يبدو أن اولى مرافعات الثلاثيّة الحواريّة جعلت من الجالسين حول طاولة الحوار مستشعرين لخطورة المرحلة الراهنة التي تمرّ فيها المنطقة، خصوصًا وأنها تشتعل على وقع مصالح الدول ووفقًا لأجنداتها، واذا كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري أطلق جرس الانذار بقوله مع بداية اللقاء الحواري "اننا امام احدى الفرص الأخيرة النادرة. وأي اتفاق مهما كان سيئًا يبقى أفضل من الحال التي وصلنا اليها في مرحلة دقيقة وخطرة، لذلك اردت هذه الاجتماعات بمثابة دوحة لبنان". رئيس المجلس النيابي الّذي وضع إطارًا سقفه دستور الطائف مبتعدًا عمّا حصل في الدوحة برفض اعتباره مؤتمرًا تأسيسيًّا، فإنّ البداية مع موضوع رئاسة الجمهوريّة لم يُفضِ الى نتيجةٍ تُذكر، إذ ان ما حصلت عليه صحيفة "النشرة" الالكترونيّة من محضر الاجتماع لا يبشّر كثيرًا بالخير!.

النائب ​أسعد حردان​ الّذي أشار في البداية الى أن اللامركزية موجودة في الطائف. اعتبر أن اللامركزية الإدارية فتكون مرتبطة بقانون الانتخاب متمنّيًا ربطها به. وهنا تدخّل النائب فؤاد السنيورة مؤكّدًا على أهميّة ما قاله زميله حردان وطالب بالقاء نظرة عليه اولا ومن ثم نراه في ضوء المعطيات. في حين أن رئيس حزب الكتائب النائب ​سامي الجميل​ رأى الاقتراح منطقيًّا. فطالب عندئذٍ وزير الاتصالات ​بطرس حرب​ بالتمييز بين التقسيمات الادارية والدوائر الانتخابية بحيث يمكن ان يكونا مختلفين. وحتى لا تصبح اللامركزية الادارية محطّ جدل بين المتحاورين تدخّل بري لتصويب ما جاء الجميع من اجله وهو جدول الاعمال. فجدّد الوزير حرب طلبه بالعودة الى الدستور "ولنزول جميع النواب الى المجلس النيابي لانتخاب الرئيس الا اذا كانت النية متّجهة الى تجاوز الدستور وهو سبب لوصولنا الى هذه الحال التي نشكو منها".

حوار طرشان

وهنا تدخّل السنيورة ليكمل الحديث معتبرا ان الخروج عن الدستور سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة من دون نتيجة. وتابع: "هناك مرشحان، الإثنان من 8 آذار فلننزل الى المجلس ولينتخب النواب ولتقرر الأكثريّة شخصية الرئيس"، معتبرًا أن وضع شرط، "اما ان تنتخبوا هذا الشخص او لا انتخاب، فهذا تجاوز لمجلس النواب في الشكل والمضمون وهو تكرار لمخالفة الدستور التي حدثت في الدوحة". ولفت الى أن "ما اقريناه في الدوحة لم يتم الالتزام به". فقاطعه بري بالقول "ان عدم الالتزام حصل في ما بعد، ولقد خلّصنا البلد في الدوحة". فردّ السنيورة مكرّرًا أن "الدستور واضح لا يجوز الخروج عنه، فلنلتزم به ولا مجال لقواعد جديدة. أما ما يطرح من تعديلات عليه، فلا مانع من التباحث حوله انما بعد عودة الهدوء". رئيس الجمهورية مثل خيط المسبحة الذي يجمع الناس وعند انقطاعه تصبح كل حبة وحدها.

