بعيدًا عن الإنتقادات القاسية التي طالت شعار "الخرزة الزرقاء" الذي رفعه "تيّار المُستقبل" في حملته الإنتخابية لدورة إنتخابات العام 2018 النيابيّة، لجهة أنّ الحماية التي تؤمّنها هذه "الخرزة" هي مُجرّد إعتقادات واهمة مُتوارثة من آلاف السنين،ولا تصلح بالتالي لأن تكون محورًا لسلسلة واسعة من الشعارات الإنتخابيّة التي ترمي إلى جذب الناخبين... وبعيدًا أيضًا عن مُؤيّدي هذه الحملة الذين سخروا مَمّن لم يتوقّف عند رمزيّتها، لجهة لونها الأزرق الذي يتناسب مع "التيّار الأزرق"، وذهب بعيدًا في التحليل بدلاً من الإستمتاع بطابع الحملة الفُكاهي وباللعب على الكلام المُتبع فيها... لا بُد من التوقّف عند فارق كبير في شكل ومضمون تعاطي كل من "تيّار المستقبل" و"حزب الله" مع الإنتخابات النيابيّة المُرتقبة، مع التذكير أنّ رئيس الحكومة سعد الحريري كان أكّد في خطاب له في 14 شباط الماضي أنّ "المُستقبل" يواجه "حزب الله" في الإنتخابات، في حين أنّ أمين عام "الحزب" السيّد حسن نصر الله ردّ بالقول إنّ المعركة الإنتخابية ليست مع أحد.

بالنسبة إلى "حزب الله" الذي كان لعب دورًا محوريًا في عرقلة إنتخاب رئيس جديد للجُمهوريّة لمدّة سنتين ونصف السنة إلى حين إنتخاب العماد ميشال عون، والذي لعب دورًا محوريًا أيضًا في رفض الكثير من القوانين الإنتخابيّة المُقترحة إلى حين إقرار القانون الحالي الذي يعتمد مبدأ "التصويت النسبي"، فهو يُواصل خططه الإستراتيجيّة بدقّة كبيرة، في إطار مشروع بعيد المدى يقضي بتعزيز نُفوذه السياسي على الساحة اللبنانيّة إلى أقصى حدّ يسمح به التنوّع الطائفي والمذهبي الذي لا يُمكن إلغاؤه، إلى جانب نُفوذه العسكري المُتمثّل بالسلاح الذي بحوزته. ويعمل "حزب الله" حاليًا بعيدًا عن الأضواء، على وضع اللمسات الأخيرة على اللوائح الإنتخابيّة التي ترمي إلى الإستحواذ على الأغلبيّة الساحقة من المقاعد النيابيّة المُستحقّة للطائفة الشيعيّة(1)، وهو يعمل على خط مُواز على تركيب لوائح تضمّ حلفاء وشخصيّات محسوبة على قوى "8 آذار" ضُمن البيئة السنّية بشكل خاص، بالتنسيق مع قوى وشخصيّات من الطائفة المسيحيّة ومن المذهب الدرزي تدور في "الخط السياسي" نفسه للحزب، لإضعاف خصمه الأساسي والذي يُعتبر الأقوى من حيث الحجم النيابي الحالي، أي "تيّار المستقبل". ويدرس "حزب الله" ترشيحاته المُباشرة، وتلك التابعة للحُلفاء، بدقّة، لجهة ضرورة تمتّع الشخصيّات المُرشّحةبالقُدرة على حصد الأصوات والفوز، ولجهة مدى إلتزامها بخط "محور المُقاومة" بعيدًا عن أي ضُغوط أو إغراءات يُمكن أن تتعرّض لها. والهدف القريب للحزب يتمثّل في رفع حجم الكتلة المُؤيّدة مُباشرة لهذا المحور، إلى أكثر من ثلث المجلس النيابي بالحدّ الأدنى، لمنع أي مشروع أو قرار دُستوري مُهمّ أو إنتخاب رئيس للجُمهورية لا يحظى بمُوافقة مُسبقة من "الحزب". وهو يأمل أن تُمثّل هذه الكتلة السياسيّة العريضة، بالتحالف مع نوّاب "تكتّل التغيير والإصلاح" الذين سيفوزون بالإنتخابات، أكثر من نصف عدد المجلس النيابي، لكسب معركة الأغلبيّة العدديّة، وعدم الإكتفاء بمعركة "الثلث المُعطّل". وهدف "الحزب" في نهاية المطاف، هو الحُصول على أغلبيّة عدديّة على مُستوى السُلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، في ظلّ وُجود رئيس حليف من الناحية السياسيّة، ما يعني الإنتقال بلبنان إلى مرحلة جديدة غير تلك التي إنبثقت في العام 2005، عندما كان "حزب الله" ومن معه يُمثّلون أقلّية في المجلس النيابي، وفي الحُكومة أيضًا، في ظلّ فراغ رئاسي حينًا ورئيس غير مُنحاز لصالح "الحزب" حينًا آخر.

