في نهاية العام الماضي، كلّفت الحكومة ال​لبنان​ية شركة "ماكنزي أند كومباني" الأميركية مهمة إعداد خطة إقتصادية للبنان. وبتكلفة مليون و300 الف دولار اميركي، ستبدأ الشركة الأميركية دراساتها واستشاراتها لـ"اقتصاد جديد" في البلد المديون. في جلسة الخميس 4 كانون الثاني 2018، وافقت الحكومة على منح الشركة سلفة بقيمة 430 ألف دولار أميركي عند إطلاق مشروع دراسة بشأن مستقبل لبنان الاقتصادي.
على قاعدة "كل فرنجي برنجي"، كلّفت الحكومة شركة ماكنزي الاجنبية لاعداد هذه الدراسة التي تحتاج الى ستة اشهر لاطلاقها، دون الأخذ بعين الإعتبار الإخفاقات الكثيرة لهذه الشركة والتي أدت إلى إفلاس أهم الشركات العالمية، فكيف هو الحال بالنسبة للبنان الذي يرتبط وضعه الإقتصادي بدهاليز السياسة الدقيقة.
بعيداً عن النقاشات والانتقادات التي طالت الشركة من داخل الحكومة عبر وزير الصحة نائب رئيس مجلس الوزراء ​غسان حاصباني​ ووزير الصناعة ​حسين الحاج حسن​، شنّ رئيس "اللقاء الديمقراطي" النائب ​وليد جنبلاط​ هجوماً قويا على الشركة. وفي مقابلة تلفزيونية له تساءل جنبلاط "ألا يوجد اقتصاديون وكفاءات في لبنان حتى نحضر ماكِنزي؟ هل ستستمع إلى خبرات الشفافين في الإدارات"؟، واصفاً من تعاقد مع الشركة بـ"الحمير".


من هي ماكنزي؟


تعد شركة ماكنزي شركة رائدة في مجال استشارات الأعمال حيث أنّها تقدم الحلول الإستشارية للشركات والحكومات، وقد تأسست هذه الشركة في العام 1926 ويعمل فيها حوالي 9000 مستشار في كافة المجالات الإدارية.
هي الشركة الاستشارية المهيمنة على هذا القطاع عالمياً، وهي من وضعت الخطة الاقتصادية للسعودية التي حملت عنوان "رؤية 2030" والتي تهدف لتطوير الاقتصاد السعودي، اضافة لتكوينها الرؤى الاقتصادية لعدد من الدول العربية كالبحرين، أبوظبي، ليبيا، مصر واليمن.
هذا السجل الكبير للشركة لا يلغي إخفاقها في العديد من الاستشارات والخطط التي تركت بصمة سوداء في سجلاتها. حتى أن البعض لقّبها بـ"بائعة الوهم". وعلى سبيل المثال لا الحصر، من أبرز اخفاقات هذه الشركة هو "نصيحتها للخطوط الجوية السويسريّة لتنفيذ استراتيجية مثيرة للجدل ما أدى لفشل برنامج التوسع الكبير فشلاً ذريعاً واضطرت الشركة المذكورة الى اعلان افلاسها في عام 2001"(1).
أسئلة عديدة تطرح في هذا المجال. لماذا تم اختيار هذه الشركة؟ لماذا لم تُجرِ الحكومة أي مناقصات للشركات الاستشارية لتختار الأفضل؟ أين هو دور المجلس ​المجلس الاقتصادي والاجتماعي​ في لبنان والذي أصدَر في كثير من المرّات العديد من الاستشارات؟ ألا يوجد في لبنان كفاءات يمكنها وضع هذه الاستراتيجيات ولبنان مليء بالاقتصاديين الذين يستعان بهم في العديد من الشركات الضخمة؟.
يوضح وزير الصحة غسان حاصباني أن النقاش حول شركة ماكنزي جرى في الحكومة منذ ثلاث جلسات، لافتاً إلى "انني تحفّظت على الطريقة التي تمت فيها مناقشة الموضوع ولم أرفضه، كوني أشجّع مبدأ الاستشارة لأنها ضرورية في هذا المجال". ويضيف حاصباني في حديث مع "​النشرة​"، إنه "حتّى ينجح دور الاستشاري ولنستفيد من عمله، علينا تحديد متطلباتنا مسبقا ونكون واضحين لكي لا يبدأ عمله من مكان ونتجاذب في ما بعد على نتائجه، ونكون بذلك قد دفعنا تكاليف الاستشاري دون نتائج".
ويشير حاصباني إلى أنه "للاستفادة القصوى علينا ان ننطلق من المقومات والمقدرات الموجودة لدينا في الحكومة وفي المجلس الاقتصادي الاجتماعي لتحديد الخطوات الأولى للشركة، ويكون ذلك عبر ضمّ المفكرين في الدولة لوضع الخطوط العريضة لأولوياتنا، ومن ثم يقوم الاستشاري بجمعها مع الخطة العالمية لنصل الى نظرة بعيدة المدى، وهذه الاستشارة لا تحل مكان الاستشاريين الحاليين بل تدعمهم".
وإذ يكرر تأكيده على أهمية العمل الاستشاري في هذا الملف كونه يجمع بين خبراتنا والخبرات العالمية، يتساءل حاصباني "على أي أساس تم تسعير هذا التلزيم؟ من وضع المواصفات للشركة؟ معتبرا انه كان علينا أن نطلب من عدة شركات تقديم عروضها واستشاراتها المبدئية، والتي نجد أن أداءها أفضل يتم الاستعانة بها. ورغم أن مبدأ المناقصات في هذه الحالة صعب لأن المحتوى فكري، الا ان هناك العديد من الأساليب التي يمكن استخدامها لاجراء هكذا مناقصات". ويشدّد حاصباني على "اننا لا نشكك بنوايا الوزير بل على العكس، النيّة واضحة وسليمة وملاحظاتنا مرتكزة فقط على كيفية اختيار الاستشاري وعمله".