كل يغنّي على ليلاه

رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الّذي اتّسم بالهدوء أجاب على طروحات السنيورة فرأى أنّ "لكل منا وجهة نظر يطرحها. هناك ناس تقول ان الدستور مقدّس والخروج عنه يسبب المشاكل لكنهم يخالفون الدستور. منذ العام 1992، شردنا، لاننا لم نلتزم بما كان مقررا ان نفعله في مجلس العام 1992 والآن نحن نلتزم بالدستور عبر التوافق على التنفيذ الكامل لبنوده". وأردف "عندما اتفقنا على العماد ​ميشال سليمان​ (كرئيس للجمهوريّة)، هل التزمنا الدستور؟ نريد ان نتّفق قبل تطبيق الدستور واذا لم نتفق سنرجع عن كل ما تم الاتفاق عليه. نقبل ان نتفاهم على رئيس الجمهورية ولا يحق لأحد القول ان هناك أناسًا يخرجون عن الدستور ولا نعطّل شيئا بل نمارس حقنا الدستوري. "بدكم بلد او بدكم رئيسا بجيبتكن؟ جاوبونا". لكن لن يبقى بلد اذا كنتم تريدون ذلك".

وحتى لا يتحوّل موضوع انتخاب رئيس للجمهوريّة الى مادة سجال بين قوى الرابع عشر من آذار وقوى الثامن من آذار، قاطع رئيس المجلس النيابي بقوله "لكل منا وجهة نظر وفي كل منها جزء من الصحّة. كلنا متمسكون بالدستور وان كنا لم نطبقه. كلنا متفقون على أهميّة الرئيس لكن اذا لم نتّفق على الحكومة كيف تُحَلّ المشكلة؟ كل ما هو مطلوب غير صحي وغير دستوري، نحن مع الطائف ونعمل على تطبيقه". وهنا عاد الحوار بين السنيورة ورعد حول هذه المشكلة في التحديد فأشار الأول ان "الدعوة الى الاتفاق تعني اننا سنتفق على رئيس ولا يمكن القول اما نتفق على شخص ام لا". في حين طالب الثاني بالاتفاق "والا لن تحصل انتخابات. نحن لا نقول اما أن تنتخبوا مرشحا او لا رئاسة. بينما انتم تقولون ذلك".

هنا عاد ليتدخّل رئيس كتلة المستقبل النيابية ليعتبر أن "اختيار أي رئيس ليس لطائفته بل هو قرار وطني، كما أن نادي المرشحين محصور بأربعة وهذا خطأ. القول ان الرئيس يجب ان يكون قويًّا غير دقيق، فالصحيح انّه يجب ان يكون مُؤَيَّدًا من بيئته ومقبولا من الآخرين. الرئيس رمز الوطن واذا لم يكن للجميع فسيكون وجوده داعية للتفرقة بين اللبنانيين. قررنا الموافقة على مرشح من 8 آذار وأنتم لا تقبلون به".

رئيس تيّار "المردة" النائب ​سليمان فرنجية​ الّذي كان حاضرًا تحدّث بدوره ليكشف أن الاتفاق على بعض الامور في الجلسات السابقة لم يتم الالتزام بها لا سيّما الدستور ومواصفات الرئيس. وأطلق موقفًا يعتبر الأول من نوعه مؤكّدًا سحب ترشيحه الرئاسي في حال الاتفاق على مرشّح ثالث.

من جهته اعلن نائب رئيس المجلس النيابي موافقته على طرح 3 أسماء للرئاسة ليتمّ التفاهم على أحدها.

النائب طلال ارسلان وإذ رأى أنه "حسب الجدل هناك فئة مصرّة على تطبيق الدستور وفئة لا. وان الدستور قابل للجدل والموضوع اكبر من النقاش حول النصوص الدستورية." اعتبر ان الناس تنتظر نتيجة بعد 3 ايام من الحوار، واقترح في حال عدم الوصول الى بوادر جدية، عدم الاستمرار واعطاء مساحة للمشاورات. مشيرا الى أنه لا يرى ان احدا سيحيد عن موقفه.

وهنا تدخّل حردان ليتحدّث عن المناقشة التي حصلت في السابق حول قانون الانتخاب "وطرحنا مجلس شيوخ كنقطة قد تساعد على خرق الجمود". ورأى ان المبادرات يجب ان تأتي من الجميع ولا يمكننا الطلب الى فريق واحد طرح اسماء لاختيار أحدها. وطرح نظرته للمجلس المذكور: النسبية على دائرة واحدة. وهو دون صلاحيات انما هدف وجوده طمأنة الطوائف الى الفيتو حول كل ما يمسّ وجودها ودورها. السنيورة: التزاما بالدستور لا ارى مكانا للاختراق الا بهكذا مجلس يحل مشكلة وجود الطوائف ودورها ومسألة الحرب والسلم.

