شكل المؤتمر العام الثاني لتيار "المستقبل"، في اليومين الماضيين، الحدث الأبرز على الساحة السياسية اللبنانية، ونجح في سرقة الأضواء من مفاوضات تشكيل حكومة ​سعد الحريري​ الثانية، التي لا تزال تواجه العراقيل والمطبات من هنا وهناك. هذا المؤتمر كان من أبرز أهداف رئيس التيار، منذ أن قرر العودة إلى البلاد، بعد سنوات طويلة من "الإغتراب"، بعد أن لمس حجم التباعد بين القاعدة والقيادة، الأمر الذي تُرجم من خلال مداخلات بعض كوادر "المستقبل".


وعلى الرغم من أن التغيير في "التيار الأزرق" لم يصل إلى رأس الهرم، وهو ما لم يكن متوقعاً في أي لحظة، حيث حافظ سعد الحريري على الرئاسة وأحمد الحريري على الأمانة العامة، إلا أن "النفضة" كانت في المكتب السياسي، عبر إنتخاب 20 عضواً مقابل تعيين 12، حيث دخلت إليه العديد من الوجوه الجديدة والشابة، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يقود إلى الحديث عن ديمقراطية شاملة، فواقع "المستقبل" لا يختلف عما هو سائد في أغلب الأحزاب والتيارات اللبنانية.


في هذا السياق، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي وعضو المكتب السياسي في "المستقبل" ​راشد الفايد​، في حديث لـ"النشرة"، أن هذا المؤتمر عكس تغييراً داخل التيار وأتاح الفرصة لدخول ما لا يقل عن 20 وجهاً جديداً في المكتب السياسي، لا سيما أن أغلب الفائزين يخوضون تجربتهم للمرة الأولى، وبالتالي سيكون عليهم التعرف على كيفية العمل داخل المكتب السياسي، ويضيف: "هم عملياً إرتقوا بالعمل التنظيمي داخل التيار وصولاً إلى هذا الموقع".

بالنسبة إلى الفايد، لا يمكن الحديث عن حالة إعتراضية داخل "المستقبل"، ويلفت إلى أن الحريري فاز بالتزكية بالرئاسة لأن أحداً لم يترشح ضده، بالرغم من إفساح المجال لذلك، ويشير إلى أنه على مستوى القرارات الرئيس يشاور المكتب السياسي كما يشاور أعضاء الكتلة النيابية، ويدعو لعدم وضع ما حصل في المكتب السياسي في إطار أن المكتب السابق أقدم على إرتكاب أخطاء وخطايا خلال تجربته.


من جانبه، يتحدث الكاتب والمحلل السياسي ​قاسم قصير​ عن عملية تجديد أو تفعيل التواصل بين القاعدة والقيادة من خلال هذا المؤتمر، ويلفت إلى بروز وجوه شبابية إنتقلت إلى الصفوف الأمامية في القيادة، عبر الوصول إلى عضوية المكتب السياسي، ويرى إمكانية إعادة تفعيل دور "المستقبل" على مستوى المناطق في المرحلة المقبلة.


ويعتبر قصير أنه في الوقت الراهن يمكن الحديث عن إشراك القاعدة في القرار داخل "المستقبل"، تمهيداً لإعادة تنشيطها من جديد، خصوصاً أن البلاد على أبواب إنتخابات نيابية في الأشهر القادمة، حيث سيسعى الحريري من خلالها إلى تأكيد زعامته السياسية على الساحتين السنية والوطنية.


على هذا الصعيد، يؤكد الفايد أن الحريري حرص على تشجيع الشباب للتقدم لهذه المسؤولية، خصوصاً أنهم أكثر قطاع يتحرك على الأرض، إلى جانب قطاعي المهن الحرة والتربية والتعليم، ويلفت إلى أن القطاعات المتحركة، أي التي لديها تماس مع المواطنين، تقدمت إلى الأمام في هذه الإنتخابات، ويرى أن هذا الأمر يسمح بنقل صورة حية إلى داخل إجتماعات المكتب السياسي.


ولا يوافق الفايد على الكلام عن أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة "مصالحة" مع القاعدة الشعبية، ويؤكد أنه في الأساس لم يكن هناك "خصومة"، لكنه يشير إلى إمكانية الحديث عن ضعف في آلية التحرك والعلاقة التبادلية بين القاعدة والقيادة في السابق، ولا يستثني الضغوطات التي أدت إلى بقاء رئيس التيار خارج البلاد من هذا الأمر، ويضيف: "عودة الحريري أعطت حيوية لكل لبنان فكيف هو الحال بالنسبة إلى التيار".


بالنسبة إلى إنعكاس ما حصل على شارع "المستقبل"، لا سيما على مستوى الزعامة السنية، يشدد قصير على أن هذا الأمر يرتبط بتشكيل الحكومة والإنتخابات النيابية المقبلة، لكنه يوضح أن هذا المؤتمر يعطي الحريري ورقة دفع قوية على مستوى إدارة المرحلة.

في المحصلة، نجح "المستقبل" في إبراز تغيير على مستوى مكتبه السياسي، لكن الحدث فتح باب التساؤلات حول عودة الحيوية إلى القاعدة الجماهيرية، بالإضافة إلى إمكانية إنتقال التغيير إلى الكتلة النيابية في الإنتخابات المقبلة.