. وشو ما صغرت شو ما تسهلت القرارات وشو ما قصرت المناقشات. وانا بعرف، فخامتك ما الك جلد على الحكي يللي بيطوِّل!". ابتسم الرئيس لكنه سأل وماذا عن "تمثيل الروم" أجاب العميد "انا بمثلهم، ما ينشغل بالك. أمي روم ومن بيت سرسق".
- والدروز؟
- انت صحبة مع المير مجيد وانا مع كمال بك، كل واحد منا بيتولى اقناع صاحبه بأن هذه الحكومة موقتة وبأنه لا يمكن اشراك زعيم درزي دون الآخر، ويجب تحييد الدروز عن الحرب وعن شروط تصفيتها لأن لا مشكل درزياً في الأمر.
ولم يطل وقت انتظار الشيخ بيار. فالطرق كانت سالكة بسبب الحرب ورئيس الكتائب يعرف طريق جونية جيداً، ويعرف عنوان "بيت الجنرال".
فوجئ الشيخ بيار بالجو الودي بين الرجلين وقال انه سعيد بذلك، وتمنى ان يكون العميد "اقتنع أخيراً بمزايا الجنرال وضرورة انتخابه".
طبعاً، رد ريمون اده باللهجة الحميمية التي تفرض نفسها عند التقاء رجلين يجمع بينهما ما يجمع بين رئيس الكتائب ونجل الرئيس اميل اده. ومع ذلك اجاب ريمون، "هلق مش وقت هالبحث. بدنا نخلص من تأليف الحكومة بسرعة كي نخلّص البلد من شر الحرب الأهلية يللي حضرتكم وقعتونا فيها ووقعتم ضحيتها".
وعرض العميد خطته شارحاً بشيء (قليل) من الاسهاب "نظرية الحكومة الرباعية" ومزاياها: "لا حاجة الى حكومة فضفاضة وبتكاثر الوزراء وشروطهم وشروط اختيارهم "وبعدين كل ما كتر عدد الوزراء، كل ما زاد عدد الزعلانين، لأن مستوى التمثيل يكون قد تدنّى، فتتسع حلقة المستوزين"... ثم ان التمثيل الماروني الاجماعي يقطع الطريق على معارضة "الاقليات" ويطمئنها الى مناعة الموقف المسيحي. فضلاً عن وجود رئيس الكتائب شخصياً في الحكومة، وهو زعيم "الثورة المسيحية" يوازن برئاستها ممثل "الثورة المسلمة"، أي دولة الأفندي.
وزيادة في التوازنات، يجب ان يكون السني الآخر من المسلمين التقليديين غير الثوريين ولا من المؤيدين المتحفظين. لذلك يقترح العميد الحاج حسين العويني، "صديق الجميع" والذي يحظى باحترام جماعي داخل طائفته وخارجها والذي له صداقات عربية عريقة تحتاج الحكومة ولبنان اليها لتجاوز هذه الظروف الصعبة. "وفهمكم كفاية". فضلاً عن ان الحاج بيروتي عريق ورئيس حكومة سابق ويوازن هكذا التمثيل الشمالي مع كرامي.
لم يبق سوى الاتصال بالحاج واستدعائه.
وهكذا كان بعدما شرح العميد الأمر للرئيس رشيد كرامي تلفونياً وتشاور معه في توزيع الحقائب.
وكانت الكلمة الفصل مع كرامي للرئيس شهاب الذي سأله كرامي اذا كان مرتاحاً هو الى الأمر والى وجود ريمون اده في الحكومة. فاطمأن قلب الرئيس المكلّف الى شروحات الجنرال والى ارتياحه. وأكد له ذلك فازداد الجو صفاءً.
في هذه الاثناء كان الشيخ بيار يشاور العميد بأنه مضطر الى الاصرار على وزارة الاشغال والحقائب المتصلة بها ليتسنى له تعويض ما اصاب الجبل من اضرار خلال الحرب. فقال العميد إنه شخصياً لا يمانع. ولكن على الشيخ بيار ان يبحث في الامر مع الرئيسين شهاب وكرامي.
ولما وصل الحاج حسين ببدلته "الكتّان" البيضاء (انما من دون كرافة، "لأنّو الدني بعدها شوب"!) وطربوشه الاحمر ذي الانحناءة القليلة على الطريقة البيروتية، خاطب المجتمعين قائلاً، وابتسامته الدائمة تطفح بها كل قسمات وجهه: "خير انشالله"؟
جواب إجماعي: "حضورك هو الخير".
وطلب الحاج حسين من رئيس الجمهورية الاجتماع به ولو لحظات على انفراد. وهكذا كان. ثم طلب الحاج فسح المجال له ليتصل بالرئيس كرامي "ولو لياقة"!
وكان ذلك بلحظات قيل بعدها ان الحديث الذي دار بين الرجلين يمكن اختصاره بهاتين العبارتين:
الحاج حسين: دولتك بترتاح لوجودي؟
رشيد افندي: ولو يا حاج... مسلّفنا انت كتير. والاتكال عليك تنخلص من هالمأزق، بس ما في "هيك وهيك... هيك واحد وبس". (وكانت عبارة "هيك وهيك" في تقويم الأمور تنسب باستمرار الى "دولة الحاج" وكأنها شعار!).
وهكذا كان... وتألفت الحكومة الشهابية الأولى.
من وحي العميد وبجهوده... وما يمكن وصفه بوقاحته.
واتصل العميد بنا، وكنا لا نزال جميعنا ننتظره على أحر من جمر. وقد ازداد العدد بانضمام بعض الفضوليين من "أهل البيت والمحازبين".
- آلو... ايه تألفت الحكومة رباعية. حضّروا المانشيت. بس اوصل بقلّكم التفاصيل.
ولأنه لم تكن ثمة بعد تلفونات جوالة (ولا شبكات حزبية) تأخرت الجريدة، وملأنا الوقت في المناقشة و"المشارطة" على التفاصيل. وهل نبيح الخبر للصحف الأخرى أم تنفرد به "النهار". ولم يصل العميد الى "النهار" الا الساعة الاولى والنصف ودخل المصعد ومعه المصوّرون ليطلب منهم احضار صور الوزراء الاربعة... طبعاً لكل صورته وحده. ونزل المصوران سام وجورج من المصعد في الطبقة الثالثة، تاركين العميد يصل وحده الى الطبقة التاسعة حيث استقبل بالتصفيق والقبلات.
ولم نغادر المكتب الا وفي يد كل منا نسخته المطبوعة من "النهار" لنفاجأ في شارع مصرف لبنان (الاسمه الرسمي شارع ميشال شيحا، وكأنه فأل خير دستوري!) بحشدٍ، متواضع طبعاً، لكنه حشد من الانصار شاهدوا سيارة العميد فتسللوا من شارع الحمراء ليسألونا عن الاخبار ومعظمهم كان يظن ان في الأمر ربما اعلان حرب على الحرب!
ولعل هذا هو حقيقة الأمر الذي حصل.
|
|
من يقدر على فتح كوّة بين حزب الله و«المستقبل»؟ |
ابراهيم الأمين   "الأخبار" |
يصعب توقّع تسوية سريعة. لا يعني هذا الكلام أنه من المستحيل التوصّل إلى توافق من شأنه تبريد الجبهات الأمنية، وتوقف إطلاق النار في مناطق بيروت والجبل بجانبيه الجنوبي والشمالي. ذلك أن الأمر لا يتعلق بالحسابات الميدانية وحدها. صحيح أن توازن القوى انفرط بصورة غير قابلة للتصديق، وسيسحب نفسه على كل المناطق التي فيها اختلاط وتداخل بين المعارضة والموالاة.