النائب نجيب ميقاتي دعا لتكرار الالتزام باتفاق الطائف، وطالب بتعهّد التطبيق الكامل للدستور، ولنبدأ بانتخاب رئيس للجمهورية.

رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط أيّد ما قاله زميله ارسلان لجهة الاجتماع لثلاثة ايام من دون نتيجة ستكون ضربة كبيرة للجميع. وتابع "عام 2006 كان الحوار صعبا لكننا انجزنا. اليوم انجزنا اننا اكدنا على الطائف ومواصفات الرئيس. هناك كلام ان قضية الرئاسة ليس ناضجة بعد. بسبب ظروف اقليمية ودولية لا تساعد على انتاج رئيس ولنعالج امورنا كفتح مجلس النواب". فردّ الجميّل أن "القضية المبدئية فصل بين الدستور وبين وثيقة الوفاق الوطني". وزير الاتصالات كرّر مقولته "ان طرح العماد ميشال عون وفرضه على اللبنانيين مخالف لأحكام الدستور لأننا لسنا في صدد تعيين رئيس انما انتخاب رئيس... وان خروج البعض عن اصول الديمقراطية ومحاولة فرض رأيه علينا سبب الازمة وسيؤدي الى خراب البلد. لا يمكننا المتابعة على هذا النحو، يمكننا الاجتماع 20 يوما من دون التوصل الى نتيجة... نريد رئيسا قادرا على اجراء الاستشارات وتشكيل حكومته لا ان تفرض الحكومة عليه.

الدجاجة والبيضة

ومع بدء غليان النقاش عمّا اذا كانت البيضة قبل الدجاجة او العكس، وربّما مخافة أن ينفرط عقد الحوار، عاد رئيس المجلس النيابي ليستلم زمام المبادرة من جديد ليشير أن ليس من المهم "أن نشكو أم لا فالموضوع هو لبنان بكامله، الوضع المالي سيء جدا. لدينا 3 اشهر وبعدها لا يعود من حاجة الى الحوار لأننا نقترب من الانتخابات النيابية. واذا لم نتفق سنذهب الى الانتخابات على أساس قانون الدوحة ولا مجال للتمديد وأي اتّفاق يجب ان يبدأ بانتخاب رئيس. واذا لم نتفق فلنذهب الى الانتخابات النيابية الآن ويلتزم كل الافرقاء في النزول الى انتخاب رئيس في المجلس".

برّي الّذي قرع جرس الانذار أكثر من مرّة من دون أن يرفّ للمتحاورين أي جفنٍ حول الوضع المأزوم وما آلت اليه الأمور أكّد "انّ الخطر على البلد يزداد ولن نترك الاجتماعات الا اذا وصلنا الى شيء ايجابي".

الجميل أكّد على ما قاله رئيس السلطة التشريعيّة بأننا "على حافة انهيار كل ما تبقى من لبنان، واذا لم نحدد مهلة لبتّ الامور فلن ينجح الحوار، ولنقل انه اذا لم نتفق بعد الايام الثلاثة فلنعلن اننا لن نعود الى الاجتماع الا اذا طرأ جديد". وشدّد على أنه "في الاساس ضد اتفاق الطائف ولنا عليه الكثير من الاعتراضات. كلنا مؤسساتيون واطالب بتعديل الدستور وفق الآليات الدستورية وادعو الى تحديد ما لم يتم تطبيقه ولنطبقه. انما هذا لا يبرر عدم الالتزام بآلية انتخاب رئيس للجمهورية المعتمدة منذ 80 سنة.

وزير السياحة ​ميشال فرعون​ تطرّق في مداخلته الى أمور عدّة أولها "ان الاتفاق السياسي على الأمن هو امر ايجابي وثانيها ان التمسك بالدستور والطائف ايجابي ايضا". واعتبر أن "موضوع الاصلاحات السياسية وحدها يستحق طاولة الحوار وهناك مواضيع اخرى مهمة يجب بحثها انما يمكن تحقيق اتفاق على الموازنة وعلى قانون الانتخاب وملف اللاجئين السوريين وملف النفط وهما ملفان يجب على الحكومة التصدي لهما. ان موضوع الرئاسة معقّد والصراع الاقليمي وعلاقة بعض الجالسين على الطاولة به يزيد الامور عرقلة".

