كُنتُ أُصغي بانتباه إلى الواعِظ... كان يُحدِّثنا عن الله، ومع ذلِك لَم يكُنَّ ثمَّةَ إلهٍ ولا إلهيّ في كلامه! بل مجموعةُ كلماتٍ مليئةٌ من اللاشيء... من الهَباء... لا رَوح فيها ولا حياة، ولا إمكانيّة لها على الإحياء. وكنتُ كُلّما أصغيت إلى هذه الكلمات، كلّما أستشطت غضباً، لا من الله طبعاً، بل من الكلام الموضوع على لِسانه والمُلقى باسمه، ومن الوقت الذي يمرُّ من دون جدوى ويُعَبَّأُ بِما لا يُفيد، بينما السامعون يتأفَّفون ويرحلون بنظراتهم المُتحجّرة إلى اللامكان، ويُخبِّئون ابتساماتهم الساخرة تحت رؤوسهم المُطأطأة بين أكتافهم، وكيف لا وهُم ينتظرون خبزاً ليأكلوا، فتُقَدَّمُ لهم حجارة!.

للأسف، هذا هو واقع الحال في الميدان الدينيّ على تنوّعه: لُغة خشبيّة مَيتة لا تُخاطب الروح ولا الأحاسيس ولا أيّ شيء من الكيان، ولا تُقَدِّم للسامعين سِوى الحجارة، ولا زالت إلى الآن "مُتعلّقةٌ بأهداب الدين" ولم تصِل إلى لُبّهُ، ومضمونٌ هشٌّ وثرثرة لا تنتهي فصولها... في الواقع، إنّه الفراغ!.

وباعتقادي، فإنّ مردّ هذه الحالة الهابطة، يعود إلى هذا الكمّ من الأشخاص الذين قُبِلوا في الإكليروسيّة من دون وجه حقّ، بحجّة حاجة الكنيسة، وهو ما أفقر الحضور الإكليروسي وأفقده وهجه وأذبل وجهه ونال من هيبته ووقاره، وجنح بالكهنوت إلى الطقوسيّة الوظيفيّة التي وبحد تعبير الرسالة إلى العبرانيين، "لا يُمكنُ من جِهَةِ الضمير أن تُكَمِّلَ الذي يَخدُم"(عب9:9)، ولا الذي يُخدَم، ما جعل قابلية الإفتتان بالكلمة واعتناقها، عُرضة للإهتزاز. ومن الطبيعي أن يواكب هذا الإنحطاط، انحطاطاً في الإيمان، بسبب الذبول الذي اعترى الكلمة المسؤولة عن بَعثِ الإيمان، فهذا الأخير قائمٌ على السَّماع، سماع الكلمة التي ينقُلها أشخاص: "فَكَيْفَ يَدْعُونَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ من دونِ مُبَشِّر؟... اذاً الإِيمَانُ من السَّمَاع، وَالْسماعُ هو من التّبشيرِ بِكلِمةِ المسيح"(روم10: 15-17). فكيف يسمعون ويؤمنون إن لَم يجدوا مَن يُحسِنُ نقل الكلمة إليهم!.

إن اهتداء القلوب إلى الله هو عمل الروح، فبالروح يهدي الربّ القلوب إليه، ولكن ذلِك يحدث من خلال بشارة البشر. لسنا نحن مَن نُغيّر القلوب هذا أمرٌ مؤكّد، ولكن المؤكَّد أيضاً، هو أنَّ الله يُغير القلوب بواسطتنا، فَليديا المقدونية كانت تُصغي إلى القديس بولس ولكن الكتاب يقول: "والربُّ فَتَحَ قَلْبَها... فاعتَمَدت هِي وأَهلُ بَيتِها"(أع 16: 14-15).

ليس الوعظُ إذاً، عرضاً لِعَضَلات الفكر البَشري، ولا لِوُجُهات نَظَر وأفكارٍ ونظرياتٍ جديدة، ولا هو تبجيلاً وترفيعاً لأشخاصٍ على حساب أشخاص آخرين، ولا تكريساً لطبقيّة اجتماعيّةٍ معيّنة، ولا تسويقاً لهذا أو لذاك، بل هو الإعلان عن محبّة الله التي تُغيّر حياة الناس، وكلّ ما هو خارجٌ عن هذا الإطار لا قيمةَ له، فنحنُ لا نُبشِّرُ بالناس ولا بأنفُسِنا بل ب​يسوع المسيح​ مصلوباً(1كور2:2)، مائتاً عنّا من الحُبّ لكي ننال بِه الخلاص والحياة. لذا فالعظات الرخيصة هي إهانَةٌ جسيمة للكنيسة عروس المسيح على حدّ تعبير الطوباوي المطران فولتون شين، لأنها لا تُخاطب القلب، ولا تملؤه بالمحبّة بل تتركه قلقاً مُضطرباً، مُهتماً بأمورٍ كثيرة، ومرميّاً في الفراغ، ووحده الله يَملىءُ هذا الفراغ.

وما قلته ينسحب أيضاً على الآخرين ممَن لا يؤمنون إيماني، ولكنني لا أريد أن أدلو بدلوٍ ليس لي، بل سأدلو بدَلويَ وأترك للآخرين أن يَدلوا بِدلائهم.