ورغم أن ما قامت به المعارضة في بيروت وفي الجبل ومناطق أخرى من لبنان، بما فيها ما يجري في المناطق المسيحية (سوف يكون هناك فرصة للحديث عن معركة صامتة جاءت نتائجها أسرع من نتائج معركة بيروت المدوية)، فإن ذلك يحقق للمعارضة نتيجة واحدة غير قابلة للصرف في أمكنة أخرى أو في أوقات أخرى. وهي دفع الفريق الآخر دفعاً نحو التسوية، وربما يحصل ذلك على طريقة «ومنهم من يدخل إلى الجنّة بسلاسل».
وإذا كان هناك من حاجة إلى تذكير أحد، فهي تذكير قادة المعارضة، ولا سيما السيد حسن نصر الله، بأن الهدف من أي تحرك احتجاجي سلمي أو عنفي هو الوصول إلى الشراكة الفعلية في السلطة. وهذا يتطلب مصالحة جدية. ومدخل هذه المصالحة الآن، هو فتح كوة في الجدار الفاصل بين حزب الله من جهة وتيار المستقبل من جهة أخرى.
وإذا كان في أوساط المقرّبين من آل الحريري من ينفخ في نار الحقد الذي ينمو في تربة الإحباط، فإن ذلك لا يفيد على المدى البعيد، لا لأن الانتقام ليس علاجاً، ولا لعدم القدرة على إعادة الأمور إلى الوراء، بل لأن الوقائع يجب أن تكون قاسية لناحية إعادة ترتيب الأولويات وفق ما يمكن تحقيقه من أهداف. ذلك أن المعضلة الرئيسية التي واجهها تيار المستقبل هي عدم إدراكه الحقيقة السياسية التي يمثلها كونه أحد الأعمدة الثلاثة للتجديد السياسي الذي واجهه لبنان خلال العقدين الأخيرين، وهي الحقيقة التي يجب أن تقوده إلى البحث عن صيغة للتفاعل وليس للتواصل مع الحيويتين المسيحية التي يمثلها تيار العماد ميشال عون والشيعية التي يمثلها حزب الله. وهو تفاعل كان يجب أن يقود إلى آلية أخرى وشكل آخر من إدارة السلطة، والأخذ في الاعتبار أن لا عون ولا حزب الله كانا جزءاً من المرحلة السابقة. مما يعني التعامل بطريقة مختلفة مع الشراكة التي تتطلب تفاهمات وتنازلات من النوع الذي كان الحريري الأب يجيده، لا من موقع الضعف بل من موقع إدارك الوقائع السياسية. وإذا كان يقال الآن لحزب الله إن القوة لا تكفي لإدارة البلاد، فإن قوة المال والدعم الخارجي لا يسمحان بإدارة مدينة فكيف بإدارة بلاد بأسرها.
أما من الجهة المقابلة، فإن حزب الله يعي، بالحساسية التي يمثلها، وبعقله السياسي والأمني، أنه لا يمكن ترك امبراطورية المستقبل تنهار بهذه الطريقة، وعليه الانتباه إلى أن حلفاءه من السنّة لا يمثّلون القوة القادرة على إدارة الشراكة، بل هم في موقع ضعيف أصلاً، وبالتالي فإن البديل الفعلي من تيار الحريري إن خرج أو أخرج من اللعبة، هو التيار السلفي الذي يتمتع بقاعدة أيديولوجية من النوع الذي يعيش على التعبئة المذهبية، وها هي رسائل تنظيم «القاعدة» أو المجموعات العاملة في فضائه بدأت تظهر عبر المواقع الإلكترونية وتعلن رأيها، وفيه إدانة لفريق الأكثرية باعتباره «قوة موالية لأنظمة الكفر والفساد في المنطقة، وعميلة للولايات المتحدة الأميركية»، لكن فيه إشارة إلى أن حزب الله لا يهاجم «سوى أهل السنّة».
وإذا لم يجرِ حساب هذه النقطة بدقة، ولم يجر العمل على تفعيل منطق التسوية، فإن المشكلة الغارزة في الأرض الآن سوف تطل برأسها، والخوف أن تفعل ذلك من خلال انتحاري يفجر نفسه في حسينية أو خلاف ذلك من المواقع التي تمثل الوسط الشيعي في لبنان.
على أن ذلك كله لا يعفي الأكثرية من الحاجة إلى مراجعة الذات. ولا يمكن الركون إلى التبرير الذي كرره أقطاب من الموالاة بعدم وجود ميليشيات للأكثرية وعدم وجود نية أو رغبة بالقتال. بل على العكس، فإن الخبراء والمعنيين يعرفون أنه ليس لدى هؤلاء القدرة على استخدام القتال. ولذلك راهنوا على دور خاص لقوى الأمن الداخلي من جهة، وعلى موقف للجيش من جهة أخرى. على أن ما حصل أظهر أن كل الدعاية التي قامت خلال السيطرة الإعلامية والنفوذ الوهمي لقوى الموالاة على مؤسسات الدولة المختلفة، ليس له أساس في الواقع. فقوى الأمن لم تكن جاهزة لهذا الدور، وكل ما كان بوسع وسام الحسن أن يقدمه للموالاة هو نصيحة بعدم المغامرة، والتراجع عن خطوات يمكن أن تعتبرها المعارضة استفزازاً يدفع بها إلى مواجهة لن تكون نتائجها في مصلحة السلطة.
وكان لموقف الحسن وقعه وإن المتأخر، بعدما أكثر أشخاص مثل سليم دياب وضباط سابقين من القول إن شباب المستقبل قادرون على حسم الأمور، وإن التهديد بدور إضافي لميليشيات وليد جنبلاط سوف يمنع سقوط العاصمة، وسيطرد جميع عناصر المعارضة من كل بيروت ومن وسطها على وجه التحديد.
يحكى أن نسراً وحماراً قررا السفر بطائرة. جلس الاثنان الواحد خلف الآخر. وفي الأجواء، بادر النسر إلى التحرش بالمضيفة وراح يضايقها، وكلما نهرته زاد في حركاته، فأعجب الحمار بفعلة رفيقه، فبادر هو أيضاً إلى التحرش بمضيفة أخرى. ولم يلبث طاقم الطائرة أن ضاق ذرعاً بهما، ففتح قائد الطائرة بابها وألقى بهما خارجاً.
طار النسر في الأجواء فيما أخذ الحمار يهوي إلى الأرض صارخاً، فاقترب النسر منه وسأله: أليس لديك أجنحة؟
رد الحمار: لا... لماذا تسألني؟
فعلق النسر ضاحكاً: ما دام أنه ليس لديك ما يساعدك على النفاذ بجلدك، فلماذا تحرشت وجنيت على نفسك!؟ |
|
توقيت الانفجار اللبناني!! |
راكان المجالي   "الدستور" الأردنية |
هل كان مطلوباً او مخططاً لوقوع حدث دراماتيكي في لبنان في هذا التوقيت؟، او ان انفجار الوضع كان صدفة او حصيلة تداعيات وارتكابات وردود فعل في خضم الصراع السياسي بين معارضة وموالاة على مدى الـ 3 اعوام الماضية؟،
ما حدث لم يكن بريئاً ، والقرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية هي بشأن اوضاع كانت قائمة منذ البداية فماذا عدى مما بدى،
ولا نريد في هذا المقال التعرض لتفاصيل المشهد السياسي اللبناني المأزوم وتطوره نحو المواجهة ، ولا مناقشة المواقف والآراء لفريقي المعارضة والموالاه ولا الاخطاء ولا النوايا فقط نريد ان نتوقف عند ما يجمع عليه كل اللبنانيين بمن في ذلك قطبا الصراع ، وهو ان الانقسام ضار بلبنان ، وان الانفجار يضعه على حافة الهاوية.