في المُقابل، إنّ "تيّار المُستقبل" الذي كان قدّم تنازلاً كبيرًا على مُستوى كل من الإنتخابات الرئاسيّة وقانون الإنتخابات النيابيّة، بهدف العودة إلى السُلطة وعودة رئيسه إلى موقع رئاسة الوزراء من جهة، وإعادة تسيير شؤون الدولة بشكل طبيعي من جهة أخرى، يعمل حاليًا على تركيب لوائح خارج التحالفات السياسيّة العريضة التي يُفترض أن تجمعه بأكثر من حزب وشخصيّة. وعلى العكس من ذلك، سيتواجه "تيّار المُستقبل" مع مجموعة من النوّاب والمَسؤولين الذي كانوا محسوبين على "التيّار الأزرق" في الماضي القريب، والذين يُصنّفون بأغلبيّتهم بالصُقور. كما أنّه سيتواجه في عدد كبير من الدوائر مع لوائح تضمّ مرشّحين لأحزاب كانت أيضًا حليفة له، بدءًابحزب "القوّات اللبنانيّة"، مُرورًا بحزبي "الكتائب اللبنانيّة" و"الوطنيّين الأحرار"، وُصولاً إلى شخصيّات مُستقلّة كانت تدور في فلك "التيّار الأزرق" سياسيًا، وذلك في شكل مُناقض تمامًا للسياسة التي يعتمدها "حزب الله". فالإعتبارات السياسيّة الجدّية غائبة عن معارك "تيّار المُستقبل" الإنتخابيّة في العديد من الدوائر، خاصة وأنّه سيتحالف في بعض الدوائر مع "التيّار الوطني الحُرّ" الذي كان على علاقة سيّئة به قبل ما عُرف بإسم "التسوية الرئاسيّة" التي قضت بإنتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجُمهورية، والنائب سعد الحريري رئيسًا لأولى حُكومات العهد. ومن خلال جوجلة أسماء النوّاب الذين لم يقم رئيس "تيّار المُستقبل" بتجديد ترشيحاتهم(2)، يُلاحظ الإستغناء عن "صُقور" التيّار الأزرق" وعن الشخصيّات التي لم يكن لها موقف مُساند خلال أزمة رئيس الحُكومة الأخيرة في السُعودية، علمًا أنّ بعضها إتهم أيضًا بالعمل ضُد مصلحة الحريري خلال هذه الأزمة. وليس بسرّ أنّ رئيس الحُكومة يُغامر بالكثير من نُفوذه من خلال ضم مجموعة كبيرة من الوجوه الشبابيّة والنسائيّة التي لا تملك خبرة كبيرة في الشأنين السياسي والعام إلى لوائحه، علمًا أنّ الحريري الذي رشّح حتى تاريخه 37 شخصيّة، والذي يُنتظر أن يتبنّى دعم مجموعة صغيرة من الترشيحات الإضافيّة في الأيّام القليلة المُقبلة، يُقابل سعي "حزب الله" إلى زيادة عدد النوّاب المحسوبين على "الثنائي الشيعي" بالدرجة الأولى، وعلى "محور المُقاومة والمُمانعة" بالدرجة الثانية، بخلافات مع "الحُلفاء" السابقين ستُسبّب بدون أدنى شكّ إرباكًا كبيرًا لدى الناخبين المُؤيّدين للطرفين، وهي يُمكن أن تنعكس سلبًا في مرحلة ما بعد الإنتخابات أيضًا. أكثر من ذلك، إنّ "تيّار المُستقبل" يحتاج أصلاً إلىالفوز بكل المقاعد التي قدّم مُرشّحين إليها، للحفاظ على نفس حجم كتلة "لبنان أوّلاً" التي كان يرأسها غداة إنتخابات العام 2009، وهذا أمر مُستحيل!

وفي الخلاصة، لا شكّ أنّ فارقًا كبيرًا في المُقاربة التي يعتمدها كل من "حزب الله" و"تيّار المُستقبل" إزاء الإنتخابات النيابيّة المُرتقبة، في ظلّ شُكوك بقُدرة خرزة "المُستقبل" الزرقاء على الوقوف بوجه خُطط "حزب الله" الإستراتيجيّة في هذا الصدد!

(1) عددها 27 مقعدًا من أصل 64 مقعدًا للمُسلمين، ومن أصل 128 مقعدًا نيابيًا إجماليًا.

(2) فؤاد السنيورة، عُقاب صقر، خالد الضاهر، أحمد فتفت، عاطف مجدلاني، عمار حوري، جمال الجراح، محمد قباني، كاظم الخير، رياض رحال، خالد زهرمان، نضال طعمه، سبوح قالباكيان، سيرج طورسكيسيان، جان أوغاسابيان، ونبيل دو فريج.