أين ​الجامعة اللبنانية​؟


يعلنها الخبير الاقتصادي الدكتور ​جاسم عجاقة​ صراحة "انا ضد التعاقد مع الماكنزي"، لافتاً إلى أنه "لدي قناعة بأن في لبنان طاقات هائلة ولسنا بحاجة لدفع هذا المبلغ"، مشددا على "اننا نمتلك ثمانية آلاف أستاذ في الجامعة اللبنانية وهم متخصصون في الاقتصاد ويقومون بأبحاث دائمة، فلماذا لا نستعين بهم وهم لن يكلفوا الدولة هذا المبلغ"؟.
ويطرح عجاقة سيناريو منتظر "لنفترض أن ماكنزي باشرت بعملها ووصلت إلى خطة اقتصادية ممتازة، ولم يتم التوافق عليها من كل القوى السياسية، هل ستتمكن الحكومة من العمل بنتائج الاستشارات؟ بالطبع لا"، مضيفاً "هكذا شركة بحاجة إلى لبنانيين ليوضحوا الوضع السياسي في البلاد، ورغم وجود مكتب لها في لبنان لكن هل يوجد متخصصين في السياسة اللبنانية"؟.
ويطرح عجاقة عدداً من التساؤلات "هل ​الحكومة اللبنانية​ هي التي ستعطي الواقع على الارض للشركة؟ كيف ستقوم بالمسح على جغرافيا؟ هل ستضع الشركة أهدافا واضحة لعملها؟ المشكلة اليوم أن عمل الشركة غير واضح وبالتالي في حال تطلب المسح عملاً أكثر من المتوقع فقد تطالب الشركة بمزيد من المال"، محذراً من أن تكون تخطط للبننة الخطة الاقتصادية ​السعودية​.
في السياق عينه، تتساءل مصادر تعليمية في الجامعة اللبنانية عبر "النشرة"، "أين هو دورنا في ​الاقتصاد اللبناني​؟ ولماذا لم يتم الاستعانة بدراساتنا وأبحاثنا في هذا الموضوع"؟، مؤكدة أنه "لم نتلقَ أي اتصال من أي جهة رسمية في هذا الخصوص. ألا تثق الدولة بخبراتنا وشهاداتنا"؟.
في ظل غياب هويّة واضحة للاقتصاد اللبناني ان كان صناعيا او خدماتياً أو زراعيا، يبقى عمل الشركة مجهولاً ودون أهداف واضحة. ولكن، لماذا تم اختيار هذه الشركة دون سواها وأين المناقصات من هذا الأمر؟ كيف سيتم تحديد هوية لبنان الاقتصادي؟ لماذا اللجوء دائماً إلى الخارج وفي وطننا العديد من الكفاءات المبدعة محليا وعالميا؟.


(1) كتاب "THE FIRM" للكاتب داف ماكدونالد