ما نتمناه في ظل احتدام الصراع في الايام الاخيرة الى حد المواجهة هو ان لا يتم إحراج الجيش اللبناني ليصبح طرفاً ، وان لا يتعمق الانقسام اللبناني ليصل الى المؤسسة العسكرية التي هي المؤسسة الاخيرة الباقية في لبنان بعد الفراغ في موقع رئاسة الجمهورية والشلل الحكومي وتجميد مجلس النواب،، ومن المؤكد ان الجيش بات ركيزة كل الخيارات لاستعادة المؤسسات اللبنانية وبالتالي الوصول الى حياة طبيعية لكل اللبنانيين ، ولذلك فان الجيش هو خط الدفاع الاخير للحفاظ على الكيان الوطني اللبناني.
ما قصدته في سؤالي عن توقيت انفجار الوضع اللبناني ، وهو لب الموضوع لهذا المقال هو ان اشير الى ان انفجار الوضع اللبناني كان مدوياً وصاخباً وخطف الانظار ، ولعله بما يشتمل عليه ما يحدث الآن في لبنان من إثارة يكون غطاء لزيارة الرئيس الامريكي جورج بوش للمنطقة للمباركة والمشاركة في ستينية الفرح الصهيوني باقامة الكيان الاسرائيلي في فلسطين في العام ,1948 ولا بد ان نلاحظ ان قضية فلسطين اصبحت واحدة من قضايا العرب واحياناً تكون في مؤخرة القضايا العربية ، فاحتدام الحرب الاهلية العراقية وتطوراتها الكارثية وفقدان العرب للعراق باتت قضية كبرى ، وما يحدث اليوم في لبنان يستأثر بأولوية اهتمام كل العرب ، وحتى في تضاعيف الحالة الفلسطينية فان التركيز والاولوية ينصبان على الانقسام الفلسطيني ورأب الصدع وانهاء الصراع بين سلطتين وتيارين.
وفي ظل ما يحدث في العراق ولبنان وفلسطين تنتشي اسرائيل بالفرح وتزهو باحتفالها في 15 ايار خاصة عندما يكون هذا الاحتفال هو احتفال امريكا برعايتها للكيان الصهيوني هذا الكيان الذي يعتبره بوش قصة النجاح الامريكية الاولى والأهم ان بوش قادم للمشاركة بالاحتفال ولتهنئة اسرائيل في عيدها وعرسها ، وهدية امريكا لاسرائيل هي كل هذه الانقسامات والصراعات والارتباكات والضعف وحالة الهوان العربي. |
|
لبنان بين الحابل والنابل |
محمد سلمان العبودي   "البيان" الإماراتية |
ذكرنا في مقالة لنا سابقة أن لبنان تحول، خاصة بعد حرب الثلاثين يوما، إلى دائرة تصفية حسابات خارجية أكثر منها تصفية حسابات داخلية. وأن هناك فئات داخلية تنفذ مخططات أو سياسات خارجية تهدف إلى أن تعلب دورها بشكل غير مباشر في تحديد مستقبل لبنان والمنطقة بعد ذلك.
وأن لبنان حتى ولو افترضنا أن الأحداث الجارية مرت بسلام، لن يقف بعد اليوم على قدميه ولن يعرف الاستقرار الأمني الداخلي لكافة الطوائف مادام اللبنانيون متفقون على تحويل أرضهم إلى ساحة معركة ومختلفون على رفض التدخلات الخارجية والجلوس على طاولة مستديرة لوضع حل لخطة تدويل أو بالأحرى تدمير لبنان.
واليوم يدخل لبنان حلقة أكثر خطورة في أزمتها الداخلية الممتدة منذ انتهاء حرب الثلاثين يوما. وتحول الخلاف الكلامي شيئا فشيئا إلى عناد وإصرار بعض الفئات على إثارة وتأكيد الصدع أو الاصطدام (أو عدم محاولة تجنبه) بين عدة محاور: مسيحية مسيحية ومسيحية مسلمة ومسلمة مسلمة.
صحيح أن لبنان ـ منذ استقلاله إذا كان قد استقل بالفعل وليس بالورق ـ له وضعية خاصة يتعلق بوجود تشكيلة متنوعة ولكنها غير متناقضة من الطوائف الدينية على أرضه، وأنه أكثر حساسية من أي دولة أخرى في العالم نحو إمكانية جره نحو السقوط في فخ الاصطدام الطائفي.
إلا أن هذه الحساسية وهذا الوضع الخاص جدا لهذا البلد الذي أصبح مريضا وهزيلا إلى درجة يصعب علاجه فيها، بدلا من أن يصبح سدا مانعا أمام أي محاولة اختراق لأي نوع من الفيروسات الخارجية، نجده يفتح له أبوابا تفوق كل توقعات من يريد الإيقاع به.
وآخرها مسألة شبكة الاتصالات السلكية التي أيقظت الأسلحة النائمة في سباتها الشتوي منذ انتهاء الحرب الأهلية في لبنان. والقول بحق حزب الله بالاحتفاظ بشبكة اتصالات سلكية تخدم سلاح المقاومة التي في نظره في موقع جيوش الخطوط الأمامية أمام أي تدخل خارجي في شؤون لبنان السياسية والعسكرية، أو بحق الموالاة بالتحفظ على وجود هذه الشبكة، مسألة استخدمت من جهة أو جهات ما لحاجة في نفس يعقوب من استثارها.
ويبدو أن هذه الشبكة موجودة منذ قبل عام 2000 ولم يعترض على وجودها أحد. وأينما كان الحق وموقعه، فإن محاولة تهييج الجروح التي تحاول الالتئام لن يكون مطلقا لصالح هذا البلد الذي تقرح جسده حتى بات لا يحسده عليه الحاسدون، وأصبحت حالته ميئوسا منها.
المشكلة في لبنان هي مشكلة الكلمة. ومأساة اللبنانيين تكمن أساسا في مأساة الكلمة وليس في امتلاك سلاح أو جيش أو ميليشيا. إن معظم النار التي تتفجر في لبنان تكون شرارتها الأولى التصريحات التي تطلق من جانب ضد آخر، وتتحول إلى سجال، ثم إلى رد عنيف ثم إلى نزول في الشوارع الذي يتحول بين ليلة وضحاها إلى حرب شوارع لتمتد لتصبح حرب طوائف. وكان ممكنا تفادي هذه الصدامات بتفادي شرارة التصريحات النارية.
