أصدر مصرف ​لبنان​ تقريراً بتاريخ 13 أيلول 2017 رداً على الورقة التي أعددتها تحت عنوان "الأزمة المالية في لبنان" والتي صدرت في آب 2017 عن "بيت المستقبل" ومؤسسة "كونراد أديناور". أورد في ما يأتي ردّي على النقاط الأساسية التي أثارها التقرير.

1-بدايةً، أودّ أن أتوقّف من جديد عند الرسالة الأساسية المضمّنة في ورقتي، والتي يبدو أن معظم الردود أغفلتها ولم تقرأها كما يجب. يواجه سعر صرف الليرة و​القطاع المصرفي​ مخاطر متصاعدة بسبب ​الآثار​ التراكمية للسياسات النقدية والمالية. المؤشرات المستخدَمة دعماً لهذا الاستنتاج هي الآتية: تحوُّل صافي الاحتياطي النقدي لدى ​مصرف لبنان​ إلى سالب؛ أكثر من 60% من إجمالي موجودات المصارف هي عبارة حالياً عن ائتمان للقطاع العام، ما يعني أن الوضع المالي للمصارف قد أصبح معرّضاً لعدم استقرار المالية العامة و​الليرة اللبنانية​؛ ارتفاع ​العجز المالي​ و​الدين العام​ الناتج من الإنفاق الحكومي على النفقات الجارية وليس على المشاريع الإنتاجية؛ والعجز المستمر في ميزان المدفوعات منذ عام 2011، على الرغم من الهندسة المالية التي قام بها مصرف لبنان والتي حقّقت فائضاً مؤقتاً وغير مستدام عام 2016.

هذه العوامل مجتمعةً، وبغض النظر عن أي عوامل أخرى مرتبطة بالنمو والتضخم واللاجئين السوريين، إلخ.، تستدعي من الحكومة ومصرف لبنان المبادرة بصورة عاجلة وملحّة إلى وضع سياسات إصلاحية فعّالة، وفق ما ورد في الورقة. من الأفضل تخصيص الموارد والطاقات لوضع سياسات تصحيحية وتطبيقها بدلاً من هدرها على الحملات الإعلامية. إنه لأمرٌ مؤسف أن العديد من التقارير والمقالات في وسائل الإعلام ادّعت، بصورة مغلوطة، أن الورقة "تتنبّأ" بانهيار الليرة اللبنانية والمصارف. من الواضح أن الورقة لا تدّعي ذلك ولا يمكنها أن تدّعيه. لا أحد يمكنه أن يدّعي ذلك، بأي درجة من درجات اليقين، لأنه سيكون كلاماً غير مسؤول ولا أساس له من الصحة.

2- يؤكّد تقرير مصرف لبنان في مقدّمته أن الورقة تنتقد سياسة تثبيت سعر الصرف التي انتهجها مصرف لبنان. هذا غير صحيح. لا تتطرق الورقة إلى تلك السياسة أو تجري أي تقييم لها، لا سيما وأنها مسألة معقّدة كما أنه لا صلة لها بالموضوع الأساسي المطروح في الورقة. في الواقع، ليس مصرف لبنان مَن فرض تثبيت سعر الصرف، بل إنّ ذلك جاء نتيجة قرار سياسي في مطلع التسعينيات إبان التدهور الحاد في سعر صرف الليرة (وفق ما ورد في الورقة، ص. 5).

هناك نقطتان أساسيتان في رد مصرف لبنان على الورقة: صافي احتياطي مصرف لبنان وسياسته في مجال معدلات الفوائد.

