مضى على تكليف النائب ​سعد الحريري​ أربعون يوماً في رئاسة الوزراء. حتّى الساعة لم تتشكّل الحكومة.
الخلاف على الأحجام هو عقدة الداخل ال​لبنان​ي.
عقدة الخارج هي تمثيل ​حزب الله​ في الحكومة وكيفية توزيع الوزارات السيادية. وجود حزب الله في مجلس الوزراء يقابله وزارات سيادية للقوات اللبنانية.
شدّ حبال بين ​السعودية​ و​ايران​، الكفاءات، المؤهلات، عدد الوزيرات النساء، والوزراء المستقلّين غير المحسوبين على أي حزب. كلها مسلّمات بقيت خارج التداول الجدّي بين المعنيين بالملفّ الحكومي.
ما هو المعيار المعتمد الموحّد لتأليف الحكومة؟ لا يوجد. (دعا إليه أمين عام حزب الله ​السيد حسن نصرالله​) بالمقابل، لا أحد يعمل على سنّ قانون أو ترسيخ عرف منطقي حضاري عادل لتأليف الحكومة.
إنّ الفراغ الحكومي الحالي مدعاة للسخرية، عدا عن كونه يكبّد الدولة اللبنانية خسائر تُقدَّر بمليارات الدولارات يومياً، لا سيّما اذا ما احتسبنا التأخير باستخراج الغاز والنفط من البحر في "المنطقة الاقتصادية الخالصة" وعوائده اليومية.
دولة القانون والمؤسسات تفرض احترام الدستور من جميع مكوّناتها. ما يحصل عبر الأعوام واليوم هو العكس وكارثة في تاريخ تطبيق الدستور اللبناني تستدعي وضع حدّ فوري لها. سنذكر لماذا.
أوّلاً: إنّ مبدأ فصل السلطات المنصوص عنه في الفقرة (ه) من مقدّمة الدستور يعني دون أيّ لبس عدم جوازية تعيين أي نائب في موقع وزاري لما يشكّله ذلك من تعديات على الدستور وانتهاكات لمبدأ يتعلق بالنظام العام. عكس المبدأ يعني الدمج في السلطات. وهذا ليس نظام لبنان القائم وفق الدستور.
هل النائب يسائل ويراقب ويحاسب نفسه؟!. من هنا، لماذا تمّ تعيين النائب سعد الحريري رئيساً للحكومة؟ أوليس الحريري نائباً يمثّل الأمّة جمعاء؟!.
كيف للبعض من رؤساء الأحزاب ومن النواب المنتخبين حديثا المجاهرة بالتصريح بأن "الجمع بين النيابة و الوزارة" قابل للدرس؟!.
مَن أين حظوا الحقّ بالقرار استنساباً بخرق الدستور؟!.
إذاً، دستورياً، ودون شخصنة أو أحكام عاطفية؛ إنّ تكليف النائب سعد الحريري برئاسة مجلس الوزراء باطلٌ لمخالفته الدستور وكذلك تعيين أيّ نائب بموقع وزاري.
ثانياً: تتكثّف الحركة المكوكيّة لرؤساء الأحزاب ورؤساء الجمهوريّة ​ميشال عون​ والمجلس النيابي نبيه برّي والحكومة سعد الحريري بهدف تأمين وزارات تتناسب مع الأحجام الحزبية.
أيّة أحجام؟ هل أصبحت نتيجة العملية الانتخابات النيابية التي جرت على أساس قانون انتخاب شبه نسبي قاعدة يُركن إليها لتحديد الأحجام؟!.
هل من حزبٍ أو فردٍ لم ينتقد قانون الإنتخاب الذي سُنّ تحت الرقم ٢٠١٧/٤٤ معتبرا إيّاه ظالماً و مجحفاً؟.
طبعاً، صمتَ البعض بعد صدور النتائج (تشير المعلومات أنّ بعض القوى ستطالب بتعديل القانون)، أشَهِد لبنان في تاريخه قانون انتخاب أكثر إجحافاً وفرزا طائفياً كهذا القائم حالياً؛ الذي كاد"الصوت التفضيلي" الواحد فيه يشعل حرباً أهلية؟!.