السؤال هو إن كانت تلك التصريحات إما:
1 ـ مجرد زلات لسان نستبعد أن تتكرر بهذا الشكل المقصود من دون نية مسبقة من قبل قادة سياسيين يعرفون جيدا ما يقولون وما يفعلون وما يريدون الوصول إليه وتقع على عاتقهم مسؤولية مستقبل جمهورية لبنان بكامله،
أو 2 ـ دفاع عن الحقيقة دون مراعاة للأوضاع الحساسة لبلد مريض اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وحكومة،
أو 3 ـ مدفوعة الثمن من الخارج بهدف تقسيم لبنان إلى شمال ووسط وجنوب، كل وفق طائفته ووفق معتقده؟ لا أحد يعرف، ولكن لا نستبعد أن تكون كل هذه الاحتمالات بمجملها واردة.
حيث ان شؤون لبنان تدار في ضوء النهار من خارج لبنان، ولا توجد طائفة واحدة فيه تتخذ قراراتها من الداخل. هناك على الشاطئ الغربي، الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وهي تمثل معسكر الغرب الديمقراطي الذي يخطط لتحويل لبنان إلى بلد يتبع في سياسته تعليمات الغرب الصريحة والصارمة في تحويل المنطقة إلى منطقة مقلمة الأظافر تدور في فلكها ولا تعرض الكيان الصهيوني لأي خطر.
وهناك على الشاطئ الشرقي، تقف سوريا وإيران وبعض الحركات المعارضة للهيمنة الأميركية في العالم والتمدد الصهيوني في المنطقة وتحاول أن تقف حجر عثرة في تنفيذ هذا المخطط لحماية نفسها من الوصول إلى مرحلة الانهيار المأساوي كالذي حصل في العراق.
لبنان اليوم نتيجة لذلك يغلي على مستوى القيادات والشارع والبيت والفرد ووجد نفسه يقع بين إحباط سلطة متهالكة مرفوضة تعتبرها المعارضة غير شرعية وتتعامل معها من هذا المنطلق ولا تملك القوة لفرض النظام أو إيصال صوتها وبين عناد مقاومة عنيدة بدأت تسترد أنفاسها من بعد حرب ضروس كادت أن تودي بدورها.
والصفة الغالبة على الصراع الطائفي هو العناد والعناد المضاد: والمقاومة الخارجية انتقلت اليوم لتهيئ نفسها لمقاومة جبهات داخلية متعددة. وبهذه الطريقة تمت جرجرة لبنان بأسلوب سهل وبسيط ودون تكلفة عدوهم خسائر في الأرواح إلى حرب داخلية يقضي فيها اللبنانيون على أنفسهم بأيديهم وبسلاحهم.
وكان بإمكان المتنازعين لو كانت لديهم النية الحسنة التحفظ على تصريحاتهم النارية وسيئة النية واللجوء إلى الحوار العملي والعقلاني. إنها امتداد للحرب التاريخية بين الشرق والغرب كما كانت الحروب بين الفرس والروم على أرض العرب، وهي حرب ذات أصول حضارية وثقافية ودينية واقتصادية واستراتيجية في نهاية المطاف.
وفيما لو انهزمت المعارضة في لبنان فإنه سيعتبر انهزاما للمعسكر الشرقي في رفضه للهيمنة الغربية، وفيما لو استسلمت الموالاة لاعتبر فشلا ذريعا لمشاريع المعسكر الغربي الذي يحميه بكل ما أوتي من قوة في صدامه مع الشرق. ما يحدث هذه الأيام في لبنان ما هو إلا مقدمات طبيعية لانفجار حرب طائفية قادمة شاء اللبنانيون أم أبوا، وهذا هو مصير مستقبل لبنان شئنا أم أبينا.
وهو يجري في تنسيق دولي ملفت للنظر نحو تخليص المنطقة من أي بؤر تقاوم تلك الخطط البعيدة المدى والتي بدأت بمغازلة سوريا بغية قطع الطريق على حلفائها وقطعها عن حلفائها وانتقلت إلى مشاكسة حزب الله في لبنان، والكل سمع وشاهد دوي الرصاص في شوارع بيروت التي تدفع اليوم من جديد فاتورة تصفية الحسابات الدولية. في نهاية الأمر، يبقى السلاح هو الحكم الفاصل بين الحق والباطل على مساحة أرض اختلط الحابل فيها بالنابل |
|
اللبنانيون محكومون بالتوافق وثقافة الحوار |
  "الرأي" الأردنية |
يوماً بعد يوم يكتشف اللبنانيون (قبل غيرهم) ان لا سبيل أمامهم للخروج من أزماتهم المتلاحقة وخصوصاً الازمة الخطيرة الأخيرة، سوى الحوار وثقافته وبغيره فان الانتحار هو الخيار مهما تلبس خطاب الاطراف المتصارعة من شعارات براقة او كلمات مثيرة أو استعراضات للقوة أو بلاغة الكلمات..
الاجتماع الطارىء لوزراء الخارجية العرب الذين سيلتقون اليوم في القاهرة يؤشر على الاهتمام العربي بمصير هذا البلد الشقيق وبمستقبله وعلى أهمية هذا الاجتماع وما يمكن ان يخرج عنه من توصيات ومساع، فان الكرة في ملعب اللبنانيين أنفسهم الذين تحيط بهم النيران وتستعصي على أي فريق منهم امكانية شطب الآخر أو الهيمنة عليه بأي أسلوب أو مقاربة كانت..
الحوار هو الطريق الأسلم والأقصر والقادر على تجنيب بلاد الأرز وشعبها الكوارث والمزيد من المعاناة وسفك الدماء.. والمطلوب الآن وضع المبادرة العربية موضع التنفيذ وخصوصاً ان فريقي الأزمة أعلن قبوله بها والاختلاف تمحور حول التفاصيل والأولويات وهل تؤخذ كرزمة واحدة أم يصار الى انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ثم يتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الأولى في العهد الجديد ثم التوافق على قانون انتخاب جديد يكاد يتفق الطرفان عليه كما تدل على ذلك تصريحات رموزهما..
هي اذاً، أزمة ثقة لا أكثر ولا أقل، واستعادة الثقة او اعادة بنائها لا يتم بغير الحوار الذي يفتح الطريق على تنازلات متبادلة تسمح لكلا الطرفين بالقول لأنصاره انه حقق أهدافه وان صيغة العيش المشترك وضرورة المحافظة على السلم الأهلي وضمان وجود لبنان والحؤول دون تقسيمه او سقوطه في هوة الفتنة الطائفية او المذهبية تفرض على الجميع الالتزام بمبدأ الشراكة دون هيمنة او الغاء او اقصاء او استئثار بالسلطة او محاولة فرض الآراء بالقوة لأن لا سبيل الى تداول سلمي للسلطة في لبنان بغير العودة الى التقاليد اللبنانية العريقة التي تقوم على تمثيل كل الطوائف والمذاهب والأعراق عبر قانون انتخاب يجب وبالضرورة ان يصبح عصريا ومن خلال صناديق الاقتراع التي لم يقل أي لبناني انها لم تكن نزيهة وديمقراطية حتى في أحلك الظروف التي مر بها لبنان خلال ما يزيد على ستة عقود مضت على استقلاله..
