قرأنا في صحيفة "النشرة" الالكترونيّة بتاريخ 16/9/2016، خبراً مفاده أن سكان مخيّم البدّاوي في الشمال للاجئين الفلسطينيين، قد قطعوا الطريق المؤدية إلى المخيّم إحتجاجاً على إجراءات إتخذها الجيش اللبناني على مداخل المخيّم.

للوهلة الأولى يبدو الخبر عاديًا، لكن بتسليط الضوء على الواقع الفلسطيني في لبنان، إن في المخيّمات أم خارجها، يتبيّن أن الإجراءات التي يتمّ إتخاذها بين الحين والآخر على مداخل المخيّمات الفلسطينية من قبل الجيش هي ضرورية لحماية الأمن القومي وحماية الفلسطينيين في الوقت ذاته.

إن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والمسجّلين في دوائر وزارة الداخلية هو 500 ألف، يضاف إليها ما يقارب 300 الف غير مسجّلين رسميا في الوزارة المذكورة أو في وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة UNRWA، ونصف هذا العدد هو من فئة الشباب دون الـ20 عام، حيث يقيمون في مخيّمات فقيرة ومكتظّة في بيروت (مخيمان) وجبل لبنان (مخيمان) والشمال (مخيمان) والبقاع (مخيم واحد) والجنوب حيث العدد الأكبر من المخيمات (خمسة)، أو في تجمّعات سكنية في مختلف المحافظات.

يعاني اللاجئون من الفقر والبطالة والأميّة فنحو 67% منهم هم تحت خطّ الفقر، بينما 56% عاطلون عن العمل، و50% من الذين من المفترض أن يكونوا في مرحلة التعليم الثانوي لا يتعلّمون، و95% ليس لديهم اي تأمين صحّي... وما زاد في الطين بلّة هو نزوح سكّان مخيّمات سوريا وخاصّة اليرموك حيث وفد أكثر من 20 ألف نسمة والباقون من الأردن وفلسطين وذلك إبّان الحرب السورية التي لا تزال مرشّحة للتفاقم.

إن الوضع المعيشي الصعب، حيث الفقر والبطالة وإنسداد الأفق بالإضافة إلى الخلافات الدامية بين المنظّمات الفلسطينية، جعل من المخيّمات مرتعاً للمنظّمات المتطرّفة التي تستقطب فئة الشباب الفقير والمعدم والعاطل عن العمل، واصبحت تلك البقع الأمنية غير الخاضعة لسلطة الدولة، مأوى للخارجين عن القانون: فقتلة الشيخ نزار الحلبي وقتلة القضاة الأربعة في صيدا وجماعة أحمد الأسير وفضل شاكر وشادي المولوي وغيرهم من مطلوبين للعدالة حتى لأسباب غير سياسية، يختبئون في مخيّم عين الحلوة، ولا ننسى نهر البارد وما عاناه سكان القرى المجاورة للمخيم في العام 2007، والضريبة الكبرى التي دفعها الجيش لإستئصال المنظّمة الإرهابية المسمّاة فتح الإسلام.

فهل يجب أن يبقى الجيش متفرّجًا على الوضع الأمني الشاذّ للمخيّمات؟ وكيف يقتضي التمييز بين سكان المخيّم المسالمين الفقراء والعناصر الإرهابية التي عاثت في المخيّمات وخارجها فساداً وإرهابًا؟

إن الإجراءات الروتينية التي يتّخذها الجيش على مداخل المخيّمات الفلسطينية تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية اللاجئين من عبث المنظّمات الإرهابية، التي تجد في البيئة الفقيرة واليائسة أرضًا خصبةً، وهل يجب أن ننسى ما عاناه سكان نهر البارد الفلسطينوين وغيرهم من إرهاب منظمة فتح الإسلام؟ وهل يستأذن الجيش قادة الفصائل الفلسطينية المسلّحة بأي إجراء يرتأي إتخاذه حفاظاً على أمن الوطن وسكان المخيّمات؟ وهل من دولة عربية عاملت اللاجئين الفلسطينيين على أرضها كما عاملهم لبنان؟ هل من المسموح إنشاء منظّمات مسلّحة في المخيّمات خارجة عن سلطة الدولة في سوريا (قبل الحرب) والأردن وأماكن اللجوء الأخرى؟

إن ما قدّمه لبنان للقضية الفلسطينية لم يقدّمه اي بلد آخر، منذ اللجوء الأول بعد قيام "دولة إسرائيل" المغتصبة وتهجير سكان فلسطين، وحتّى اليوم. فكيف كوفىء هذا الوطن المضياف؟ هل بتغيير طريق القدس لتمرّ في جونيه، أم بإحتلال مخيّم نهر البارد ومهاجمة مراكز الجيش وقتل عناصره، أو السيطرة على مخيّم عين الحلوة من قبل المنظّمات المتطرّفة؟

ليس بوسع أحد نكران حقوق الفلسطينيين على أرضهم، بل من الواجب دعم هذه الحقوق وأولها حق العودة المكرّس في القرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة، ومن الواجب أيضًا تخفيف الأعباء الإقتصادية عن سكان المخيّمات ليس من قبل الدولة اللبنانية التي هي بحاجة إلى من يقوم باقتصادها المتدهور، بل من الدول العربية الغنيّة وجامعة الدول العربية ومنظّمة الأمم المتحدة والمنظّمات المتفرّعة عنها، لكن هذا الواجب والإعتراف بالحقوق، لا يُسقط حقّ الدولة اللبنانية ببسط سلطتها على كامل ترابها دون الإستئذان من أحد، ولا ينفي حق الجيش اللبناني بإتخاد ما يراه مناسبًا من إجراءات ميدانية تكفل أمن الوطن والمخيمات في الوقت عينه، هذا الجيش الذي لم يتصرّف يوماً بخلفية عنصرية مع الفلسطينيين ولا مع غيرهم، ولم يحقد يوماً ولم يثأر في اي وقت لشهدائه الذين سقطوا بنيران منظّمات إرهابية إتخذت من المخيمات الفلسطينية مأوىً وملجأً وقاعدة عمليات وتصدير للإرهاب. الجيش ينفّذ مهامه الوطنية بإحتراف ومهنية ورقيّ قلّ نظيره، فلا ننسى مشهد الجنود اللبنانيين يحملون أطفال الإرهابيين في نهر البارد، هؤلاء المسلّحين الذين قتلوا العسكريين بدم بارد ونكّلوا بالجثث، عمد رفاق الشهداء إلى إنقاذ عائلات المعتدين وكنت شاهداً شخصياً على ذلك، فهل يكافأ هذا الجيش العصامي بقطع الطريق والإحتجاج على إجراءات ميدانية إتخذها؟

الجيش هو صاحب الحق الشرعي في حمل السلاح، وعليه إتخاذ الاجراءات التي يراها مناسبة، والكفيلة بردع الإرهاب وإستئصاله من جذوره، أياً يكن مصدره، فلا يحقّ لأي شخص أو مجموعة معاملة الجيش بالشدّة، وإذا صودف حصول تجاوزات من قبل بعض العسكريين، فقيادة الجيش لا تقصّر البتّة في أخذ التدابير بحقّ المخالفين، أمّا أن يقوم البعض بقطع الطريق على قوى الجيش أثناء تنفيذها لمهامها، فهذا ما لا يقبله قانون ولا سلطة ولا سيادة، والجيش قادر، كما في كل مرّة، أن ينقذ الوطن والمخيّمات أيضاً، ويهزم الإرهاب أينما كان، كما حصل في نهر البارد.