هل تجزم بعض الاحزاب المتقاتلة على مدى "قوتها" أنّ النزاهة كانت سيدة الانتخابات والتزوير والمال الانتخابي ادّعاءات واهية؟!.
إذاً، البرلمان الحالي ليس معياراً دقيقاً لتحديد الأحجام الحزبيّة لأنّه نتاج قانون غير عادل وعملية انتخابية يشوبها الشكّ. فاحتساب عدد الوزراء نسبياً بحسب حجم الكتلة النيابية لكلّ حزب ابتكار حسابي غير سياسي وغير دستوري.
ثالثاً: يبدو من المعلومات المتوافرة، أنّ الحكومة ستكون "جامعة" بحيث تتمثّل فيها الاحزاب الاساسية والطوائف حتى بعض الأقلّيات. هذه مخالفة فاضحة للدستور. (بعيداً عن شرط إلغاء الطائفية السياسية) نذكر، الفقرة (د) من الدستور اللبناني الّتي تنصّ على الآتي:
" الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية". الشعب مصدر السلطة التنفيذية، كما هو مصدر السلطة التشريعية، ومصدر السلطة القضائية؛ فتصدر الأحكام باسمه.
للتذكير، الشعب ليس فقط الأحزاب. الشعب ليس فقط الرجال. السلطة التنفيذية يجب أن تضمّ نساء ومستقلّين. ولا يكفي أن يضاف الى الحكومة وزيرة أو اثنتين تتوليان حقائب غير سيادية أو وزارات دولة؛ بل وزيرات توكل إليهنّ وزارات سياديّة. وزيرات الدفاع والخارجية والداخلية في دول الغرب لا يتمتّعن بكفاءات وشخصيات تتفوّق على ما لدى العديد من النساء في لبنان.
سلطة تنفيذية خالية من وزراء ووزيرات مستقلين عُيّنوا من غير حصص الأحزاب، تعني أنها مرآة وانعكاس للسلطة التشريعية. أيّ، نظام خرق مبدأ فصل السلطات. ما يطرح اكثر من علامة استفهام حول مدى إمكانية مراقبة ومحاسبة الحكومة وعلى مدى شفافية أدائها لما فيه مصلحة الوطن العليا واستقرار النظام. النتيجة، حكومة غير دستورية.
إنّ المحاباة ممنوعة في العمل الوطني حيث تعلو المصلحة العليا. التأخير وآلية البحث دفعا بالملف الحكومي ليغدو مسخرة يدفع ثمنها لبنان وشعبه واقتصاده وسياسته.
غداً، قد تولد حكومة موسومة بطابع العجلة والتعجيل بحجة المصلحة الوطنية (رغم التسويف الحاصل). حكومة لا احد راضٍ عنها و لكن ضرورية إنقاذا للعملة الوطنية مثلاً. اعتدنا على هكذا حالات. فيصمت الجميع كما حصل عند صدور الكثير من القوانين.
مَن يحاسب مَن؟ مَن يعيّن مَن؟ مَن ينتخب مَن؟ و مَن يقاطع مَن؟ أسئلة تطرح نفسها.
تهاوى في النظام اللبناني مبدأ إلغاء الطائفية السياسية الدستوري تحت مفهوم نسمِّيه: الأمن الطائفي.فهل المطلوب ضرب الدستور اللبناني رويدا رويدا تحت غفلة من الشعب فيتهاوى أكثر فأكثر مبدأ فصل السلطات تحت مفهوم المصلحة الوطنية؟.
لكن، أين العدالة الاجتماعية؟! أين التساوي في الحقوق السياسية بين المرأة و الرجل؟!.
لبنان الحضارة، تسخر من سياسته بعض الدول الحضارية وهذا ما هو واضح من النسبة المتدنيّة جدّاً للإستثمارات الأجنبية فيه مقابل النسبة المرتفعة للقروض عليه.
حبَّذا لو تتبدّل بعض السياسات. المناصب هنا "مش للبيع" بين الأحزاب، ولبنان ليس "عربة" على قارعة الطرقات الدولية. وإلّا سيُجَرّ بنا إلى المجهول مروراً بنفق اقتصادي قاتم؛ حتى الساعة، لا كهرباء فيه.