أحداث الأيام الاخيرة يجب ان تفتح عيون اللبنانيين جميعا - وعقولهم - على حجم واتساع الهوة التي ينحدرون اليها بخيارهم او نيابة عن الآخرين والتفكير مليا في مصالح وطنهم وشعبهم بعيدا عن حسابات الخارج الاقليمي والدولي وبعيدا عن المكاسب الفئوية او الشخصية وخصوصا المذهبية والطائفية الضيقة والعابرة وان يعيدوا الاعتبار للقاعدة الذهبية التي حكمت صراعاتهم واختلافاتهم وهي قاعدة لا غالب ولا مغلوب لأن البديل هو الكارثة..
|
|
الحكومة تسرّعت |
كلوفيس مقصود   "النهار" |
كان من الطبيعي أن نركّز في مثل هذا اليوم على الذكرى الستين لقيام دولة اسرائيل، وما اذا كان هناك احتمال للجم تماديها في العدوان، وممارسة سياسات التمييز العنصري، واستمرارها في تحقيق اندثار التضامن والتنسيق العربيين بغية اجهاض اي امكان لجعل احتلالها وسياستها في التحريض على قوى الممانعة والمقاومة في ارجاء الامة العربية. وها هي تستعين بالانحياز الاميركي الى اهدافها، من اجل ادارة مصير المنطقة من منظور تعميم سياسات الفوضى البناءة التي بدورها تستولد محارق، وإن بالتقسيط كما يحدث في غزة، وكما حصل في الأيام الثلاثة من حرب تموز عندما تأجل وقف اطلاق النار وهو ما مكّن اسرائيل من زرع مئات الألوف من القنابل العنقودية في الاراضي اللبنانية.
كما كان من المتوقع في هذه الايام ان يشارك الشعب اللبناني في بلورة الالتزام الاخلاقي للقيام بمبادرة انسانية يتميز بها عندما يتاح للمواطن ان يعبّر عن عالمية اهتماماته وخصوصا في الكارثة الكبرى التي يعانيها اليوم شعب بورما والأهوال الناتجة منها والتي يزيد عدد ضحاياها في كل ثانية تقريباً.
كذلك كان يمكن الكتابة عن لبنان الذي ساهم في شكل رئيسي في الاعلان العالمي لحقوق الانسان وشارك في وضع شرعته ممثله آنذاك الدكتور شارل مالك، مكتسبا للبنان التقدير والاحترام لقيمه.
لذا، نأسف لأننا لا نستطيع ان نتوسع في هذين الموضوعين، لكون لبنان يعيش ازمة خانقة. فالطاقم السياسي بأكثريته ومعارضته يتكلم بعضه على بعض وليس مع الآخر. من هنا نجد ان ما حصل جاء نتيجة للإنشطار عندما يغترب الفريق الواحد عن الآخر، وتعزز هذا الافتراق المراهنات والارتهانات للقوى الاقليمية والدولية، وهو ما يستبدل الحوار بالتحريض المتبادل. من هذا المنظور وجدنا ان الحكومة تسرعت في القرارات التي اتخذت في شكل استفزازي من دون درس التبعات الفورية لمثل هذه الاجراءات مع ما تنطوي عليه من استفزازات حقيقية او متوهمة، بدون التكهن بنتائج من شأنها ان تكون متوقعة. ان هذه القرارات اعطت الانطباع انها مدفوعة من قوى دولية متربصة، ارادت تصفية حساباتها مع خصومها على حساب وحدة لبنان وأمنه الوطني وامن مواطنيه.
ان ردة فعل المقاومة وقيادتها، متوقعة، والى حد ما منطقية، ولكن في الحالة اللبنانية لا يجوز التفريق بين الغاية الحقة والوسيلة التي تبدو انفعالية، والتي تسهم في تشويه حرمة المقاومة. فالمقاومة تواجه عدوا واضحاً ومشتركاً لدى اللبنانيين، ومن غير الجائز مطلقا، ومهما يكن الاستفزاز الذي شكّلته قرارات الحكومة ان يحصل ما حصل، لأن المقاومة هي في واقعها ثقافة، ويفترض ان يكون حتى من يعتبر نفسه خصما لها، رافداً لها وحاضنا في شرعية اهدافها. من هنا كان الاعتداء على تلفزيون "المستقبل" وغيره من المؤسسات دليلا على انتقام وليس على تحويل النقمة احتضاناً ممكناً في هذا المضمار. لذا، لا مفر من ان تلجأ المقاومة دوما الى الاقناع لا الى الاملاء، كما الى تكثيف الوضوح لا الى التهديد وعليها ان تفسر شدة اعتراضها بدل فرض خطابها دون النفاذ الى اسباب القلق وخلفية عدم استيعاب معنى المقاومة وضرورتها.
من هذا المنظور بات واضحا كيف ان المؤسسة اللاطائفية المتمثلة في الجيش عملت على الحيلولة دون ان يتحول الشطط في السلوك نمطا في التعامل، وهذا يدل على تمكن الجيش الى حد كبير من ان يكون عنوان الوحدة الوطنية وحكما بقدر المستطاع، حائلا دون التفاقم وقد وفّر للطاقم السياسي الحكومي والمعارض فرصة لاستعادة لا مجرد الحوار بل ادب الحوار الذي يحدد ان على كل منهما ان يتكلم مع الآخر وليس على الآخر.
من هنا يتراءى لنا ان ما حصل من عيب في التعامل المتبادل يجب ان يكون حافزا على انتخاب العماد ميشال سليمان فورا، ومباشرة تأليف حكومة انتقالية مرحلية تكون قادرة في المرحلة المقبلة على توفير اجواء مطلوبة لعودة الرسالة الى لبنان ويكون في استطاعة خبرائه وعلمائه ومثقفيه وحكمائه الاسهام في هموم الأمة واهتمامات العالم. هذا هو لبنان عندما يتوحد، ولبنان خلال الايام الاربعة الاخيرة لم يكن كذلك. |
|
الوطن المقتول!! |
يوسف الكويليت   "الرياض" السعودية |
أي قوة تستغل وطناً أضعف تستطيع احتلاله، لكنها لا تقدر على حكمه، والأمثلة في وطننا العربي كثيرة، فقد خرجت بريطانيا، وفرنسا من كل مستعمراتهما، وكان أشرسها في الجزائر، ولا تزال تعاني أمريكا في العراق مواقف لا تدري كيف تخرج منها، وعاشت إسرائيل نكبة مضادة في احتلالها بيروت ثم الشريط العازل في الجنوب عندما خرجت بأسوأ هزائمها..
حزب الله احتل جزءاً كبيراً من بيروت، ويستطيع إكمال المسيرة إلى معظم أجزاء لبنان، لكن ذلك لا يعني حكمه وإدارته بشكل دولة بشروط أمنية مستقرة، وتوافق تام من كل شرائحه السياسية والدينية، لكن ما يبدو من سياق الأحداث أن الأمور تدار بروح المغامرة، وهو الشيء الذي سيضاعف مشكلات الجميع، وهنا نأتي إلى صلب المشكلة..
فقانون أن ينفرد أي حزب أو طائفة بلبنان، هوإغراق بالتفاؤل الصعب، وعملية أن ينتشر جيش حزب الله في مواقع خارج نطاق المقاومة، تفتح جبهة جديدة مع أطراف لبنانية ليست على استعداد للتسليم بهذا الواقع، وحتى عملية التوسع، ستعطي إسرائيل فرصة شن هجوم يبرره تباعد فصائل المقاومة عن نطاقها الجغرافي والحساس، وفي حال دخول قوى فلسطينية أخرى تريد أن تستغل الفراغ السياسي والأمني في محيطها، فإن ذلك أيضاً سيكون خروجاً عن الواقع وسيفتح الطريق أمام إعطاء فرص أخرى لدول خارجية لأن تتصرف بما تعتقد أنه اتجاه مرفوض، وهنا قد يعيش لبنان حالة جديدة، إما حصاراً عسكرياً، واقتصادياً، أو تدويلاً يرسم حدوده مجلس الأمن والقوى الفاعلة إقليمياً وعالمياً..
المواجهة القائمة ستسجل خسارتها على حزب الله أكثر من غيره، لأنه سار في الطريق الذي سيجعل المتعاطفين معه في لبنان وخارجه على إثر هذا الانقلاب، وبعد معاركه مع إسرائيل التي توِّجت بالنجاح يضعونه أمام مساءلات عديدة، أقلها أنه ضد حرية الرأي بتدميره وسائل الإعلام التي تتجه لنقده ومغايرة اتجاهاته وأفكاره، وأيضاً يبرهن أن خططه تغاير، تماماً، حقيقة ما كان يرفعه كشعارات بأنه لن يُطلق رصاصة باتجاه أي لبناني، بينما غلءق الصحف ومحطات الفضاء وتدميرها، وحصار الشوارع والمنافذ، وإعلان الإغلاق التام لمعظم أجزاء بيروت ومنافذها على مدن الداخل والخارج بما فيها الميناء، وقتلى عديدون في الشوارع، وكلّ محرّكات هذه الأزمة هوعزل قائد أمن مطار بيروت، وهذه الحادثة تطورت إلى انقلاب قد يجعل هذا المبرر فجوة خطيرة في أمن بلد تتلاعب داخله العواصف، ولا يمكن أن يهدأ ما لم يدرك كل رجل في القيادات العليا أن إثارة غرائز الانتقام، أو التفرد بالسلطة له فواتيره من الدم، والدمار لكل ما بنته الإرادة اللبنانية في هدنة السنوات الماضية التي تلت الحرب..
لسنا ضد حزب الله، لأنه لبناني لحماً ودماً، ونعرف أن الطائفة الشيعية عانت في كل العهود الضغط، والإقصاء والفقر، لكن هذا لا يبرر أن تقدم رسالة مضادة وهي التي تعرف كيف تعالت قوة السود في جنوب أفريقيا في ثورتهم السلمية التي نادت باللاعنف وكسبت المعركة، ولبّت نداء الوحدة الوطنية ليتعايش السود والبيض في وطن واحد..
حزب الله لا تنقصه قابلية تطبيق السلم الاجتماعي، والفرص لا تزال قائمة لكن أن تنحدر الأمور من اتجاه الوحدة الوطنية إلى تفكيكها، فالاتجاه الذي تسير عليه قد لا يكون في كل الأحوال سالكاً..
|
|
«صح النوم» |
طلعت اسماعيل   "البيان" الإماراتية |
أن تصدح السيدة فيروز في مسرحية «صح النوم» بالشارقة ثم تعود إلى بيروت فتتقطع بها السبل، وتحول الاشتباكات دون عودتها إلى بيتها بسهولة، فتلك مأساة لمن لا يريدون أن يصحوا من الغفلة، ومن لم يتعلموا الدرس من سنوات الحرب الأهلية السوداء التي يتحتم إلا تذهب صورها المريرة عن الأذهان، بحيث يعمل الجميع على درء أخطارها مجدداً مهما احتدم الخلاف، واشتد الصراع السياسي الذي يجب أن يبقى في إطاره السلمي.
شرارة الحرب التي تخيم شبحها مع تسارع الأحداث في الأيام الأخيرة إذا اندلعت فلا ينفع أن يحكم التاريخ على كون هذا الطرف مسؤولاً أو ذاك بمقدار ما ستسجل صفحاته إدانة الكل بما سينتج عن الرصاص من مخاطر، وتعطيل لدورة الحياة في بلد طالما عرف أبناؤه بحبهم للحياة والتفنن في صنع أدواتها التي تقود إلى المستقبل ولا تشد إلى الخلف.
لا يهم كثيراً المراقب المهتم بمستقبل لبنان من الذي بدأ أو كيف تطورت الأحداث بمقدار خوفه من اندلاع حرب عبثية سيدفع اللبنانيون جميعاً ثمن تداعياتها كما تم في سنوات الحرب الأهلية البغيضة، ومن هنا لا بد أن يستمع اللبنانيون كافة إلى الأصوات التي تحذر من التمادي في الخصومة، والإصرار على الذهاب إلى حافة الهاوية.
لا نريد لبناناً مشتعلاً ، تنزح عنه الوجوه العاشقة لترابه، تحت وقع الخوف من المستقبل المجهول لو اندلعت الحرب لا سمح الله ولا كانت، لكن ذلك لا يأتي بالنوايا الحسنة والدعوات الطيبة لأن يحفظ الله لبنان من شر المتربصين به، وإنما تجنيب ارض الأرز ويلات الحرب بين أبناء البيت الواحد.
يملى على هؤلاء الأبناء الاحتكام إلى صوت العقل، وإدراك أبعاد الفخ المنصوب لهم جميعاً. أليس غريباً أن تشهد شوارع بيروت المتراشقين بالرصاص فيما إسرائيل على بعد كيلومترات محدودة تقيم الأفراح والليالي الملاح احتفالا بالذكرى الستين على نكبة فلسطين؟! الا يوجد عاقل يربط بين ما يجري هنا ويتم هناك؟
قد تقول المعارضة إنها على حق تتمسك بسلاحها باعتباره» خط أحمر« ، وقد ترد الموالاة باتهامها بالمسؤولية عن عدم الاستقرار الذي دخلت فيه البلاد التي يحكمها »السيد فراغ« بتعبير البعض في غياب التوافق على الرئيس حتى اليوم، لكن مستقبل لبنان اكبر من هذا الاتهام أو ذاك، ولا يجب أن يكون هذا المستقبل كرة تتقاذفها الرياح، فأمن الأوطان يجب أن يتجاوز كل الخلافات، وتعارض المصالح الآنية.
هناك كلام كثير يتردد عن الأصابع الحقيقية التي تحرك الأحداث على رقعة الشطرنج اللبنانية، وأن مصالح إقليمية ودولية وراء ما يجري، وهذا قد يكون صحيحاً، لكن الأصح أن هذه الأطراف لا يمكن لها أن تلعب في الساحة من دون أن تجد لها منافذ ولوج إلى الشارع اللبناني، والاندساس في أزياء مموهة لا تظهر نفسها بشكل مباشر في صنع الفتنة بين أبناء البلد الواحد إذا لم يتح لها هؤلاء الأبناء الفرصة كي تتدخل في شؤونهم الداخلية، وتفجير الأوضاع خدمة لمصالحها.
ففي الأول والأخير لا تستطيع قوة مهما أوتيت من وسائل أن تزرع الفتنة إذا لم تجد لها تربة خصبة، وأصحاب تلك التربة مسؤولون في البداية والنهاية عن إعطاء الآخرين فرصة الزرع والحرث في أرضهم التي يجب أن يكون زرعها وحصادها لهم فقط وليس للآخرين المتربصين والذين لا بد وان يسعدهم انطلاق شرارة الحرب التي ستأكل الأخضر واليابس في طريقها، فمتى يستيقظ اللبنانيون من النوم ويدركون أن ما يجرى بالخصم من مستقبلهم جميعاً مهما تذرع كل طرف بحججه ومبرراته. |
|
لبنان: ماذا بعد؟ |
حسام كنفاني   "الخليج" الإماراتية |
لا يختلف اثنان في أن لبنان دخل مرحلة جديدة بعد الذي حصل في بيروت مؤخراً، وما يمكن تسميته “الحسم السريع” لمقاتلي المعارضة، وفي مقدمتهم “حزب الله”، للوضع الميداني في بيروت.
السؤال الذي يشغل الجميع اليوم هو: ماذا عن اليوم التالي؟ كيف من الممكن أن تتطور الأمور في لبنان نحو التصعيد أو الحل؟ وهل من الممكن أن نعود إلى صيغة “لا غالب ولا مغلوب” في المعادلة اللبنانية، التي أفرزت على الأرض غالباً ومغلوباً؟
ليس من السهل الإجابة عن الكثير من هذه الأسئلة، التي ستكون الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتوفير معطيات لتوضيح تحوّلات الأمر. غير أن السيناريو الجهنمي قد يكون متربصاً بلبنان والمنطقة في حال لم تنجح القوى “المنتصرة” في تأمين تسوية سياسية مشرفة للجميع على الأرض.
السيناريو يستند أساساً إلى اعتبار أن ما حدث في لبنان كان فخّاً محكماً لحزب الله تحديداً لجره إلى “السيطرة على بيروت” في ما يمكن اعتباره دولياً “انقلاباً على الديمقراطية”، وهو ما بدأ الحديث به فعلياً في أروقة مجلس الأمن تمهيداً لقرار دولي جديد ل “محاسبة” منفذي هذا “الانقلاب”.
محاسبة قد تأخذ أشكالاً مختلفة، أبرزها فرض حصار دولي بحري وجوي على البلاد وعلى التحويلات المالية إليها، وأسوؤها تفعيل الوجود العسكري الدولي قبالة الشواطئ اللبنانية، ولاسيما أن ملامح تحالف دولي كبير في طريقه إلى التبلور في مواجهة الوضع في لبنان.
والحديث المصري عن عدم استبعاد إرسال قوات عربية وإسلامية ما هو إلا مؤشر لما يمكن أن يكون يتحضر في الأروقة العربية والدولية منذ بدء مخطط استدراج حزب الله إلى معركة داخلية، وذلك مع استخدام الكاميرات وشبكة الاتصالات، وصولاً إلى خروج إعلان لبناني وعربي أن “السلاح غير شرعي”.
سيناريو حرب “عربية دولية” على لبنان وحزب الله قد لا يكون مستبعداً، والدخول “الإسرائيلي” في مثل هذه الحال سيكون أمراً مفروغاً منه. قد يكون المخطط قد وضع فعلياً منذ فترة طويلة وحان وقت التنفيذ للوصول إلى “الصيف الساخن” الذي وعد به ديفيد وولش أو “الحاسم” الذي تحدث عنه الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى.
سيناريو قد يكون مثاليّاً للتحول نحو مواجهة عسكرية مع إيران، تكون بدايتها من لبنان. |
|
...تراجع الحكومة يضع الجيش أمام الاختبار |
روزانا بو منصف   "النهار" |
فوجىء المجتمع العربي والغربي بتطورات الايام الاخيرة، بدءا بقرارات الحكومة وصولا الى اجتياح "حزب الله" مدينة بيروت فطريقة تعامل الجيش مع الاوضاع. ولم تخف دول مؤثّرة استغرابها الشديد لاداء الجيش والذي وصف بـ"الحياد السلبي المفرط". كل هذه التطورات لم تدخل في حساب الاميركيين الذين يركزون في هذه المرحلة على زيارة الرئيس الاميركي جورج بوش للمنطقة من اجل دفع مسار السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين، ولا في حساب الاوروبيين وحتى الدول العربية. فقد اربك الوضع الجميع وظهر هذا الارتباك جليا في المعلومات التي تناقلتها الاوساط الديبلوماسية ومواقف الدول المعنية. وبدا كما لو ان الافرقاء الداخليين ذهبوا بعيدا في خطوات غير مدروسة جرّت الدول المهتمة بالوضع اللبناني قسرا الى اعادة التركيز على التطورات المأسوية، ولذلك فإن عامل المفاجأة برز في شكل اساسي في رد الفعل الخارجي الذي بدا متمهلا في ابداء اي موقف حاسم قبل استطلاع مواقف الدول التي تدعم "حزب الله" على رغم الرفض المبدئي القوي لاجتياح بيروت، بما يعنيه ذلك من رفض لتغيير وجه لبنان السياسي على نحو لا يمكن معه القبول اطلاقا بما حدث. فاذا كان العالم لم "يهضم" حتى الآن احتلال حركة "حماس" لغزة، فلا يمكنه هضم التطور الاخير في لبنان.
لكن للعالم الخارجي أولوياته وروزنامته وآليته، في حين ان الامور متسارعة ولا تحتمل الانتظار طويلا. فالانقلابات في الغالب تسعى الى فرض أمر واقع، أياً تكن طبيعته، وعامل الوقت يؤدي دوره. وبدا المخرج اقرب الى ضرورة ان يكون داخليا اكثر منه خارجيا عند هذا الحد من الازمة، بما يعيدها الى قواعدها الاساسية لحصر الاضرار وتجنّب الاسوأ، وخصوصا ان الحزب بدا غير مبال باجتياح بيروت السنية ولا الجبل الدرزي ولا بتحوله تنظيما مسلحا داخليا فقد الغطاء الشرعي من القوى الاخرى لسلاحه. ولذلك فان الكلمة التي ادلى بها الرئيس فؤاد السنيورة انطوت على تراجع في امر اساسي يتعلق بالقرارين اللذين اتخذتهما الحكومة، ولو انه المخرج الذي كان اقترحه النائب سعد الحريري، أي وضع القرارين في عهدة الجيش، ورفضه "حزب الله"، ثم تبناه رئيس مجلس الوزراء ايضا بما يمكن ان يعتبره كثيرون استسلاما من الحكومة امام اجتياح بيروت وانتقال الحروب الاهلية الى كل المناطق الاخرى. لكن الحزب شاء الذهاب ابعد من "الاستسلام" الى، "اذلال" الحكومة على ما فهم ديبلوماسيون عاملون على خط استقصاء خلفيات ما يجري، عبر رفضه التراجع عما يقول انه عصيان مدني، والاكتفاء بالتراجع فقط عن المظاهر المسلحة انطلاقا من رسائل وجهها الى الحكومة بانه ليس على الجيش ان ينفّذ هذا الحل، بل على الحكومة ان تتراجع صراحة وعلنا عن قراريها، مقدمة لاستمرار الضغوط من اجل الحصول على استقالة الحكومة واعلان الحزب انتصاره. فهو لم يرغب في مخرج يحفظ ماء الوجه للجميع، بل أراد الذهاب الى الحد الاقصى، علما ان لا مصلحة للحزب على المدى البعيد في الاستمرار باحتلال العاصمة واقفال مطارها. وبدا واضحا ان الامور سترتد سلبا عليه ولو ان الانطباع لدى الجميع انه لا يأبه لها.
وبدا واضحاً لديبلوماسيين مطلعين من كلام السنيورة كما من كلام غالبية اركان الاكثرية انهم فوجئوا باداء الجيش ورأوا انه لم يقم بواجبه الاساسي في منع اعتداء تنظيمات سياسية مسلحة على ممتلكات عامة وخاصة واجتياحها العاصمة، وعلى رغم ذلك اضطرت الحكومة في غياب البدائل الى وضع الحل في عهدته على اساس ما قاله السنيورة بالذات، من انه لم يعد من طرف حيادي في لبنان، وتاليا يجب اللجوء الى الجيش ليفصل بين الفريقين.
