تتظهر مع مرور الأيام واقتراب موعد ​الانتخابات النيابية​ المقبلة، صورة التكتلات والاصطفافات التي ستسيّر اللعبة السياسية ما بعد السادس من أيار 2018. فتكتل "أمل"–"​المردة​"–"التقدمي الاشتراكي" والذي لطالما كان موجودا في السنوات الماضية ويتحرك بعيدا عن الأضواء وباطار ثنائيات تنطلق من "عين التينة"، قرّر على ما يبدو مؤخرا تغيير تكتيكه السياسي تمهيدا للاعلان الرسمي عن ولادته بعد الانتخابات. ولعل أزمة مرسوم منح ضباط العام 1994 أقدمية للترقيّة والتي بانت جليا فيها اصطفاف رئيس "المردة" النائب ​سليمان فرنجية​ ورئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" النائب ​وليد جنبلاط​ الى جانب رئيس المجلس النيابي ​نبيه بري​، كما تكتل الزعماء الـ3 مجددا في موضوع رفض ادخال اي تعديلات على قانون الانتخاب ردا على اصرار وزير الخارجية ​جبران باسيل​ على الموضوع، من المؤشّرات البارزة للاصطفافات السياسية التي من شأنها ان تدير اللعبة مع انطلاق العمل الانتخابي.

ويصوّب التكتل المذكور وبشكل مكشوف على "​التيار الوطني الحر​"، وان كان النائب وليد جنبلاط لا يزال في نقاش مفتوح معه لتجنيب الجبل معارك انتخابيّة، بخلاف الحال مع بري وفرنجية إذ يفتحان النار دون هوادة باتجاه الوزير باسيل. وتشير مصادر سياسية الى ان "ملامح الحملات الانتخابية وعناوينها الرئيسيّة بدأت تتظهر قبل 4 أشهر على موعد الانتخابات، وان كان كل حزب وتيّار لا يزال يحمل عناوينه الخاصة ويتلاقى مع حلفائه فقط على عداء المشترك للفريق الآخر، ومسعى لتحجيمه وقصّ جناحيه".

ويفتقد الثلاثي بري-جنبلاط–فرنجية لعضو اساسي وبارز لطالما كان الى جانبه في السراء والضراء، الا وهو رئيس الحكومة ​سعد الحريري​ الذي دفعت به التطورات وآخرها أزمة استقالته الى صف "التيار الوطني الحر" ورئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​، ما أبعده تلقائيا عن حلفاء الأمس القريب. وقد انعكست أزمة عون-بري وبشكل كبير على علاقة الحريري–بري التي لطاما كانت استراتيجيّة، اذ يشعر رئيس المجلس النيابي حاليا ان رئيس الحكومة تخلى عنه واصطفّ الى جانب الرئيس عون، سواء بموضوع "المرسوم الأزمة" أو مؤخرا بادارجه المشروع المقترح من قبل الوزير باسيل بخصوص تمديد مهلة اقتراع المغتربين على جدول أعمال مجلس الوزراء، رغم علمه التامّ بمعارضة برّي لأيّ تعديل لقانون الانتخاب والتعاطي معه كخط أحمر.

وقد ساهم الأداء الحريري مؤخرا بترسيخ علاقة "المستقبل"–"التيار الوطني الحر" الى حد بات التحالف الانتخابي بينهما أول تحالف يُعلن عنه وبشكل رسمي من قبل الطرفين اللذين لا يزالان يصران على عدم تبلور صورة التحالفات الأخرى. الا ان تصوير المواجهة السياسية الحالية على انّها محصورة بين تكتل بري-جنبلاط –فرنجية من جهة وتكتل الحريري-عون من جهة أخرى، يبدو ناقصا باعتباره يغيّب مكوّنين رئيسيّين عن المشهد السياسي الا وهما ​حزب الله​ وحزب "القوات اللبنانية".

وكالعادة يبدو الحزب محرجا في الاصطفاف الى جانب واحد من حلفائه في وجه حليفه الآخر، ويتبع سياسة الصمت تكتيكا في التعامل مع الأزمات الأخيرة، وان كان لم يتردّد بتوجيه رسائل سواء لعون أو لبري انّه ملّ لعب دور المصلح بينهما. وحزب الله الذي أعلن خوضه الانتخابات كتفا الى كتف مع حركة "أمل" سيراعي خاطر "الوطني الحر" في كل الدوائر الحساسة، الا انّه سيتّبع سياسة "رجل بالبور ورجل بالفلاحة" حين يحين موعد تظهير الاصطفافات السياسية سواء قبيل أو بعد الانتخابات، تماما كحزب "القوات" الذي يبدو "منتشيا" في المرحلة الراهنة جراء كسر "الوطني الحر" و"المستقبل" وبشكل متزامن العزلة عنه. اذ يتفادى رئيس "القوات" ​سمير جعجع​ تماما اتخاذ مواقف حاسمة تُظهره طرفا في أزمتي المرسوم وتعديل القانون، ما يمهد لاتباعه نفس السياسة التي سيتبعها حزب الله بموضوع رفض الاصطفاف الى جانب طرف بوجه آخر.

بالمحصلة، وبالرغم من اعتبار البعض ان الحديث عن اصطفافات وتكتلات في المرحلة الراهنة سابق لأوانه باعتبار ان اقتراب موعد الانتخابات أكثر واتضاح التحالفات وتبلور اللوائح الانتخابية من شأنه أن يعيد خلط الأوراق، فان القوى السياسية السابق ذكرها لا تخجل بالتعبير نيتها ترسيخ الانقسام الجديد ليحل بديلا عن 8 و ​14 آذار​.