3- يشير مصرف لبنان إلى أن تقديرات الورقة لموجوداته بالعملات الأجنبية "غير دقيقة". لا تأتي الورقة على ذكر الموجودات بل حجم الاحتياطيات بالعملات الأجنبية، والذي استقيناه من المنشورات الصادرة عن مصرف لبنان و​صندوق النقد الدولي​. "الاحتياطيات" مختلفة عن "الموجودات"؛ إنها تمثّل السيولة بالعملات الأجنبية، بما في ذلك ​الذهب​، وليس أي موجودات أخرى بالعملات الأجنبية. يجري تحديدها حصراً بموجب منهجية دولية وضعها صندوق النقد الدولي. لكن على الأرجح أنه لمصرف لبنان احتياطيات أخرى بالعملات الأجنبية غير منشورة بوضوح في ميزانيته العمومية إنما تجري الإشارة إليها في أماكن أخرى عبر موقعه الإلكتروني بـ"الأوراق المالية بالعملات الأجنبية" تحت عنوان "موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية"، والتي أُدرِجت في الورقة في إطار الاحتياطيات بالعملات الأجنبية. قد تكون لمصرف لبنان موجودات أخرى بالعملات الأجنبية، لكنها غير مذكورة في ميزانيته العمومية التي تُحدّد قيمة "الموجودات الأخرى بالعملات الأجنبية" بأنها صفر منذ عام 2001. بإمكان مصرف لبنان معالجة هذه المسألة عبر إقدامه ببساطة على نشر تفاصيل عن احتياطياته وكامل موجوداته بالعملات الأجنبية، وهو ما لا يقوم به.

بدلاً من ذلك، كان الأجدى بمصرف لبنان أن يسلّط ​الضوء​ على النقطة التي تركّز عليها الورقة، وهي أن التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية للمصارف المحلية لا تستحق كلها على الفور بل إن "جزءاً كبيراً منها يشمل ديوناً طويلة الأجل تستحق خلال سنوات لاحقة" (ص. 8). غير أن الورقة تشير بوضوح إلى أنه يجري احتساب "صافي الاحتياطيات" على أساس أنه صافي الاحتياطيات بالعملات الأجنبية من مجموع ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، عبر استخدام مقاربة معتمَدة أيضاً من قبل صندوق الدولي، مثلاً في تقرير غير منشور يعود إلى صيف 2016 (صندوق النقد الدولي 2016، ص. 9، الفقرة 4)، وأترك لمصرف لبنان قرار الإشارة إلى ما ورد فيه في حال وجد ذلك مناسباً.

4- خلافاً لما يرد في التقرير، معدلات الفائدة التي يدفعها مصرف لبنان للمصارف على ودائعها بالعملات الأجنبية لا تحدّدها قوى السوق؛ بل إن مصرف لبنان هو من يحدّدها. هذا ما يؤكّده صندوق النقد الدولي (2016، ص. 43، الفقرة 88). علاوةً على ذلك، لا يقوم مصرف لبنان بإصدار سندات يوروبوند في الأسواق الدولية، وعليه فإن العوائد على سندات اليوروبوند ومبادلة مخاطر الائتمان لا تساهم في تحديد معدلات الفائدة على ودائع المصارف لدى مصرف لبنان. يقترض مصرف لبنان من المصارف المحلية، وليس لهذه المصارف بديل عن أموالها بالعملات الأجنبية بعد الإقراض في الداخل سوى ​أسعار الفوائد​ المتدنّية جداً السائدة منذ سنوات في أسواق العملات الدولية الأساسية. إذاً من أجل تقييم مستوى معدلات الفوائد التي يسدّدها مصرف لبنان على ودائع المصارف بالعملات الأجنبية لديه، يجب مقارنة هذه المعدلات بالبدائل المتاحة فعلياً أمام المصارف، وهي سعر ليبور (سعر الفائدة السائد على ​الدولار​ بين بنوك لندن) أو في أفضل الأحوال سندات ​الخزينة الأميركية​ لمدة 10 سنوات. بالمقارنة مع هذه المعدلات المرجعية، يدفع مصرف لبنان أسعار فوائد سخية للمصارف منذ سنوات.

هذا السخاء أظهرته بطريقة واضحة لا لبس فيها عملية "الهندسة المالية" لمصرف لبنان في صيف 2016، حيث تخطّت العائدات للمصارف 40%، وفق ما أشار إليه صندوق النقد الدولي (2017، ص. 11). ما الذي يفسّر هذا الارتفاع المفاجئ والكبير في معدلات الفوائد التي كان مصرف لبنان يدفعها، لا سيما وأن عمليات الهندسة المالية مستمرة حتى يومنا هذا؟ من الواضح أن ذلك لا يتوافق مع السياسة المعلَن عنها بتطبيق أسعار فوائد مستقرّة وتُحدّدها قوى السوق.