الا ان عدم تجاوب الحزب مع الاقتراحات التي عُهد فيها الى الجيش، ومن بينها فتح الطرق، قد يأخذ الامور الى منحى آخر. فالحكومة وقوى الغالبية وافقت على الاجراءات التي اتخذتها قيادة الجيش في شأن ابقاء رئيس جهاز امن المطار العميد وفيق شقير في منصبه ومعالجة شبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" مع سلاح الاشارة في الجيش، وهي موافقة تحرج الحزب متى أصبح في الساعات المقبلة في مواجهة مباشرة مع الجيش، اذا اصر الحزب على ابقاء الطرق مقفلة وتعطيل المطار والمرفأ. فالجيش سلّف الحزب الكثير في الايام الاخيرة الى درجة جعلت الكثيرين، في الداخل والخارج، يخشون للمرة الاولى منذ عام 1975 على دور الجيش. ثم طرحت قيادة الجيش تسوية يمكن اعتبارها حلا وسطا معقولا اذا أُريد للوضع ان يقف عند حدود التدهور الخطر. وهذا يرتب على الحزب في الساعات المقبلة مسؤولية اكبر مما كانت في كل الحقبات التي سبقت مساره وعمله، مقاوما كان ام حزبا سياسياً لان اتساع الفتنة في الساعات الاخيرة أظهر ان الحزب لا يأبه الا بتحكيم شروطه، في حين حقق ما طالب به السيد حسن نصرالله، ايا يكن الثمن الذي سيدفعه لبنان.
|
|
نافذة الفرصة ضيّقة وباب الخطر واسع
|
رفيق خوري   "الأنوار" |
ليس بين اللاعبين من يجهل أن لعبة العنف تخرج من الأيدي بعد بدئها ويصعب التحكم بها. فضلاً عن انها تجعل الأزمة السياسية أعمق وأخطر. فلا هي تحسم الوضع المأزوم مهما تكن موازين القوى مختلة. ولا هي، إلاّ في استثناءات محددة، الباب الى التسوية انطلاقاً من صدمة الخطر على الجميع والشعور باعادة الاعتبار الى موازين المصالح الوطنية. ونحن، بصرف النظر عن الشعارات والأوهام والأحلام، ندفع ثمن خطأ وخطيئة.
الخطأ هو القرارات المتسرعة لمجلس الوزراء، سواء كانت بفعل موقف محلّي أو بتأثير مواقف خارجية. والخطيئة هي الرد باستخدام سلاح المقاومة في الداخل بقرار محلّي أو اقليمي بحجة حمايته، فأصبح موضوعاً يفرض نفسه على الحوار المقترح.
فكيف اذا بدت لعبة موازين القوى المحلية خارج المصلحة الوطنية العليا وداخل موازين القوى والمصالح الخارجية المتناقضة والمستعدة للتفاهم على حسابنا في الوقت نفسه؟
قيادة الجيش التي وجدت نفسها في أصعب امتحان للمؤسسة العسكرية تضع الجميع الآن أمام الاختبار. أولاً لجهة المواقف المعلنة وما اذا كانت هي المواقف الحقيقية أو النهائية. وثانياً لجهة التسليم او عدمه بما تراه للعودة عن الخطأ والخطيئة. فهي اتخذت أربعة قرارات بعد وضع القرارات في عهدتها واعتبار انها لم تصدر عن الحكومة: إبقاء العميد وفيق شقير في منصبه، مع اتخاذ التدابير التقنية بعد التحقيقات للحؤول دون تكرار ما حدث في قصة الكاميرا. معالجة شبكة الاتصالات بما (لا يضرّ بالمصلحة العامة وأمن المقاومة). الطلب من جميع الأفرقاء اعادة الوضع الى ما كان عليه لجهة (منع المظاهر المسلحة وسحب المسلحين وفتح الطرقات). وتكليف وحدات الجيش (حفظ الأمن وبسط سلطة الدولة وتوقيف المخالفين).
وهذا، اذا كانت النيات سليمة، يفسح في المجال كخطوة ثانية بعد اعادة الوضع الى ما كان عليه هو الخروج من الوضع السابق للسيطرة على بيروت والذي لم يكن مقبولاً بالطبع. اي الانتقال من الأزمة الى التسوية بالحوار. لكن السؤال هو: اي حوار ومن يديره وما هي بنوده؟ والمسألة هي ان يكون لبنان دولة ديمقراطية او لا يكون. فكل طرف يقول حالياً انه ينتظر جواب الطرف الآخر عن البنود التي اقترحها للحوار، في حين ان الاقتراحات ليست قرآناً ولا إنجيلاً. والمهم هو ان يدفعنا الشعور بتعاظم الخطر الى التخلي عن المواقف المتصلبة. والأهم هو ان يتغلب وزراء الخارجية العرب على الانقسام العربي الذي هو جزء من الأزمة في لبنان. فهل يخرج الوزراء بمبادرة لها أسنان لا خلاف على تفسيرها ولا الإجماع عليها شكلي؟ وهل يشكلون وفداً يأتي الى بيروت فلا يغادرها قبل التوصل الى تسوية؟
نافذة الفرصة ضيقة، وباب الخطر واسع.
|
|
"نحن لها" |
بشارة خيرالله   |
إستعمل السلاح، وأجبر "حزب الله" وهو الذي سعى جاهداً في الداخل اللبناني الى تجنب مغبة الصراع الداخلي المسلح، في حين سعى الفريق الآخر الى جرّ المقاومة وإجبارها على إطلاق الرصاص في أحياء بيروت فكانت النتيجة الدفاع عن النفس...
طبعاً بالعودة إلى الوراء كلنا يذكر "نحن لها" لرئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري التي بشر بها وبأنه حاضر لأي مواجهة محتملة إذا فرضتها المعارضة وتحديداً "حزب الله"، فأتى يوم الحريري الموعود بعد نصائح البيك وحصلت المواجهة ليتبين الخيط الأبيض من الأسود وتنكشف الأقنعة ليثبّت "حزب الله" مدى إحترامه الحرمات ومدى إلتزامه مجابهة الميليشيات المدججة بالسلاح فقط رغم تفوقه العسكري.. من هنا يرى البعض بأن ما فعلته عناصر المعارضة خير دليل على التعاطي الراقي في عزّ المعركة ورغم قساوتها والذي برهن عن وعي وطني في التعامل مع أهل بيروت الأبرياء الذين لا دخل لهم.
للذكرى فقط
هنا لا نستطيع أن نمرّ مرور الكرام عن حادثة شبيهة ومؤلمة إلى حدٍ ما وهي أحداث حرب الجبل منذ ربع قرن يوم إنسحبت "القوات اللبنانية" من قرى الجبل مهزومة من قبل "التقدمي الإشتراكي" الذي تعاطى "تماماً" مع الأهالي كـ"حزب الله" اليوم، فلم يقتل أو يذبح احداً ولم ينكل بأي كنيسة ولم يسرق ويحرق أي منزل ولم يغتصب أي فتاة على الإطلاق، وطبعاً أعاد أجراس الكنائس التي سقطت سهواً بأيادي المقاتلين البواسل فور إنتهاء المعركة.
على أهل السلطة قبل المعارضة وناسها رفع القبعّات للمعارضة وقياداتها التي برعت في حسن التعامل... |