في السنة التي سبقت إنتخاب العماد ​ميشال عون​ رئيسًا للجُمهوريّة اللبنانيّة، طوى اللبنانيّون عُمومًا والمسيحيّون خُصوصًا صفحة سوداء في تاريخهم، بعد التقارب النوعي الذي حصل بين "التيّار الوطني الحُرّ" من جهة وحزب "القوّات اللبنانيّة" من جهة أخرى-بغضّ النظر عن الأسباب التي مهّدت لهذا التقارب الذي تُوّج بما بات يُعرف بإسم "تفاهم معراب". لكنّ تجربة حُكومة العهد الأولى لم تكن مُشجّعة على صعيد العلاقات الثنائيّة بين "التيّار" و"القوّات"، قبل أن تتفاقم الأمور أكثر خلال مرحلة الإنتخابات النيابيّة وما سبقها ورافقها من حملات، ليبلغ التدهور ذروته في الأيّام والأسابيع القليلة الماضية نتيجة عمليّة "شدّ الحبال" المُرافقة لجُهود تشكيل الحكومة الجديدة. فمن هي الجهة المسؤولة عن خيبة الأمل التي أصابت الكثير من اللبنانيّين والمسيحيّين، وهل من سبيل لإعادة إصلاح ما فسد؟.
من منظار "التيّار الوطني الحُرّ" الجهة التي يقع عليها اللوم تتمثّل بحزب "القوّات" لأنّه وبدلاً من دعم العهد الرئاسي الفتيّ العُود-بحسب الإتفاق بين الطرفين، لعب دور المُعارض الشرس من داخل الحُكومة، مُركّزًا إنتقاداته وحملاته على أداء وزراء "التيّار"، وأفشل مع غيره العديد من الخطط والمشاريع الإصلاحية لهؤلاء الوزراء. ومن المُنظار "العَوني" نفسه، الحق على حزب "القوّات" لأنّه حاول القيام بأدوار سياسية كادت تُعرّض الإستقرار الداخلي للإهتزاز خلال مرحلة "إستقالة" رئيس حُكومة ​سعد الحريري​ من السعوديّة، ولأنّه أصرّ على عدم مُواكبة خطط "التيّار" السياسية والإقتصادية لحلّ العديد من الملفّات العالقة، من مسألة إستجرار الطاقة الكهربائية وُصولاً إلى ملفّ اللاجئين السُوريّين، إضافة إلى عدم حرصه على الصلاحيّات التي يُحاول رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون تثبيتها عن طريق المُمارسة والتمسّك بالأعراف، بعد أن كانت قد سُحبت دُستوريًا من رئاسة الجُمهوريّة منذ إتفاف الطائف.
في المُقابل، ومن منظار حزب "القوّات اللبنانيّة"، الجهة التي يقع عليها اللوم تتمثّل بالتيّار الوطني الحُرّ، لأنّه وبدلاً من أنّ يتعامل مع القوات كشريك في الحُكم-بحسب الإتفاق بين الطرفين، إعتمد سياسة تفرّد تامة في سياسة الحُكم وإتخاذ القرارات، وكذلك في مسألة التعيينات وتوزيع المناصب الرسمية، مُبقيًا على الفتات لحزب "القوّات" ضمن الحصّة المسيحيّة، إضافة إلى منعه وزراء "القوّات" من تنفيذ برامجهم الإصلاحيّة في وزاراتهم، كما حصل مع وزير الإعلام ​ملحم الرياشي​ بالنسبة إلى ملف إدارة ​تلفزيون لبنان​ مثلاً. ومن المُنظار "القُوّاتي" نفسه، الحق على "التيّار الوطني الحُرّ" لأنّه دخل في تحالفات إنتخابيّة مع أغلبيّة القوى السياسيّة في لبنان، باستثناء "القوّات"، بهدف تحجيمها، ورفضه بعد صُدور النتائج الإعتراف بالحجم الذي تُمثّله شعبيًا مُصرّا على أنّ "التيّار" يفوقها حجمًا بمقدار الضعف، على الرغم من تسبّب تموضع "تيّار المُستقبل" ضُدها بخسارتها جزئيًا أو كليًا في عدد من الدوائر، ومن تكوّن كتلة "القوّات" الفائزة من أغلبيّة كبيرة من الشخصيّات الحزبيّة إلى أجانب أقليّة من الحُلفاء، في مُقابل تضمّن كتلة "التيّار" النيابيّة مُمثّلين عن أحزاب "​الطاشناق​" و"​الديمقراطي اللبناني​" و"حركة الإستقلال" إضافة إلى العديد من الشخصيّات المُستقلّة التي تحالفت إنتخابيًا مع "التيّار".
وبغضّ النظر عن مُبرّرات كل من "التيّار" و"القوّات"، لا شكّ أنّ خللاً كبيرًا طرأ على علاقتهما الثُنائية من جديد، بشكل يفوق التنافس السياسي الديمقراطي الطبيعي بين جهتين سياستين مُستقلّتين، خاصة وأنّ بعض قصيري النظر من مُؤيّدي الطرفين والمُصنّفين في خانة "المُتعصّبين"، حاول نكئ الجراح وإعادة إحياء أحقاد الماضي والتي تعود إلى عُقود مضت. والمُشكلة أنّ النجاح في تنقية العلاقة بين "التيّار" و"القوات" من جديد، يتجاوز التوصّل إلى تفاهم مُتجدّد على حجم الحُصص الوزاريّة وعلى مسألة توزيع الحقائب، ويستوجب توافق الطرفين على خطة عمل تشمل كامل ولاية حُكومة العهد الثانية التي قد يكون عمرها مُوازيًا لعُمر العهد حتى موعد إنتخابات دورة العام 2022 النيابيّة. أكثر من ذلك، إنّ حجم التمثيل الوزاري لحزب "القوّات" ليس مُرتبطًا بالتوافق على تقاسم المقاعد المسيحيّة مع "التيّار" فحسب، بل يشمل أيضًا توازنات سياسيّة داخليّة دقيقة تخصّ فرقاء داخليّين آخرين، في طليعتهم "تيّار المُستقبل"، مع ما لهذا الأمر من إمتدادات إقليميّة ومن تأثيرات خارجيّة أيضًا.
وفي الخلاصة، على القيّمين على كل من "التيّار الوطني الحُرّ" و"القوات اللبنانيّة" تذكّر النتيجة التي وصل إليها لبنان والمسيحيّون فيه بالتحديد، في عزّ الخلاف بين الطرفين في نهاية حقبة التسعينات، وكذلك النتيجة التي تحقّقت للبنان وللبنانيّين عُمومًا والمسيحيّين خُصوصًا، عندما توافقا في 18 كانون الثاني 2016! والعبرة لمن يعتبر...