اتّفاق؟!

وهنا حسم نبيه برّي الحديث عن رئيس الجمهورية قائلاً "بحثنا موضوع الرئاسة اليوم واتفقنا على أمرين: الالتزام بدستور الطائف والالتزام بأن اي اتفاق يجب ان يبدأ بانتخاب رئيس جمهورية. وكما قال وليد جنبلاط ان القضية ليس جاهزة لبنانيا واننا سننتقل الى موضوع ثانٍ لكن هذا لا يعني اننا تخلينا عن موضوع الرئاسة".

وزير الخارجيّة جبران باسيل طرح سؤالا "لنفترض اننا اتفقنا على قانون الانتخاب دون الاتفاق على الرئيس فكيف نعمل"؟. فأجابه رئيس المجلس النيابي "لا ارى امكانية تفاهم على قانون انتخاب. حين كنا في الدوحة قلت اننا فشلنا واستعدينا للمغادرة، وفي الدقيقة الاخيرة جرى بحث بيني وبين وبين رئيس حكومة قطر الذي ابلغنا ان أمير قطر سيعلن الساعة 6 ان نبيه بري أفشل الاتفاق، فاتفقنا على تشكيل لجنة عملت كل الليالي وجرى تفاهم على قانون انتخاب وقد نجحنا بذلك. ممكن ان نتفق على ان تجري الانتخابات بغير قانون الـ60، انما التخوف من عدم احترام البعض لتعهداتهم، فاذا اتفقنا على قانون انتخابات آخر، عند ذلك نكون مستعدين للذهاب الى مجلس النواب ونمشي بهذا الأمر. اذا قررت اجراء انتخابات الآن على اساس قانون الـ60 فسيعود النواب أنفسهم ونكون خرّبنا البلد أمّا اذا اعتمدنا النسبيّة ستتغير المعادلات ولا بد ان العالم سيقومون باجراء انتخابات رئاسية".

فردّ السنيورة على هذا الكلام، "اذا قال احدهم انه لا يوافق هذا يعني أنّه وضع الرئاسة في الدرجة الثانية". في حين أبدى حرب عدم موافقته على هذا الطرح لأنه وبحسب رأيه "نكون كمّن يقذف البلاد الى المجهول ما سيؤدي الى انهيار كامل للنظام". فردّ بري على ممانعة وزير الاتصالات "اذا كنت ممانعا للطرح وانت من اركان الحوار حول هذه الطاولة فلا يمكن ان تسير فيه. لا يجوز ان نبقى في الحالة التي نحن فيها".

وابدى باسيل رفضه لأيّ قانون لا معيار واحد فيه قائلاً "لقد اجرينا تجربة في حزبنا one man one vote".

السنيورة ذكّر انه في عهد حكومته الاولى عيّن لجنة فؤاد بطرس الّتي وضعت تقريرها عام 2006 واعتبر آنذاك "اننا نحتاج الى 3 سنوات لتدريب الناس على ممارسة النسبية". فأجابه رعد ان الكلام عن صعوبة النسبية لا يعني اعدامها. باسيل اردف انه "اجرينا انتخابات نسبية ولم نحتاج الى أي توعية وهي الافضل". ووافقه مكاري باعتبار أن one man one vote هي افضل طرق الانتخابات. ليعلن باسيل والجميل القبول به، في حين أن مكاري عاد ليستدرك بالقول أن "النسبية في الحزب لا مشكلة طوائف فيها خلافا للانتخابات العامة".

وهنا اسدلت الستارة على اولى مرافعات الثلاثيّة الحواريّة ورفعت الجلسة الى يوم الثلاثاء دون التوصّل الى نتيجة تُذكر وبقيت حال من المراوحة. فهل يتوصّل المسرح الحواري غدًا في جسلته الثانية الى تدعيم الوطن بدل تدعيم زعاماتهم؟