لم يكن مصادفةً أن يصدر تقرير "شيلكوت"(1)الذي ألقى باللوم على الاميركيين بشكل اساسي في جرّ ​بريطانيا​ الى الحرب وغزو ​العراق​ عام 2003، في هذا التوقيت الذي يتزامن مع قطع موضوع التسوية في سوريا والمنطقة مسافة لا بأس بها.


واعتبرت لجنة التحقيق البريطانية ان لندن تسرعت في الاستجابة للطلب الاميركي ودخلت الحرب باكراً دون استعداد، وبذلك تكون القت اللوم على الاميركيين لجهة التحريض، وعلى المسؤولين البريطانيين لجهة الاستجابة السريعة وعدم الرفض او التحضير المسبق لمثل هذه الحرب.


لكن الأخطر من كل ذلك، ما أعلنه الجنرال تيم كروس(2)من أنّ وزير الدفاع الاميركي في حينه ​دونالد رامسفيلد​ رفض الاستماع الى وجهة نظر الامم المتحدة او بريطانيا حول احداث ما بعد الحرب، وقال ان الولايات المتحدة فككت الجيش العراقي وحزب "البعث" الحاكم دون استشارة احد. في المقابل، كان وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند يعتبر تفكيك حزب "البعث" العراقي "اكبر خطأ في التخطيط الغربي لما بعد غزو العراق".


في حصيلة هذه المواقف، يمكن القول أنّ بريطانيا دقت بالفعل ناقوس الخطر في سوريا من وجهة النظر العراقية، وغمزت من القناة الاميركية لعدم تكرار الخطأ مرة ثانية. هذا ما يمكن قراءته من خلال المواقف الرسمية للمسؤولين البريطانيين، وبالتالي، من المنطقي القول ان بريطانيا تدعو الى عدم تفكيك ​الجيش السوري​ بعد التسوية التي ستشهدها المنطقة، لاننا سنكون عندها امام مرحلة جديدة من الخطورة وامكان نشوء تنظيمات ارهابية يتم تمويلها من قبل دول قريبة او بعيدة.


ولكن التحذير البريطاني هذه المرّة سيلقى دون شك آذاناً صاغية في واشنطن لأسباب عدّة اهمها أنّ الرئيس الاميركي الحالي باراك اوباما ليس جورج بوش، وهو عمل معظم فترات ولايته على الدفع في اتجاه الابتعاد عن الحروب وعن توريط الجيش الاميركي قدر الامكان في بلدان العالم (افغانستان، العراق، سوريا...). اضافة الى ذلك، فإن اصحاب الرتب العالية في الجيش الاميركي ادركوا حجم الاخطاء التي ارتكبت في العراق بعد حل الجيش العراقي، ودفعوا ثمنها غالياً حيث لا تزال العمليات التي لاحقتهم في كل المناطق العراقية خير دليل على مدى فداحة القراءة الخاطئة لمساوىء تفكيك الجيش العراقي.


ومن أهمّ الأسباب الاخرى ايضا ًالتي تدفع واشنطن الى الاستماع الى مثل هذه التحذيرات، ظهور عدم استعداد حقيقي لدى الحلفاء في كل القارات للدخول في مستنقع جديد في سوريا بعد المستنقع العراقي، وهو ما سيحصل في حال تم تفكيك الجيش السوري او التعرض لتركيبته، وستجد أميركا نفسها وحيدة في هذا المستنقع.


ولا يمكن في أيّ شكل من الاشكال، إغفال التواجد العسكري الروسي والإيراني في العراق، وهذا وحده يشكل سبباً اساسياً للتردّد والتفكير مرتين وثلاثة قبل الاقدام على اتخاذ اي قرار يصيب الجيش السوري، ناهيك عن ان الرأي العام العالمي لن يتفهّم ضرب جيش يستهدف "داعش" والتنظيمات الارهابية التي لا يرغب اي جيش غربي او عربي في مواجهتها، كما أنها ضربت دول العالم كافّة واستحقّت أنْ تكون على قائمة الاكثر كرهاً لدى المواطنين في كل اصقاع الارض. ومن الطبيعي الا يكون لدى هؤلاء المواطنين اي مشكلة مع الجيش السوري الذي يحارب "داعش" والتنظيمات الاخرى، وهم على استعداد لغضّ النظر اذا اقتضى الامر على اتهامات تطاول هذا الجيش بالتعرض للمدنيين.


لن تكون سوريا عراقاً ثانياً. هذا امر مفرغ منه، ومن المؤكد ان التحذير البريطاني قد وصل صداه الى واشنطن ودول العالم اجمع، وان الجميع على يقين من صحة هذا التحذير ولن يقدم تحت اي ظرف على معاودة الخطأ لان الثمن هذه المرة سيكون كبيراً وكبيراً جداً.

(1)تقرير أخذ سبع سنوات من التحقيق والمتابعة لمعرفة الموقف البريطاني الحقيقي في حرب العراق ومدى صحته، وترأس لجنة التحقيق السير جون شيلكوت.


(2)الجنرال تيم كروس هو الضابط البريطاني الأعلى رتبة في المشاركة في التخطيط لحرب العراق.