لم يسبق أن أظهرت ​اسرائيل​ قلقا" من المستقبل، كما هي الآن بعد مرور سبعين عاما على تأسيس دولة الكيان العبري. تخشى تل أبيب من الرقم سبعين. الحذر لم ينبع من التنجيم ولا التوقعات، بل يستذكر الاسرائيليون تاريخا بعيدا قاد مملكتهم الى التفكك بعد سبعين سنة من الازدهار. يستحضرون تاريخ الشعوب: العصر الذهبي ل​بولندا​ استمر سبعين سنة، قبل ان تتدرّج نحو الضعف نتيجة تفكك اجتماعي وازدياد قوة جيرانها. ​الولايات المتحدة الأميركية​ وصلت الى القمة بعد سبعين سنة من حصولها على استقلالها من ​بريطانيا​، ولكن بعد بضع سنوات غرقت الولايات في حرب اهلية هددت وجودها. هذا الحذر تردّد في كتابات الصحافيين الاسرائيليين في الايام الماضية، فخصصت هآرتس مقالات للتحذير من الرقم سبعين في عمر دولتهم.
اذا نظر الاسرائيليون الى محيطهم، بعد سبعين سنة من تأسيس الكيان، سيجدون أن اسرائيل لم تعد مشروعا "من الفرات الى النيل". لا، بل وضعت جدرانا لضمان امن المستوطنين في كل اتجاه، في القدس، على حدود غزه، على حدود ​لبنان​. لم تنجح تل أبيب في توسيع الاتفاقات مع ​الدول العربية​، لا "​كامب ديفيد​"، ولا "وادي عربة". بقيت اسرائيل جسما غريبا في المنطقة العربية بعد سبعين سنة من عمرها. التعامل معها جريمة اجتماعية في وجدان الدول العربية، رغم التدرّج الحاصل في تنمية العلاقات الرسمية والتجارية والدبلوماسية، بينها وبين بعض الدول العربية. كل ذاك، لا يفيدها، ولا يعني لها ضمان البقاء. رغم كل المساعدات والمؤازرة الدولية لتل ابيب على كل صعيد، عجزت عن طمس هوية القدس، وطي ملف غزة، وفرض شروطها في جنوب لبنان و​سوريا​. كل تلك التحديات بقيت عاصية على ان تصبح طيّعة في يد اسرائيل. هنا سقط شعار "من الفرات الى النيل" بعد سبعين عاما من عمر الكيان.
باتت الاسئلة في تل ابيب وجودية. الصحافي في "هآرتس" سلاي مريدور سأل: ما الذي يجب أن نحذر منه بعد سبعين سنة على قيام الدولة، وحوالى 200 سنة على نجاح الصهيونية؟ وأقرنه بجواب: "الحذر من زوال ما يوحّدنا، ومن أن يخلي التضامن الداخلي مكانه لحرب قبلية، من دون معرفة كيفية التكيّف مع الظروف المتغيّرة، كي لا تتعفن القيادة".
ان أهم ما وصل اليه الصحافي المذكور هو: محاولة خفض نسبة العداء تجاههم، وتقليص التهديدات على وجودهم، وتوسيع التعاون مع جيرانهم، وعدم الميل نحو المشاعر والسياسة، أي نحو دولة بدون حدود-نصف سكانها عرب، لأن ذلك سيشكّل خطرا على الوجود. فالاستمرار غير مضمون، لأن التحديات التي تواجه الاسرائيليين غير منضبطة.
بعد سبعين سنة، الحذر الاسرائيلي من أجيال لا تقيم اعتبارا لأفكار الأجيال المؤسسة. الأجيال الاولى رحلت، أو صارت في مساحات العجز. تغيّرت اهتمامات الأجيال اللاحقة. لم تعد فكرة الصهيونية جاذبة، ولا العامل الديني جامع. لذلك، تطرح المؤسسة الدينية في تل أبيب العودة الى التشدد، لضمان الاستمرار، لأن المطّلعين يدركون حجم التدهور الذي سيقودهم الى الانهيار السريع، نتيجة تضافر عوامل داخلية سلبية، اجتماعية واقتصادية عدة، تدفع بها التحديات الخارجية بشكل دراماتيكي. الهروب الى افتعال الأزمات مع الايرانيين وحلفائهم لا ينفع. الحروب لم تعد تشكّل مخرجا لأزمات اسرائيل. تحقيقات لجنة "فينو غراد" أظهرت ذلك بعد حرب تموز على لبنان. أي توسيع للحروب يساهم في تفكك البنية الاسرائيلية، لأن الحدود ستكون مشتعلة. عجزت اسرائيل بعد سبعين سنة من ضبط الحدود، وهي غير قادرة على التوسّع، كما كان طموح المؤسّسين. المطروح تقليص مساحات النفوذ والاحتلال والسيطرة داخل الأراضي الفلسطينية.
بعد سبعين سنة من تراكم الانجازات ثم الاخفاقات، يحذر الاسرائيليون مما هو آت اليهم. هو يشكّل قلقا لا تخفيه الاحتفالات بتأسيس الدولة، ولا الخطابات السياسية، ولا الاستعراضات العسكرية والأمنية.