5- يتطرق تقرير مصرف لبنان إلى العديد من المسائل الأخرى. نتوقف سريعاً في ما يأتي عند الرد على بعض النقاط المهمة التي أثيرت في التقرير:

يزعم مصرف لبنان أنه عمد إلى "توسيع ميزانيته العمومية" كما تفعل مصارف مركزية أخرى. غير أن المصارف المركزية في ​أوروبا​ و​الولايات المتحدة​ فعلت ذلك من أجل تحفيز ​الاقتصاد​، في حين أن مصرف لبنان لجأ إلى توسيع ميزانيته العمومية عن طريق جلب مزيد من الودائع بالعملات الأجنبية من المصارف عبر منحها أسعار فوائد أعلى بكثير من أجل حضّها على نقل الودائع من المصارف المراسلة في الخارج وإيداعها لديه. من الأسباب الأخرى لتوسيع الميزانية العمومية، لا سيما عام 2016، الأرباح الطائلة التي دفعها مصرف لبنان إلى المصارف بالليرة اللبنانية عن طريق إصدار ودائع بالليرة اللبنانية للمصارف.

يتحسّن ميزان المدفوعات من خلال مزيج من: تحسين إنتاجية الاقتصاد، زيادة ​الصادرات​، خفض الواردات، زيادة الاستثمارات والتحويلات الخارجية، إلخ. إنما ليس عن طريق عملية "هندسة مالية"، كما يدّعي مصرف لبنان. والمصارف المركزية هي الأدرى بذلك كما يُفترَض. في الواقع، تبيّن أن التحسّن في ميزان المدفوعات عام 2016 ليس مستداماً، وقد بلغ العجز في الأشهر السبعة الأولى من عام 2017 نحو مليار دولار أميركي.

تُحدَّد أرباح مصرف لبنان أو خسائره في بيان بالأرباح والخسائر، وليس من خلال الإشارة إلى أن مصرف لبنان يقوم بتحويلات إلى الخزينة. بلغ معدّل هذه التحويلات 29 مليون دولار فقط في السنة بحسب نتائج الموازنات المنشورة، ولم يعمد مصرف لبنان إلى نشر بيان بالأرباح والخسائر منذ عام 2002. مجدداً، يمكن معالجة هذه المسألة عبر إقدام مصرف لبنان ببساطة على نشر هذا البيان كما كان يفعل بصورة منتظمة منذ عام 1965.

على النقيض من المزاعم الواردة في التقرير، ظلّت القاعدة الرأسمالية للمصارف على حالها عملياً بين أواخر حزيران 2016 – عندما بدأت عملية "الهندسة المالية" على نطاق واسع – وأواخر حزيران 2017، كما أن حجم الائتمان للقطاع الخاص ارتفع بنسبة أقل من الزيادة في سعر الفائدة على الائتمان، في حين تراجع حجم الائتمان للقطاع العام.

في الختام، يبقى مسار التحرك الأفضل أن تُقرّ السلطات ومصرف لبنان بأن المخاطر المالية كبيرة وبأنها تسلك خطاً تصاعدياً، وبأن اعتماد سياسات تصحيحية، ولو كانت صعبة، أمرٌ ممكن وواجب. من الواضح أنه من الضروري إجراء خفض تدريجي في العجز المالي على امتداد عدد من السنوات، بحسب ما تشرحه الورقة. أما في ما يتعلق بمصرف لبنان، فيمكنه الشروع، بالاتفاق مع المصارف، في عملية لخفض هامش أسعار الفوائد التي يسدّدها على ودائعها، فيما يفطم نفسه تدريجاً عن الحاجة المتزايدة باستمرار إلى الودائع بالعملات الأجنبية من المصارف.المراجع: